هند هو الرجل الـمفوه الفصيح ربيب رسول الله ﷺ ابن خديجة هند بن أبي هالة النباش بن زرارة بن النباش التميمي، وقال الدارقطني([1]): أبو هالة هو مالك بن النباش بن زرارة. شهد هند بن أبي هالة رضي الله عنه أحدا وغيرها واستشهد مع علي رضي الله عنه يوم الجمل.
340- وابن أبي هالة زاد لما
|
| وصفه مفخما وفخما
|
لما أورد الناظم وصف أم معبد له ﷺ أتبع ذلك بباب ءاخر (و)هو ما قاله (ابن أبي هالة) رضي الله عنه في وصفه ﷺ حيث (زاد لما وصفه) على وصف أم معبد بأن قال: كان ﷺ (مفخما) أي معظما في الصدور والعيون عند من رءاه وعرفه (وفخما) أي عظيما في ذاته.
341- لوجهه تلألؤ كالبدر
|
| معتدل الخلق عريض الصدر
|
كان ﷺ شديد الجمال (لوجهه) الشريف (تلألؤ) أي لمعان من كمال نوره وجمال ظهوره ﷺ (كـ)ـإضاءة القمر ليلة (البدر) لأنه ﷺ أحسن الناس وجها بل هو والله أحسن من البدر.
وهو ﷺ (معتدل الخلق) لا من قصار الرجال ولا من طوالهم الطول الـمفرط بل أميل إلى الطول كما سبق بيانه، بعيد ما بين الـمنكبين (عريض) الجزء الأعلى من (الصدر) و(عظيم) الـ(هام) أي الرأس لا صغيره، فرأسه ﷺ متناسب حجما مع بدنه الشريف، وذلك دليل الوقار والرزانة.
وهو ﷺ (واسع الجبين) أي الجبينين، والجبين هو ما يكتنف الجبهة أي يحيط بها من يمين وشمال، وكان له ﷺ (فم) ليس مثله فم بين الأنام فهو فاه (ضليع) أي عظيم واسع، وذلك ممدوح عند العرب، ولعل ابن أبي هالة أراد بذلك الإشارة إلى تمام الفصاحة وكمال ملاحته ﷺ.
وهو ﷺ (أقنأ العرنين) أي أقنأ الأنف، والقنى في الأنف هو طوله ودقة أرنبته مع ارتفاع في وسطه، وأرنبة الأنف طرفه الـمحدد([2])، وعرنين كل شيء أوله، وعرنين الأنف تحت مجتمع الحاجبين وهو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم، قاله الجوهري([3])، ويكنى بقنى العرنين أيضا عن الرفعة والعلو وشرف النفس.
وكان أنفه ﷺ بخصوصه (يعلوه) أي يظهر عليه (نور) وذلك من كثرة ضيائه وشدة بهائه وقوة صفائه ﷺ.
وكان كل (من رءاه) ﷺ (إذ ما) أي إن (لم يتأمل) وجهه الشريف ربما نظر إلى أنفه فـ(ـظنه أشما) أي طويل القصبة، أما هو ﷺ فكان أقنى وليس أشم، والفرق أن الأشم هو من ارتفع وسط قصبة أنفه مع استواء أعلاه وإشراف أرنبته قليلا من منتهاه بلا احديداب، فإن كان فيه احديداب قليل فهو أقنى.
344- مفلج الأسنان سهل الخد
|
| أشنب بادن طويل الزند
|
وهو ﷺ (مفلج) أي مفرج ثنايا (الأسنان) لا أنه ﷺ كان ذا أسنان متباعد جميعها، لأن تباعد الأسنان كلها عيب، وإنما كانت بقية أسنانه مفرقة غير متباعدة إلى الحد الـمعيب بل إلى الحد الذي لا تكون فيه متراكبة بعضها فوق بعض. والفلج في الأصل هو تباعد ما بين الثنايا والرباعيات([4])، فلما خص الأسنان بالوصف به دون الأضراس علم أن الفلج هنا حاصل في الثنايا.
وهو ﷺ (سهل الخد) أي سائل الخدين غير مرتفع الوجنتين (أشنب) أي أبيض الأسنان، وقيل: الشنب رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحديدها.
وهو ﷺ (بادن) أي معتدل الخلق متماسك البدن يمسك بعض أعضائه بعضا([5]) ولم يكن ﷺ سمينا بدينا ولا مسترخي اللحم بل معتدل الخلقة من جهة اللحم أيضا، بل هو كما جاء كثير من الأحاديث ومنها حديث عائشة رضي الله عنها كما في «الصحيحين»: «ما شبع ءال محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ»، ومنها قولها رضي الله عنها فيما رواه مسلم وغيره: «إن كنا ءال محمد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء».
وهو ﷺ (طويل الزند) أي الزندين وهما عظما الذراعين من اليدين، وكان (عنقه) ﷺ (يرى) من حسن بياضه وإشراقه (كجيد دمية) أي كأن عنقه مصور من عاج ونحوه من شدة جماله واعتداله وذلك (مع صفاء) أي نقاء ونصاعة (لون) عنقـ(ـه) الحسن (كـ)ـمثل (الفضة) في اللمعان والضياء والإشراق والجمال.
