الخميس يناير 29, 2026

باب في فضل البسملة والقراءة بها

  • عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «أغفل الناس ءاية من كتاب الله لم تنزل على أحدٍ سوى النبي r إلا أن يكون سليمان بن داود عليهما السلام: {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}([1])». هذا حديث حسن أخرجه ابن مردويه.
  • عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من الـمثاني([2]) وإلى براءة([3]) وهي من الـمئين([4]) فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله r مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد([5])، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وتنزلث عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت برءة من ءاخر القرءان نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله r ولم يبين لنا أنها منها، فلذلك قرنت بينهما ولم أكتب سطر {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} ووضعتها في السبع الطوال. هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي.
  • عن عبد الله يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: «جردوا القرءان ولا تخلطوه بشيءٍ»، يعني في كتابته. هذا حديث حسن موقوف أخرجه ابن أبي داود.
  • عن عمر بن ذر عن أبيه عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «استرق الشيطان من الناس أعظم ءايةٍ في القرءان {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}». أخرجه ابن خزيمة والبيهقي ورجاله ثقات لكنه منقطع.
  • عن أبي بكرٍ جعفر بن عمر عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه أخبره قال: صلى معاوية رضي الله عنه([6]) صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} لأم القرءان ولا للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي، فلما قضى الصلاة ناداه من حضر ذلك من الـمهاجرين والأنصار من كل مكانٍ: يا معاوية، أسرقت الصلاة([7]) أم نسيت؟ قال: فما صلى بعد ذلك صلاة إلا جهر فيها بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} لأم القرءان وللسورة التي بعدها وكبر حين يهوي ساجدا([8])». هذا حديث حسن أخرجه الحاكم.
  • وجاء عن أنسٍ رضي الله عنه في البسملة في الصلاة روايات مختلفة؛ فجاء عنه نفي القراءة مطلقا، وجاء عنه نفي الجهر، فيمكن رد الأول إليه لمجيء التصريح بالإسرار عنه، وجاء عنه أيضا التصريح بالجهر، وجاء عنه التردد في ذلك، فأما رواية الترك الـمطلق فاشتهرت من رواية قتادة عنه ثم من رواية الأوزاعي عن قتادة؛ فعن الوليد بن مسلمٍ حدثنا الأوزاعي قال: كتب إلي قتادة عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «صليت خلف النبي r وأبي بكرٍ وعمر فكانوا يفتتحون القراءة بـ{الحمد لله رب العالمين} لا يذكرون {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} في أول القراءة ولا في ءاخرها». أخرجه مسلم عن محمد بن مهران عن الوليد بن مسلم.

وأعله بعضهم بعلتين:

الأولى: تدليس الوليد وتسويته، وليست بواردةٍ لأنه صرح بالتحديث فانتفى التدليس، وبين أن رواية الأوزاعي عن قـادة مكاتبة فانتفت التسوية، وقد صرح قتادة بالتحديث عن أنسٍ لهذا الحديث وسماعه له منه كما سيأتي فانتفت التسوية.

العلة الثانية: إبهام من كتب إلى الأوزاعي بإذن قتادة لأن قتادة ولد أكمه فتعين أن يكون أملى على من كتب عنه إلى الأوزاعي، فيحتمل أن يكون مجروحا أو غير ضابطٍ فلا تقوم به الحجة.

وقد روى هذا الحديث جماعة من أصحاب الأوزاعي عنه؛ فمنهم: من عنعنه، ومنهم: من أفصح بصورة الحال([9]) كما أفصح الوليد، وأخرجه أحمد عن أبي الـمغيرة عبد القدوس بن الحجاج وهو من شيوخ البخاري مثل رواية الوليد سواء في سياق الإسناد والـمتن لكنه قال قتادة: حدثني أنس. وهكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق بشر بن بكرٍ عن الأوزاعي، وكل ذلك مما يقوي رواية الوليد، وكنت أظن العلة الثانية واردة حتى وقفت على روايةٍ أخرى عن قتادة أصح من رواية الأوزاعي؛ فقد روى محمد بن إسماعيل بن أبي الفتح سماعا عن فاطمة بنت سعد الخير أنه سمعها قالت: أخبرنا أبو القاسم الشحامي أخبرنا أبو سعيدٍ الأديب أخبرنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا أبو يعلى حدثنا محمد هو أبو موسى بن الـمثنى حدثنا محمد بن جعفرٍ حدثنا شعبة عن قتادة عن أنسٍ قال: صليت خلف النبي r وخلف أبي بكرٍ وخلف عثمان رضي الله عنهما فلم يكونوا يستفتحون القراءة بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. قال شعبة: قلت لقتادة: أسمعته من أنسٍ؟ قال: نعم نحن سألناه عنه. أخرجه أحمد والإسماعيلي.

