الأربعاء يناير 28, 2026

بسم الله الرحمـٰـن الرحيم

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم([1])

1- يقول راجي من إليه المهرب
2- أحمد ربي بأتم الحمد
3- إلى نبيه وأرجو الله
4- من نظم سيرة النبي الأمجد
5- وليعلم الطالب أن السيرا
6- والقصد ذكر ما أتى أهل السير
7- فإن يكن قد صح غير ما ذكر

 

 

عبد الرحيم بن الحسين المذنب
وللصلاة والسلام أهدي
في نجح ما سئلته شفاها
ألفية حاوية للمقصد
تجمع ما صح وما قد أنكرا

به وإن إسناده لم يعتبر
ذكرت ما قد صح منه واستطر

 

 (يقول) ناظم هذه الأرجوزة (راجي) أي مؤمل عفو الله الغفور (من) أي الإله الذي (إليه) التضرع وغاية التذلل و(المهرب) أي الالتجاء، وفي الحديث: «لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك» أي لا مخلص ولا ملاذ من عقوبتك إلا إلى رحمتك.

والراجي ذلك هو (عبد الرحيم) بدل من «راجي» (ابن) الشيخ الزاهد (الحسين) بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي الأصل الكردي الرازياني المصري الشافعي، وقد وصف الناظم نفسه بأنه (المذنب) أي العاصي هضما للنفس وتواضعا.

(أحمد ربي) أي أثني عليه (بأتم) أي بأكمل (الحمد) أي الثناء باللسان على ما أنعم به علي من غير وجوب عليه سبحانه، (و)بعد حمده عز وجل فإني (للصلاة والسلام) معا (أهدي) أي أجعلهما هدية (إلى) رسول الله و(نبيه) وصفيه وخير خلقه سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ. والصلاة منا على النبي محمد ﷺ دعاء أن يزيد الله تعالى محمدا شرفا وتعظيما ورفعة، والسلام في الأصل الأمان، والـمهدى إلى رسول الله ﷺ هنا هو بمعنى التحية.

والنبي بالهمز وتركه إما من النبأ وهو الخبر، وسمي به لأنه ينبئ عن الله تعالى بما يوحي إليه أو ينبأ عنه من قبل الـملك مثلا، وإما من النبوة وهي الارتفاع وذلك لرفعة منزلة النبي على الخلق أو لرفعته قدر من اتبعه.

والجامع بين النبي الرسول والنبي غير الرسول أن كلا منهما إنسان ذكر حر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والفرق بينهما أن الرسول أوحي إليه بشرع جديد أو بنسخ بعض أحكام شريعة من قبله، وأما النبي غير الرسول فيتبع شرع الرسول الذي كان قبله.

ولا يصح قول بعضهم: «النبي إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه فرسول»، لأن كلا مأمور بالتبليغ كما بينا، وعدم التبليغ من الخيانة، والأنبياء منزهون عن ذلك، قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنىٰ} أي دعا قومه.

قال الشيخ أبو العباس أحمد بن أحمد بن زروق الفاسي (ت899هـ) في كتابه «تحفة الـمريد»: «ولا يصح قول من قال: النبي نبي في نفسه والرسول من أرسل إلى غيره، لأن الله تعالى يقول: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنىٰ} الآية، فشرك بينهما في الإرسال وفرق بينهما في التسمية»([2]).

(و)إني (أرجو الله) تعالى أي أسأله وأطلب منه تحقيق الأمل (في نجح) أي إنجاحي وقضاء حاجتي فيـ(ـما سئلته) أي ما سألتني إياه أيها الطالب (شفاها) بألف الإطلاق أي مشافهة (من نظم) أي تأليف وجمع (سيرة) أي الأخبار المتعلقة بذات (النبي) ﷺ وحياته وأحواله (الأمجد) أي الشريف العظيم الشأن الكثير الـمناقب والأتباع، وأن أجعل هذا المنظوم من السيرة (ألفية) أي أرجوزة من ألف بيت تكون (حاوية) أي جامعة (للمقصد) بكسر الصاد أي المقصود.

وأصل هذه الألفية كتاب «الإشارة إلى سيرة الـمصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا» للحافظ علاء الدين مغلطاي الحنفي (ت762هـ)، وقد أثبت ذلك الحافظ الفقيه المؤرخ الشمس محمد السخاوي (ت902هـ) بقوله([3]): «والزين العراقي في ألفيته التي مشى فيها على سيرة مختصرة للعلاء مغلطاي الخ».

(وليعلم الطالب) نظم سيرة النبي ﷺ وليعلم غيره (أن السيرا) أي كتبها (تجمع) في طياتها (ما) قد (صح) من الأخبار (وما قد أنكرا) منها أي لم يصح لضعفه إسنادا أو عدم الاعتداد به إسنادا أو متنا، فإن مقابل الصحيح هنا قسمان: الضعيف غير الموضوع قسم، والموضوع أي المكذوب الذي لا أصل له ألبتة وهو قسم ءاخر؛ أما الموضوع فقد اجتهد الناظم رحمه الله أن يتجنبه، وأما الضعيف فكثير في كتب السير، ولا يقتصر النظم على ما صح من الأخبار فقط بل فيه الضعيف أيضا، (والقصد) من فعل ذلك (ذكر ما أتى) أي أخبر (أهل السير به) في كتبهم (وإن) كان (إسناده) عند النظر فيه (لم يعتبر) هذا بشرط عدم إيراد الخبر الموضوع، ولما كانت هذه عادة أهل السير جرى الناظم عليها في هذه الأرجوزة.

ويقول الناظم رحم الله: (فإن يكن قد صح) في الخبر الذي أورده أهل السير (غير ما ذكر) في كتبهم نبهت عليه و(ذكرت ما) أي الذي (قد صح منه) أي الخبر (واستطر) أي وكتب، والله تعالى أعلم.

([1]) ثابتة بخط الناظم في نسخته.

([2]) تحفة الـمريد وروضة الفريد، أبو العباس زروق، (ص53).

([3]) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ، شمس الدين السخاوي، (ص152).