وهو ﷺ (أزج) الحاجبين والزجج دقة الحواجب واستقواسها، فكان ﷺ دقيق شعر الحاجبين طويلهما إلى مؤخر العينين مع تقوس هلالي (في) حال بهي من (غير قرن) أي بدون اتصال بين الحاجبين، وقد سبق تفصيل ذلك في وصف أم معبد له ﷺ.
وكان ﷺ (إذا غضب) ولا يغضب إلا لله يظهر (بينهما) أي بين حاجبيه ﷺ (عرق) فيه دم (يدره) أي يحركه ويظهره (الغضب) لله إذا امتلأ هذا العرق دما، وهو ﷺ لم يكن يغضب لهوى بل يغضب إذا انتهكت محارم الله([6]). وليس معنى قولهم: «لم يكن ينتقم لنفسه» أنه إذا أهين أو سب أو شتم أو كذب أو شك شاك في صدقه ونبوته أنه لم يكن يغضب لذلك، بل الغضب لذلك هو غضب لله لأن ما كان قبيل ذلك فهو كفر وتكذيب لله والنبي والإسلام فلا شك أن النبي ﷺ كان يغضب لذلك، وأما الأمور التي هي دون ذلك مما لا يؤدي إلى الطعن فيه ﷺ ولا إلى القدح بعصمته وذاته ﷺ ولا إلى انتهاك حرمات الله فلم يكن يغضب لتلك الأمور ولا ينتقم إلا إذا كان كنحو ما تقدم أولا.
347- وسـائل الأطراف رحب الراحة
|
| ضخم الكراديس ذريع المشية
|
(و)هو ﷺ (سائل الأطراف) أي تام الأيدي والأرجل ممتد الأصابع امتدادا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، وروي: «سائن الأطراف» بالنون بمعنى ممتد الأصابع([7])، وقد ذكر الدلجي أن اللام الأصل وقد تبدل نونا([8]).
وهو ﷺ (رحب الراحة) أي واسع راحة الكفين حسا فيعرف منه ذلك من رءاه أو أمسك بكفه ويعرف منه ذلك معنى من عطائه كل أحد رأى منه عطاءه، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وهو غاية الكرم في بني ءادم.
وروى البخاري من حديث جابر قال: «ما سئل النبي ﷺ عن شيء قط فقال: لا».
وأخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أنس قال أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها».
وروى أيضا عن ابن شهاب قال: «غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة».
وذكر بضع أهل السير([9]) أنه ﷺ أعطى من الخمس عقب حنين مائة من الإبل كلا من النضر بن الحارث بن كلدة، وأسيد بن جارية الثقفي وصفوان بن أمية، وقيس بن عدي، والحارث بن هشام، والأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى. وأعطى ﷺ خمسين من الإبل كلا من العلاء بن جارية، ومخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وعثمان بن وهب، وهشام ابن عمرو العامري. وأعطى ﷺ العباس بن مرداس أربعين من الإبل، ثم زاده مائة، وفي ذلك أنشد ابن جابر الأندلسي: [الرجز]
هذا الذي لا يتقي فقرا إذا
|
| أعطى ولو كثر الأنام وداموا
|
وهو ﷺ (ضخم) أي عظيم (الكراديس) حجما وهي رؤوس العظام، واحدها كردوس بوزن عصفور، وقيل: هو ملتقى كل عظمين كالركبتين والـمرفقين والـمنكبين([10])، وأراد أنه ﷺ جسيم الأعضاء، وهذا يدل على نجابته ﷺ وتماسك بدنه وقوة جسمه وثباته.
وهو ﷺ (ذريع المشية) بكسر الميم أي سريع الـمشية بسعة الخطوة، وهو من قولهم: «فرس ذريع» أي واسع الخطو بين الذراعين إشارة إلى سعة خطوه في الـمشي أي سريع خفيف([11])، وسرعة الـمشية هي المحمودة للرجال، أما النساء فإنهن يوصفن بقصر الخطى. وهو ﷺ واسع الخطو خلقة لا تكلفا، يرفع رجليه بسرعة ويمد خطوه ويقصد همته خلاف مشية الـمختال، وكل ذلك يفعله ﷺ برفق وتثبت دون عجلة، ما أعظمه من إنسان ﷺ.
([1]) المؤتلف والمختلف، أبو الحسن الدارقطني، (3/1641).
([2]) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، عياض بن موسى، (1/27).
([3]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر الجوهري، (6/2163).
([4]) تاج العروس، محمد المرتضى الزبيدي، (6/156).
([5]) الغريبين في القرءان والحديث، أبو عبيد الهروي، (6/1753).
([6]) أي: ما حرم الله انتهاكه.
([7]) الغريبين في القرءان والحديث، أبو عبيد الهروي، (3/962).
([8]) شرح الشفا، الملا علي القارئ، (1/346).
([9]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/243).
([10]) النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين بن الأثير، (4/162).
([11]) الغريبين في القرءان والحديث، أبو عبيد الهروي، (2/673).