وأما رواية ترك الجهر فهي من طريق علي بن الجعد قال حدثنا شعبة وشيبان قالا حدثنا قتادة عن أنسٍ قال: صليت خلف النبي r وأبي بكرٍ وخلف عثمان رضي الله عنهما فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. أخرجه الدارقطني وابن حبان، وجاء ذلك من غير رواية قـادة عن أنسٍ.

وبالسند إلى سفيان الثوري قال حدثنا خالد هو الحذاء عن أبي نعامة عن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان النبي r وأبو بكرٍ وعمر لا يجهرون بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. أخرجه أحمد وابن حبان.

وبالسند إلى عمران القصير عن الحسن عن أنسٍ رضي الله عنه «أن النبي r كان يسر بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} وأبو بكرٍ وعمر». هذا حديث غريب من حديث عمران أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن رجاءٍ عن سويدٍ، وسويد فيه ضعف([10])، لكن جاء من طريقٍ أخرى عن الحسن؛ فقد أخرج الطبراني من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن، فذكر مثله.

وأما التصريح بالجهر فتقدم من وجهٍ ءاخر عن أنسٍ إنكار الـمهاجرين والأنصار على معاوية حين ترك الجهر بها، وفيه: «ثم عاد فجهر بها»، أي: الفاتحة والسورة التي تليها.

أما الجواب عما أخرجه البخاري من طريق جرير بن حازمٍ وهمامٍ عن قتادة قال: «سئل أنس عن قراءة النبي r فقال: كانت مدا([11])، ثم قرأ {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} يمد {بسم الله} ويمد {الرحمـٰـن} ويمد {الرحيم}» فلا دلالة فيه لاحتمال أن يكون قصد المثل إذ لم يقيد بالصلاة ولا بأول السورة ثم جاء التقييد بأول السورة من وجهٍ ءاخر عن أنسٍ أيضا.

وبالسند إلى محمد بن فضيلٍ عن الـمختار بن فلفلٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أغفى رسول الله r إغفاءة([12]) فرفع رأسه متبسما، فإما قال لهم وإما قالوا له: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: «أنزلت علي ءانفا سورة» ثم قرأ: «{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} {إنا أعطيناك الكوثر}([13])» حتى ختمها ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هو نهر في الجنة عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي، ءانيته عدد الكواكب» هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود، وأخرجه مسلم عن أبي كريبٍ عن محمد بن فضيلٍ، وأخرجه هو والنسائي من وجهٍ ءاخر عن الـمختار.

وأما رواية الترديد فأخرجها أحمد من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالكٍ: أكان رسول الله r يفتتح الصلاة بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} أو بـ{الحمد لله رب العالمين}؟ فقال: إنك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك. وهو حديث صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما.

وقد جاء عن أنسٍ الجزم بأحد الأمرين؛ أخرج البخاري عن الحوضي عن شعبة عن قـادة عن أنسٍ «أن النبي r وأبا بكرٍ وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ{الحمد لله رب العالمين}»، وقد رجح الشافعي هذه الرواية على غيرها وحمل اللفظ على إرادة السورة، ويؤيده ثبوت تسمية الفاتحة بـ{الحمد لله رب العالمين}، وهو عند البخاري في حديث أبي سعيد بن الـمعلى.

