الخميس فبراير 19, 2026

بعثه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح لاعتراض عير لقريش

701- فبعثه أيضا أبا عبيدة
702- وهو الذي تعريفه جيش الخبط
703- وكان زادهم جراب تمر
704- وفيه ألقى البحر حوتا ميتا
705- شهرا عليه الجيش حتى سمنوا
706- وفيه قيس ابن سعد نحرا
707- عمر مع أميرهم فمنعا
ج

 

في عدة وهم ثلاثمائة
يلقون عيرا لقريش ففرط
فأكلوا الخبط فقد التمر
يدعونه العنبر حتى ثبتا
من أكله وحملوا وادهنوا
جزائرا للجيش حتى ائتمرا
وجاء سعد فاشتكى من منعا

 

 (فـ)ـبعد بعث السرية إلى قضاعة كان (بعثه) ﷺ (أيضا أبا عبيدة) عامر بن الجراح رضي الله عنه في رجب سنة ثمان من الهجرة (في عدة) من الـمهاجرين والأنصار (وهم ثلاثمائة) فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه (وهو) أي البعث (الذي تعريفه جيش) أو سرية (الخبط) بفتح الخاء الباء، وهو ما سقط من ورق الشجر إذا خبط بالعصا، وسيأتي سبب تسمية السرية بذلك.

وقد خرج الـمهاجرون والأنصار في هذه السرية (يلقون) أي ليرصدوا (عيرا) أي قوافل (لقريش) كان يظن أنه يمر بالساحل لناحية ديار جهينة (فـ)ـعدل العير إلى طريق ءاخر و(فرط) أي أفلت من أيدي السرية.

ومكثت السرية ترصد العير – قبل أن يتبين انفلاتها منهم – بساحل البحر الأحمر نصف شهر (وكان زادهم) الذي زودهم به رسول الله ﷺ (جراب تمر) والجراب بكسر الجيم وعاء من جلد، وظاهر ما جرى عليه الناظم هنا موافق لما في «صحيح مسلم» من طريق أبي الزبير: «وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره» لكنه مناف في ظاهره لقوله في الرواية الأخرى في «الصحيحين»: «نحمل أزوادنا على رقابنا» ولقوله في الصحيحين أيضا: «ففني زادهم فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود فكان يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة» كذا في رواية مسلم، وعند البخاري: «فكان مزودي تمر»، والجمع بين ذلك كله كما قال القاضي عياض([1]) أن يكون النبي ﷺ زودهم الجراب زائدا على ما كان معهم من قليل الزاد مشن أموالهم وغيرها مما واساهم به الصحابة.

وكان أبو عبيدة رضي الله عنه يعطي الواحد منهم في اليوم والليلة تمرة واحدة يمصها ثم يصرها في ثوبه، فاصابهم جوع شديد (فأكلوا الخبط) أي ورقة (فقد) أي من أجل فقد (التمر) وما يقوم به البدن من القوت، وكانوا يبلونه بالماء ويأكلونه حتى تقرحت أشداقهم.

وفي ذلك بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الجهد والاجتهاد والصبر على الشدائد العظام والـمشقات العظيمة لإظهار الدين ونشره وإطفاء كلمة الـمشركين.

(وفيه) أي وفي هذا البعث قال بعض أهل السرية: والله لو لقينا عدوا ما كان منا حركة إليه لما بالناس من الجهد فـ(ـألقى البحر) لهم دابة كانت (حوتا) عظيما (ميتا) لم يروا مثله، بحيث إن أبا عبيدة رضي الله عنه نصب لهم ضلعا من أضلاع الحوت ومر تحته أطول رجل في القوم وهو قيس بن سعد بن عبادة راكبا على أطول بعير فلم يطأطئ رأسه، وكان هذا الحوت (يدعونه) أي يسمى (العنبر، حتى ثبتا) من الثبوت (شهرا عليه الجيش) يأكلون منه، والشهر رواية مسلم، وعند البخاري: ثماني عشرة ليلة، وفي رواية ثالثة: نصف شهر([2])، فاستمر الجيش يأكلون من لحم العنبر وشحمه (حتى سمنوا من أكله) وهم ثلاثمائة (وحملوا) معهم من لحمه إلى المدينة وشائق (و)أخرجوا من نقرة حدقة عينيه الدهن بالقلال و(ادهنوا) بها حتى صلحت أجسامهم من الأكل والدهن. فلما قدموا المدينة أتوا رسول الله ﷺ وذكروا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟»، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ منه شيئا فأكله.

