الوفد في اصطلاح هذا الباب الجماعة الـمختارة من القوم ليتقدموهم في لقي عظيم قوم والـمصير إليه في الـمهمات، واحدهم وافد، قاله النووي([1])، ويكون اختيار الوفد لفصاحة ونحوها مما يناسب إظهاره في ملاقاة الوفد من يقدمون عليه، ويعدى «وفد» بحرف «إلى» و«على»، أما الوافد في الأصل فهو القادم، سواء كان مختارا من قوم أم لا، قادما على عظيم أو لا.
وكان ابتداء الوفود القادمين على رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الجعرانة قادما من غزوة الطائف، فلما انتهى إليها لخمس ليال خلون من ذي القعدة أقام بها ﷺ ثلاث عشرة ليلة وقسم بها غنائم حنين، فلما أراد ﷺ الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، فأحرم ﷺ بعمرة ودخل مكة كما قدمنا ذكره في أحداث ءاخر السنة الثامنة للهجرة.
وشهر عند أهل السير أن سنة تسع سميت سنة الوفود لكثرة ما وفد فيها على رسول الله ﷺ من وفود([2])، وقد اختلف في عدد من وفد على النبي ﷺ، ومجموع ما ذكر عند أهل السير نحو السبعين، وقد أوصلهم الشيخ الصالحي إلى مائة.
960- أول وفد وفدوا المدينة
|
| سنة خمس وافدو مزينة
|
(أول وفد وفدوا) على النبي ﷺ (المدينة) المنورة وذلك في رجب (سنة خمس) للهجرة هم (وافدو مزينة) بضم الميم وفتح الزاي قبيلة من مضرر وكان وفودهم إليه ﷺ بعد إسلامهم.
وكان فيمن قدم عليه ﷺ خزاعي بن عبد نهم فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة منهم وفيهم بلال بن الحارث والنعمان بن مقرن وأبو أسماء وأسامة وعبيد الله بن بردة وعبد الله بن درة وبشر بن الـمحتفر ودكين بن سعيد وعمرو بن عوف([3]).
ودفع رسول الله ﷺ لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعي، وهو أخو الـمغفل بن الـمغفل وأخو عبد الله ذي البجادين([4])، وكانوا يومئذ ألف رجل([5]).
روى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي وغيرهم عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ في أربعمائة من مزينة وجهينة، فأمرنا بأمره فقال القوم: يا رسول الله ما لنا من طعام نتزوده، فقال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: «زود القوم»، وسبق الكلام على الـمعجزة التي حصلت له ﷺ في شأن تكثير التمر لهم، فلينظر.
وروى ابن سعد([6]) أن رسول الله ﷺ جعل لمزينة الهجرة في دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم»، فرجعوا إلى بلادهم.
(وهكذا) أي وكما وفد مزينة وفدهم وفد (سعد بن بكر) وكان الوافد منهم رجلا واحدا (في رجب) من السنة التاسعة للهجرة وهو ضماد بن ثعلبة، وقد تقدم ذكر وفوده على رسول الله ﷺ في باب مفرد.
([1]) شرح صحيح مسلم، محيي الدين النووي، (1/181).
([2]) ينظر شرح البيت رقم (303) في الجزء الأول.
([3]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (1/291).
([4]) بكسر الباء وهو الكساء الغليظ الجافي، سمي بذلك لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ، فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقيل له ذو البجادين، قاله أبو الربيع الكلاعي في «الاكتفاء» (1/555).