باب ما يفعل بالميت
والمحتضر وما يتعلق بذلك.
(يستحب لكل أحد أن يكثر من ذكر الموت) لحديث الترمذي وغيره: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» يعني الموت، زاد النسائي: «فإنه ما ذكر في كثير من الأمل والدنيا إلا قلله ولا قليل – أي من العمل – إلا كثره» ويستحب لكل أحد (أن يعود المريض) قال عليه السلام: «ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» الحديث لحديث الشيخين عن البراء: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المريض» وسواء الصديق والعدو ومن يعرفه وغيره. وأما الذمي فإن كان له قرابة أو جوار استحب عيادته أيضا وإلا جازت من غير استحباب. ويستحب لغير القريب ونحوه أن لا يواصلها كل يوم وأن لا يطيل القعود عنده (فإن رجاه) أي طمع في حياته (دعا له وانصرف) للاتباع المعلوم من الأحاديث الصحيحة (وإن خاف) عليه (أن يموت رغبه في التوبة والوصية وإن رءاه منزولا به) قد أيس من حياته (وجهه إلى القبلة) وفي كيفية المستحبة وجهان أحدهما يلقى على قفاه وأخمصاه إلى القبلة ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة وأصحهما يضجع على جنبه الأيمن كالموضوع في اللحد فإن تعذر لضيق المكان أو غيره فعلى الأيسر فإن تعذر فعلى قفاه. والأصل في ذلك حديث الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا توفي وأوصى بثلثه لك وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر فقال: «أصاب الفطرة» قال الحاكم لا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة حديثا غيره (ولقنه قول لا إله إلا الله) لحديث مسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» وروى أبو داود والحاكم حديث: «من كان ءاخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»
ويستحب أن لا يقال قل بل يذكره عنده وأن يكون الملقن غير وارث لئلا يتهمه باستعجال الإرث فإن لم يحضر غير الورثة لقنه أشفقهم عليه وإذا قالها مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بعدها. ونقل في الروضة وشرح المهذب عن جماعة من الأصحاب أنه يلقن محمد رسول الله أيضا قال والأول أصح لظاهر الحديث.
(فإذا مات استحب لأرفقهم به أن يغمض عينيه) وإلا لبقيتا مفتوحتين وقبح منظره وقد روى مسلم: «أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه» ويستحب أن يقول حال إغماضه بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويشد لحييه) بعصابة عريضة تربط فوق رأسه لئلا يبقى فمه مفتوحا فتدخله الهوام (ويلين مفاصله) فيرد ساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه ثم يمدها ويلين أصابعه أيضا وذلك ليسهل غسله فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيه حرارة فإن لينت المفاصل في تلك الحالة لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد ذلك (ويخلع ثيابه) التي مات فيها بحيث لا يرى بدنه لأنها تحميه فيسرع إليه التغير (ويسجيه) أي يغطيه (بثوب واحد) خفيف يجعل طرفه تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف. روى الشيخان عن عائشة: «أنه صلى الله عليه وسلم سجي حين مات بثوب حبرة» (ويجعل على بطنه حديدة) كسيف أو مرءاة (أو طينا رطبا) لئلا ينتفخ وقدره بعضهم بنحو عشرين درهما ويصان المصحف عنه (ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبراء ذمته منه) فقد روى الترمذي وغيره حديثا حسنا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى تقضى عنه» أي محبوسة عن مقامها الكريم (وتفرقة وصيته) تعجيلا للخير (ويبادر إلى تجهيزه) لحديث الترمذي: «ثلاث لا تؤخر وهي الصلاة والجنازة والأيم (ن- والمرأة) إذا وجدت كفوءا».
(إلا أن يكون قد مات فجأة) أي من غير علة واحتمل عروض سكتة أو نحوها (فيترك) وجوبا (ليتيقن موته) بتغير رائحة أو غيره قال الشافعي رحمه الله: للموت أربع علامات إحداهن أن يسترخي قدماه فتنصبان فلا تنتصبان الثانية أن يميل أنفه الثالثة أن تميل جلدة وجهه الرابعة أن ينخلع كفه من ذراعه. وذكر أصحابنا علامة خامسة أن ينخفس صدغه. فإذا شوهدت هذه العلامات فيه مع تقدم المرض فيه تحقق بذلك موته فإن مات فجأة بغير علة بأن يموت من فزع أو غرق وما أشبه ذلك فإنه يترك حتى يتحقق موته. من البيان.