(و)كان (فيه) أي في هذا البعث حدث سابق على إلقاء البحر العنبر، وذلك أن قيس ابن سعد بن عبادة رضي لله عنهما خرج إلى أهل ساحل البحر الأحمر فقال: من يشتري مني تمرا بجزور([3]) نحرها ههنا وأوفيه الثمن بالـمدينة؟ فوجد رجلا من جهينة، فقال قيس: بعني جزورا وأوفيك ثمنه من تمر بالمدينة، فقال الجهني: والله ما أعرفك فمن أنت؟ قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، فقال الجهني: ما أعرفني بنسبك، إن بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب، فابتاع منه خمس جزائر، كل جزور بوسق من تمر، واشترط عليه البدوي من تمر ءال دليم، فقال قيس: نعم، قال الجهني: أشهد لي، فأشهد له نفرا من الأنصار ونفرا من الـمهاجرين، فقال عمر بن الخطاب: لا أشهد، هذا يدان ولا مال له، إنما المال لأبيه، فقال الجهني: والله ما كان سعد ليخني بابنه في سقة من تمر، وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا، فأخذ (قيس ابن سعد) رضي الله عنهما الجزر فـ(ـنحرا) بألف الإطلاق (جزائرا) بالصرف للضرورة جمع جزور (لـ)ـأجل إطعام (الجيش) الذي أجهده الجوع، وجعل قيس ينحر لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزورا (حتى) كان اليوم الرابع فـ(ـائتمرا) بإلف الإطلاق أي تشاور (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (مع أميرهم) أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه (فمنعا) بألف الإطلاق أي نهى أبو عبيدة قيسا عن ذلك وقال له: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك، فقال له قيس: أترى أبا ثابت – يعني والده سعدا – يقضي ديون الناس ويطعم في المجاعة ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟ فلان أبو عبيدة لموافقته إلا أن عمر بن الخطاب أبى إلا التصميم على الـمنع.

وقدم قيس المدينة فلقيه والده قال: ما صنعت في مجاعة القوم؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نهيت، قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري، قال: ولم؟ قال: زعم أن لا مال لي وإنما المال لأبي، قال: فلك أربع حوائط أدناها حائط تجد منه خمسين وسقا.

(وجاء سعد) رسول الله ﷺ (فاشتكى) عمر (من منعا) ابنه قيسا من الـمضي فيما كان يفعل، ونسبة الـمنع إلى عمر إما لأنه كان مبادرا لمشاورة الأمير في الـمنع أو لأنه أصر على الـمنع، بعدما لان أبو عبيدة لكلام قيس.

وروي أنه لما بلغ رسول الله ﷺ ما فعل قيس قال: «إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت»، وفي رواية: «إنه في قلب جود».

([1]) إكمال الـمعلم، القاضي عياض اليحصبي، (6/371).

([2]) قال الحافظ النووي في «شرح مسلم» (13/88- 89): «طريق الجمع بين الروايات أن من روى شهرا هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة، ولو نفاها قدم الـمثبت، وقد قدمنا مرات أن الـمشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة، كيف وقد عارضه، فوجب قبول الزيادة. وجمع القاضي بينهما بأن من قال: نصف شهر أراد أكلوا منه تلك الـمدة طريا، ومن قال: شهرا أراد قددوه فأكلوا منه بقية الشهر قديدا».

([3]) هو البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن أردت ذكرا، والجمع جزر وجزائر، قاله في «النهاية» (1/266).