بيانُ أنَّهُ لا خالقَ إِلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ:
يجبُ أنْ
يُعتَقَدَ أنَّ اللهَ تعالى هوَ الخالقُ الذي أبرزَ جميعَ الكائناتِ منَ العدمِ
إلى الوجودِ فلا خالقَ إلَّا اللهُ، وما سوى اللهِ حدثَ بخلقِهِ تعالى وتكوينِه.
فاللهُ تعالى يفعلُ بقدرتِه الأزليةِ بلا جارحةٍ أي بلا عضوٍ ولا حركةٍ ولا ءالةٍ
ولا مباشرةٍ ولا مماسَّةٍ لشىءٍ أيْ مِنْ غيرِ مَسٍّ، فاللهُ تعالى لا يُمَسُّ ولا
يَمَسُّ، خلقَ العالمَ مِنْ غيرِ مباشرةٍ ليسَ مثلَ العبادِ،
العبادُ إذا أرادوا أَنْ يعملوا شيئًا يُمسكونَ الشىءَ بأيديهِم يتحركونَ نحوَه
ويمسكونَه بأيديهم أو يمسكونَ الآلةَ ثمَّ الآلةُ تتصلُ بذلكَ الشىءِ الذي يعملونَه،
أمَّا اللهُ تعالى فليسَ هكذا. فاللهُ تعالى يخلُقُ بمعنى الإخراجِ مِنَ العدمِ
إلى الوجودِ، ولا خالقَ على هذا الوجهِ إلَّا اللهُ، خلقَ العالمَ وأحدَثَهُ مِنْ
غيرِ أنْ يكونَ لهُ احتياجٌ إليهِ ولا لجلبِ منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ عنْ نفسِه إنَّما
خَلَقَهُ إظهارًا لقدرتِه. قالَ اللهُ تعالى: ﭐﱡﭐﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲟﱠ([1]) وقالَ: ﭐﱡﭐﲤ ﲥ ﲦ ﲧﲨﱠ([2]) فالآيتانِ صريحتانِ في أنَّ اللهَ هوَ خالقُ الأجسامِ
والأعمالِ لأنَّ لفظَ الشىءِ يشملُ الأجسامَ والأعمالَ، فكلُّ ما دخلَ في الوجودِ
مِنَ الأعيانِ وهيَ الأشياءُ التي لها حجمٌ إنْ كانتْ صغيرةً كالذرةِ أو ما كانَ أصغرَ
منها كالجزءِ الذي لا يتجزأُ لكونِه في منتهى القلةِ وهوَ الجوهرُ الفردُ، أو
كبيرةً كالعرشِ الذي هوَ أكبرُ المخلوقاتِ حجمًا وأوسعُها مساحةً، وكذلكَ أعمالُ
العبادِ حركاتُهم وسكناتُهم وعلومُهم ونظرُهمْ وخواطرُهم التي تطرأُ عليهم بدونِ
إرادَتِهم اللهُ تعالى هوَ خَلَقَهَا فيهم، أمَّا العبادُ فلا يخلُقونَ شيئًا وليسَ
الأمرُ كما تقولُ المعتزلةُ: بأنَّ العبدَ يخلقُ أفعالَه الاختياريةَ أي يُحْدِثُها
مِنَ العدمِ إلى الوجودِ، وكلامُهم هذا كفرٌ قطعًا لأنَّهُ تكذيبٌ لقولِ اللهِ
تعالى: ﱡﭐﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳘﱠ([3])
أي لا
خالِقَ إلَّا اللهُ. ويَكْفي في إبْطالِ قولِهم قولُه تعالى: ﭐﱡﭐ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱘﱠ([4]) فنفى اللهُ الرميَ مِنْ جهةِ الخلقِ عنِ الرسولِ ﷺ أيْ
أنتَ مَا خَلَقْتَ ذلكَ الرميَ يا محمَّدُ، وأَثْبَتَهُ لهُ مِنْ جهةِ الاكتسابِ
أيِ الرسولُ وَجَّهَ إرادتَه نحوَ ذلكَ الفعلِ واللهُ أبرَزهُ مِنَ العدمِ إلى
الوجودِ، فقدِ اجتمعَ النفيُ والإثباتُ في الآيةِ لكنْ من جهتينِ، وعلى قولِ المعتزلةِ
تكونُ الآيةُ جمعتِ النفيَ والإثباتَ مِنْ جهةٍ واحدةٍ وذلكَ باطلٌ محالٌ كقولِ
القائلِ: قامَ زيدٌ ولم يَقُمْ زيدٌ.