وورد الجهر بالتسمية من وجهٍ صحيحٍ من غير حديث أنسٍ؛ فعن نعيمٍ الـمجمر([14]) قال: صلى بنا أبو هريرة فقرأ: {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} حتى بلغ {ولا الضالين} فقال: ءامين، ويكبر إذا ركع وإذا سجد، فلما سلم قال: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله r». هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره.

وثبت عن أبي هريرة أنه كن يتبع في الإعلان والإسرار؛ فعن ابن جريجٍ أنه سمع عطاء يحدث أن أبا هريرة حدثه قال: «في كل صلاةٍ قراءة، فما أعلن رسول الله r أعلنا لكم، وما أخفى علينا أخفينا عنكم». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.

[1])) قال شيخنا رحمه الله: «باسم الله أي أبتدئ باسم الله، ولفظ الجلالة «الله» علم للذات الـمقدس الـمستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع، ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع، أي: إخراج الـمعدوم من العدم إلى الوجود، والرحمن معناه الكثير الرحمة بالـمؤمنين والكافرين في الدنيا وبالـمؤمنين في الآخرة، أما الرحيم، فمعناه الكثير الرحمة بالـمؤمنين».

وقال أيضا: «قراءة البسملة ألف مرةٍ ينفع لقضاء الحاجة على نيةٍ مخصوصةٍ، وكذلك لو قرئت البسملة 876 مرة كما هو الرقم على حساب الجمل. وكتابتها أيضا خمسا وثلاثين مرة ينفع لتيسير الرزق، يوضع على باب الدكان لرواج البضاعة أو تحمل».

[2])) الـمثاني ما ولي المئين، سميت بذلك لأنها ثنتها، أي: وليتها. وقال الفراء: هي السورة التي ءايها أقل من مائةٍ لأنها تثنى (أي: تكرر) أكثر مما يثنى الطوال والـمئون، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر، قاله السيوطي في «الإتقان» (1/220)..

[3])) قال شيخنا رحمه الله: «سورة براءة لا يجوز قراءة البسملة أولها لأن براءة نزلت بالسيف، أي: بقتال الكفار، للتحريض الشديد فيها أكثر مما في غيرها، وكان عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما يسميها الفاضحة لأنها تفضحث الـمنافقين».

[4])) الـمئون ما ولي السبع الطوال، سميت بذلك لأن كل سورةٍ منها تزيد على مائة ءايةٍ أو تقاربها.

[5])) أي: الكثيرة.

[6])) هكذا في الأصل.

[7])) قال المجد بن الأثير في الشافي (1/553): «(أسرقت الصلاة)، أي: أخذت بعضها فكتمته».

[8])) قال النووي في المجموع (3/349): «هو ما اعتمده الإمام الشافعي من إجماع أهل المدينة في عصر الصحابة رضي الله عنهم».

[9])) أي: بأن يبين أنه أخذه بلا سندٍ، قاله زكريا الأنصاري في «فتح الباقي» (2/89).

[10])) قال شيخنا رحمه الله: «يعني: أن سويد بن عبد العزيز الراوي عن عمران ضعيف».

[11])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: الترسل مع تبيان الـمدود وإظهارها».

[12])) قال شيخنا رحمه الله: «هذه الإغفاءة ليست الإغفاءة التي تحصل لعوام الناس ولا هي نوم، إنما هي حالة تشبه النوم، لأن القرءان كله قراه عليه جبريل يقظة، هذا الذي لا يجوز اعتقاد خلافه».

[13])) قال شيخنا رحمه الله: «الكوثر يقول بعض العلماء: معناه: الخير الكثير، ومن الخير الكثير الذي أعطاه الله لسيدنا محمدٍ r نهر الكضوثر الذي في الجنة. هذا الكوثر هو نهر في الجنة على حافتيه قباب اللؤلؤ، هو أصله في الجنة لكن يصب في مكانٍ يسمى الحوض خارج الجنة ليشرب منه الـمؤمنون قبل دخولهم الجنة فيكونون دخلوا الجنة وهم لا يشكون عطشا، لا يظمأ من شرب منه أبدا إنما يشربون بعد دخول الجنة تلذذا».

[14])) بضم الـميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الـميم الثانية. ويقال: الـمجمر بفتح الجيم وتشديد الـميم الثانية المكسورة.