718- فبعثه أسامة بن زيد
|
| للحرقات وهو ذو ترديد
|
(فـ)ـبعد بعث ابن أبي حدرد إلى رفاعة بن قيس الجشمي كان (بعثه) ﷺ (أسامة بن زيد) رضي الله عنه (للحرقات) بضم الحاء وفتح الراء بطن من جهينة نسبة إلى الحرقة واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة الجهني، قال ابن الكلبي: سموا بذلك لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد فأحرقوهم بالسهام لكثرة من قتلوا منهم([1])، (وهو) أي هذا البعث (ذو ترديد) أي في شأنه تردد واختلاف عند أهل الحديث والسير (هل كان) الأمير غالب بن عبد الليثي والإرسال (في) رمضان من (السبع) للهجرة وفي البعث أسامة بن زيد (كما قد مرا) بألف الإطلاق أي سبق ذكره في النظم عند قوله: «فبعثه الليثي غالبا إلى ميفعة إلخ» البيت([2])، (أو) أن البعث كان (في الثمان) من الهجرة و(كان) الأمير أسامة بن زيد (و)القول الثاني (هو أحرى) أي أجدر بالاعتماد لأن سنده أقوى كما قال الحافظ العسقلاني([3]).
(وفيه) أي وفي هذا البعث (قتله) أي اسامة (لـ)ـمرداس بن نهيك (من قد) كان كافرا ثم (ذكرا) بألف الإطلاق أي قال (كلمة التوحيد) أي الشهادة عند أسامة، وكان قتل أسامة له لأنه أحس أنه قالها من أجل النجاة من القتل لا عن تصديق بها، ولم يكن مصيبا فيما فعل (حـتى) إنه قد (أنكرا) عليه ذلك من قبل رسول الله ﷺ حين رجع إلى المدينة.
وتفصيل خبر ذلك أن هذه السرية قصدت الحرقات فوصلتها صباحا، وكان في جهينة رجل يدعى مرداس بن نهيك شديدا في القتال، فلما وقع القتال غشيه أسامة ورجل من الأنصار، ففر مرداس بغنيمة له وجمل حتى أوى إلى كهف جبل فتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع الغنيمة ثم أقبل إلى الـمسلمين، فرفع أسامة عليه السيف فقال مرداس: لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله، فكف الأنصاري عنه، فلما لم يتمكن أسامة منه بالسيف طعنه، فوقع في نفس أسامة من ذلك شيء حتى إنه لم يكن يقدر على أكل الطعام حتى قدم على رسول الله ﷺ فقبله ﷺ واعتنقه، فجعل القوم يحدثون رسول الله ﷺ يقولون: يا رسول الله لو رأيت أسامة، لقيه رجل قال الرجل: لا إلٰه إلا الله فشد عليه وقتله، فرفع رسول الله ﷺ رأسه إلى أسامة وقال: «يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إلٰه إلا الله؟!»، قال أسامة: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح([4])، فقال ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم؟!» أي لم تطلع يا أسامة على ما في قلبه حتى تقول إنه قالها خوفا من السلاح لا عن تصديق بها، وفي رواية أن أسامة قال: فقال لي: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟!» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم([5]).
وروي أن رسول الله ﷺ أمر لأهل مرداس بديته ورد إليهم ماله الذي سلبه إياه أسامة.
([1]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (12/195).
([2]) ينظر البيت رقم (672) من النظم.
([3]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/518).
([5]) لا يريد بذلك تمني أن لو كان على الكفر فترة أطول مما كان عليه سابقا قبل إسلامه ولا تمني أن لو لم يكن على الإسلام، إنما أراد تمني أن لو لم يكن ذلك قد حصل منه في إسلامه.
قال البدر العيني في «عمدة القاري» (24/36): «معناه أنه كان يتمنى إسلاما لا ذنب فيه» اهـ. وقال شمس الدين الكرماني في «الكواكب الدراري» (16/125) والشمس البرماوي في «اللامع الصبيح» (11/307) وابن علان في «شرح الرياض» (3/275): «تمنى إسلاما خاليا عن الإثم لا عدم الإسلام، فلا إشكال» اهـ. وقال الـملا الكوراني الحنفي: «ولا يلزم منه تمني الكفر لأنه أراد معنى ءاخر». اهـ.