والخلقُ في لغةِ العربِ لهُ خمسةُ معانٍ([5]):
أحدُها بمعنى الإبرازِ مِنَ العدمِ إلى الوجودِ، وعلى هذا المعنى لا تُستعملُ
مضافةً إلى غيرِ اللهِ، ويكفرُ مَنْ يَستعمِلُ كلمةَ الخلقِ مضافةً للناسِ في
الموضعِ الذي تكونُ فيهِ بمعنى الإبرازِ مِنَ العدمِ إلى الوجودِ كأنْ يقولَ شخصٌ:
أُخْلُقْ لي كذا كما خَلَقَكَ اللهُ، أما على المعاني الأخرى فيجوزُ استعمالُها
مُضافةً لغيرِ اللهِ، فيجوزُ إطلاقُ الخلْقِ على غيرِ اللهِ بمعنى التقديرِ كما
قالَ زهيرُ بنُ أبي سُلْمَى ([6])
الشاعرُ في وصفِ مَمدوحه هَرِمِ بنِ سِنَانٍ ([7]): (الكامل)
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْــــــــــــــــــضُ
الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي([8])
معناهُ أنتَ تُقَدِّرُ وَتُنَفِّذُ وبعضُ الناسِ
يُقَدِّرُونَ ولا يُنَفِّذُونَ، أيْ أنتَ لكَ مزيةٌ بذلكَ. ويقالُ في اللغةِ: خلقتُ
الأديمَ حذاءً، أيِ الجلدَ قَدَّرْتُهُ حذاءً فَقَطَعْتُهُ وَصَنَعْتُهُ،
أيْ أَنْفَذْتُ مَا قَدَّرْتُ، كمَا أنَّهُ يأتي بمعنى التصويرِ كما قالَ
تعالى في حقِّ عيسى عليهِ السلامُ: ﭐﱡ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﲘﱠ([9]) فعيسى عليه ِالسلامُ كانَ يُصَوِّرُ منَ الطينِ صورةَ خفَّاشٍ، ثُمَّ يخلُقُ
اللهُ فيها الروحَ ثمَّ تطيرُ حتى تغيبَ عنْ أنظارِ الناسِ ثمَّ تقعُ ميتةً، هذهِ
مِنْ جملةِ معجزاتِ المسيحِ عليهِ السلامُ. ويطلقُ الخلْقُ أيضًا على افتراءِ
الكذبِ ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱝ ﱞ ﱴﱠ([10]) أيْ تفترونَ الكذبَ وهذا لا يضافُ إلا إلى العبدِ يقالُ خلقَ فلانٌ الإفكَ
أيِ افتراهُ. ويقالُ في اللغةِ أيضًا خلقتُ هذا الخشبِ كرسيًّا أي سوَّيْتُه
أمْلسَ بحيثُ يَصْلُحُ للجلوسِ عليهِ، فمعنى خلَقَ هنا سوَّى وملَّس([11]).
ونقلَ الباقلانيُّ إجماعَ الأمةِ على أنَّ اللهَ موجودٌ وهوَ وحدَه الخالقُ فقالَ:
“وأجمعتِ الأمةُ على القولِ بأنْ لا خالقَ إلا اللهُ في الدارينِ كما أجمعوا
أنْ لا إلهَ غيرُه”([12])
اهـ وأجمعَ أهلُ الحقِّ على أنَّ اللهَ تعالى
هوَ خالقٌ لأفعالِ العبادِ كلِّها كمَا أنَّهُ خالقٌ لأعيانِهم، وأجمعوا على أنَّ جميعَ
ما يفعلونَه خيرًا كانَ أو شرًّا فهوَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وإرادتِه ومشيئتِه
عزَّ وجلَّ، ولولا ذلكَ ما كانوا عبيدًا ولا مخلوقينَ ولا مربوبينَ قالَ ربُّنا جلَّ
جلالُه في الكتابِ الحكيمِ: ﭐﱡﭐ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲟﱠ([13])
وَقَالَ أَيْضًا: ﭐﱡﭐﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠﱠ([14])
وَقَالَ تَعَالَى: ﭐﱡ ﭐﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔﱠ([15]).
فلمَّا كانتْ أفعالُهم يُطْلَقُ عليهَا أنَّها “شَيءٌ” فقدْ
دَخَلَتْ في إطلاقِ الآيةِ الشاملِ لجميعِ الحادثاتِ ووجبَ أنْ تكونَ بخلقِ اللهِ
قدْ حَدَثَتْ، لأنَّ الأفعالَ لو كانتْ غيرَ مخلوقةٍ للهِ لكانَ اللهُ جلَّ شأنُه خالقًا
لبعضِ الأشياءِ دونَ جميعِها ولكانَ قولُه: ﭐﱡﭐ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲟﱠ كذبًا، حاشا للهِ وتعالى ربُّنا عنْ ذلكَ.
تنبيهٌ:
لا يجوزُ إطلاقُ لفظِ الخالقِ على غيرِ اللهِ تعالى فهوَ مِنَ الأسماءِ الخاصةِ
باللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ أبو منصورٍ البغداديُّ: “أمَّا التسميةُ بالإلهِ
والرحمٰنِ والخالقِ والقدوسِ والرزاقِ والمحيي والمميتِ ومالكِ الملكِ وذي الجلالِ
والإكرامِ فلا يليقُ بغيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ويجوزُ تسميةُ غيرِه بما خرجَ مِنْ
معاني تلكَ الأسماءِ الخاصةِ”([16]).
([6])
زهير بن أبي سلمى المزني، من مضر، من شعراء الجاهلية. كان أبوه
شاعرا، وخاله شاعرا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء
شاعرة. ولد في بلاد (مزينة) بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد)
واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في
سنة فكانت قصائده تسمى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته، مات سنة 13 قبل الهجرة.اهـ
الأعلام للزركلي ج 3 ص 52.
([7])هَرِمُ بن سنان
بن أبي حارثة المري، من أجواد العرب في الجاهلية يضرب به المثل، وهو ممدوح زهير بن
أبي سلمى، اشتهر هو وابن عمه ” الحارث بن عوف ” بدخولهما في الإصلاح بين
عبس وذبيان، ومات هرم قبل الإسلام في أرض لبني أسد يقال لها ” رزاء ”
وهو متوجه إلى النعمان سنة 15 قبل الهجرة.اهـ الأعلام للزركلي ج 8 ص 82.