الخميس مارس 12, 2026

بعثه ﷺ أسامة بن زيد إلى أبنى

775- ءاخر من بعثه أسامة
776- حتى قضى النبي قبل سفره
777- بعثه الصديق حتى أرهقا

 

 

لأهل أبنى لم يرم مقامه
رد أسامة بجمع عسكره
قاتل زيد وسبا وحرقا

 

 و(ءاخر من بعثه) رسول الله ﷺ (أسامة) بن زيد رضي الله عنه (لأهل أبنى) بوزن حبلى موضع بالشام من جهة البلقاء([1])، وقيل: قرية بمؤتة([2]).

وسبب هذا البعث أن رسول الله ﷺ كان قد أقام بعد حجة الوداع بالمدينة بقية ذي الحجة والـمحرم وهو يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم، فلما كان يوم الاثنين لأربع بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر ﷺ بالتهيؤ لغزو الروم وأمر الصحابة بالجد، ثم دعا من الغد أسامة بن زيد رضي الله عنهما وأمره بالجهاز للسير إلى موضع مقتل أبيه زيد وأن يغير على أهل أبنى.

فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله ﷺ وجعه فحم واشتد عليه الصداع، فلما أصبح ﷺ يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده وأمره بالخروج، فخرج أسامة في ثلاثة ءالاف فيهم سبعمائة قرشي ودفع لواءه المعقود إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي وعسكر بالجرف([3]) و(لم يرم) بضم الياء وكسر الراء([4]) أي لم يبرح (مقامه) بالجرف، فدخلت أم أيمن على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فقال رسول الله ﷺ: «أنفذوا بعث أسامة».

واستصغر رجل من الـمهاجرين أسامة فتكلم فيه وكثرت الـمقالة بين بعض الصحابة حتى سمع عمر رضي الله عنه بعض ذلك فرده على من تكلم به وأخبر رسول الله ﷺ بذلك فغضب ﷺ غضبا شديدا، ثم خرج يوم السبت عاشر الـمحرم فخطب في الناس وحذر من الطعن في أسامة وأثنى عليه وعلى أبيه رضي الله عنهما ثم قال: «فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم».

ثم نزل ﷺ فدخل بيته، فجعل الـمسلمون الذين يبتعون أسامة رضي الله عنه في الخروج يودعون رسول الله ﷺ ثم يمضون إلى العسكر بالجرف. ومضى الناس إلى الـمعسكر فباتوا ليلة الأحد حتى نزل أسامة فدخل على رسول الله ﷺ يخبره بتجهز العسكر للمضي نحو أبنى، فدخل عليه وعيناه تذرفان وعنده الناس والنساء، فوجده ﷺ قد أثقله المرض فطأطأ أسامة عليه وقبله ثم رجع إلى معسكره.

ودخل يوم الاثنين وقد أصبح رسول الله ﷺ مفيقا، فأتاه أسامة فقال له ﷺ: «اغد على بركة الله»، فودعه وخرج إلى معسكره ثم أمر الناس بالرحيل وقد وضح النهار، فبينا هو يريد أن يركب أتاه مرسل من أمه أم أيمن يخبره أن رسول الله ﷺ يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة وأقبل معه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح – وكانوا في عسكره – فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يحتضر فمكثوا (حتى قضى) أي توفي (النبي) ﷺ ذلك اليوم (قبل سفره) أي سفر أسامة وأصحابه إلى أبنى، فدخل الـمسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة التي عمها الحزن الشديد على فراق سيد العالمين رسول الله ﷺ، ودخل بريدة باللواء معقودا فغرزه عند باب رسول الله ﷺ.

ولما بويع لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي إلى أبنى للغزو فـ(ـرد) أي أمر (أسامة) بالرجوع إلى الجرف و(بجمع عسكره) ثانية – والصرف في «أسامة» في النظم للضرورة – وقال له حين (بعثه الصديق) رضي الله عنه: انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله ﷺ.

فأمر أسامة الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء، فلما ارتد بعض العرب كلم أبو بكر في حبس أسامة عن الخروج فأبى أبو بكر رضي الله عنه وخرج معه يشيعه وقال له: أستودع الله دينك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله ﷺ يوصيك فانفذ لأمر رسول الله.

فمضى أسامة لهلال ربيع الآخر من الجرف مع جيشه سريعا حتى اقترب من أبنى وقد مضى على مسيره قريب من ثماني عشرة ليلة، فقدم عينا له من بني عذرة ينتهي إلى أبنى فعاد إليه وأسامة على ليلتين من أبنى فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم، فمضى أسامة إلى أبنى وعبأ أصحابه ثم شن الغارة على أهل أبنى (حتى أرهقا) أي قتل (قاتل) أبيه (زيد) وكل من أشرف له من الكافرين، والألف في «أرهقا» للإطلاق، وأثبتها الأجهوري بلفظ «أهرقا» بتقديم الهاء على الراء وقال([5]): «أهرقا – بألف الإطلاق – دماءهم، من الإهراق أي الصب».

(وسبا) زيد من قدر عليه (وحرقا) بالنار، منازلهم وحرثهم ونخلهم حتى خرجت من أبنى أعاصير([6]) من الدواخين وأجال الخيل في عرصاتهم([7])، وألف «حرقا» للإطلاق.

وأقام الـمسلمون يومهم ذلك في جمع ما أصابوا من الغنائم، فلما أمسوا أمر أسامة الناس بالرحيل ثم أسرع السير حتى ورد وادي القرى فبعث إلى المدينة بشيرا بسلمتهم ثم قصد في سيره حتى وصل المدينة ولم يصب أحد من الـمسلمين في ذلك.

وخرج أبو بكر رضي الله عنه في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم سرورا بسلامتهم والظفر، ودخل أسامة على فرس أبيه الـمسماة سبحة([8]) واللواء أمامه يحمله بريدة حتى انتهى إلى باب الـمسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته.

([1]) من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قاله في «معجم البلدان» (1/489).

([2]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (1/79).

([3]) بضم فسكون موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، قاله في «معجم البلدان» (2/128).

([4]) شرح الدرر السنية، نور الدين الأجهوري، (ق/421).

([5]) شرح الدرر السنية، نور الدين الأجهوري، (ق/421).

([6]) جمع إعصار وهو ريح يثير الغبار ويرتفع إلى السماء كأنه عمود، قاله في «سبل الهدى» (6/252).

([7]) أي: ساحاتهم.

([8]) بفتح السين وإسكان الباء، سمي بذلك من قولهم: «فرس سابح» إذا كان حسن مد اليدين في الجري، قاله في «سبل الهدى» (7/402).