الخميس يناير 29, 2026

باب فيه (ذكر كفاية الله) نبيهأذى (الـمستهزئين) من كفار مكة

157- وقد كفى المستهزئين البعدا
158- فعمي الأسود ثم الأسود

 

 

الله ربنا فباؤوا بالردى
الآخر استسقـى فأردته اليد

 

(وقد كفى) الله عز وجل نبيه ﷺ أذى أعدائه (المستهزئين) به الساخرين منه بمكة ورؤوسهم ثمانية، وهم (البعدا)ء من رحمة الله الخاصة، فحفظ (الله ربنا) نبيه من أولئك المستهزئين وأنزل عليه: {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر:95]، فأخزى الله عز وجل الكفار المستهزئين([1]) بنبيه الساخرين منه (فباؤوا) أي رجعوا وانقلبوا (بالردى) أي بالهلاك بضروب من البلاء.

روى البخاري في «صحيحه» عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور([2]) بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم([3]) فجاء به فنظر حتى سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كان لي منعة([4])، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض([5]) ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره فرفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاث مرات، فشق عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: «اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد ابن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط».

وأهلك الله تعالى الـمستهزئين بالنبي ﷺ (فعمي الأسود) بن المطلب بن الحارث بعد أن دعا عليه رسول الله ﷺ بالعمى، وذلك أن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت فقام وأقام رسول الله إلى جنبه، فلما مر به الأسود بن الـمطلب رمى جبريل في وجهه ورقة خضراء فعمي([6]).

159- كذا أشار للوليد فانتقض
160- لرجله الشوكة حتى أرهقا

 

 

الجرح والعاصي كذاك فعرض
والحارث اجتيح بقيـح بزقا

 

(ثم) هلك (الأسود الآخر) وهو ابن عبد يغوث بن وهب الزهري ابن خال النبي وذلك أنه (استسقى) أي أصابه مرض الاستسقاء، وفي الخبر أن الأسود مر بالنبي ﷺ وكان جبريل عنده، فقال جبريل: قد كفيته، وأشار إلى بطن الأسود بإصبعه فاستسقى الأسود في الحال([7]). والاستسقاء في البطن هو انتفاخ فيه بسبب اجتماع ماء أصفر داخله حتى تبرز السرة وتسمع خضخضة الماء داخل المصاب به إذا تحرك (فأردته اليد) أي أهلكت يد جبريل عليه السلام الأسود بن عبد يغوث.

(كذا أشار) جبريل عليه السلام (للوليد) أي لساق الوليد بن المغيرة وكان قد أصابته شظية نبل فمنعه الكبر والتيه أن ينزعها في الحال فتركها (فانتقض) عليه (الجرح) بإشارة يد جبريل عليه السلام([8]) وتألم الوليد منه حتى مات.

(والعاصي) بن وائل السهمي (كذاك) قد هلك حين أشار جبريل عليه السلام إلى أخمصيه، فخرج العاص على راحلته ونزل في شعب من شعاب مكة (فعرض لرجله الشوكة) فدخلت في أخمصه فصارت رجله كعنق البعير (حتى أرهقا) أي لحقه الموت وغشيه الهلاك بسبب ذلك، وفي بعض النسخ: «أزهقا» بمعنى هلك.

(والحارث) بن العيطلة بالعين الـمهملة أو الغيطلة بالغين الـمعجمة السهمي أومأ جبريل عليه السلام إليه فـ(ـاجتيح) أي أصابته جائحة وهي الشدة فابتلي (بقيح) يمخطه من أنفه فـ(بزقا) قيحا حتى مات.

161- وعقبة في يوم بدر قتلا
162- ثامنهم أسلم وهو الحكم

 

 

أبو لهب باء سريعا بالبلا
فقد كفاه شره إذ يسلم

 

(وعقبة) بن أبي معيط (في يوم بدر قتلا) كافرا شر قتلة، وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع عقبة سلى الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، وقد مر ذكر القصة قريبا.

وكذا (أبو لهب) عبد العزى بن عبد الـمطلب عم النبي ﷺ وأحد أشد الناس عداوة له قد (باء) أي رجع قتيلا (سريعا) أي بسرعة (بـ)ـسبب (البلا)ء القوي الذي حل عليه، فقد ابتلاه الله بالعدسة – وهي بثرة تشبه العدسة تخرج في موضع من الجسد تقتل صاحبها غالبا – وذلك بعد وقعة بدر بسبع ليال فمات، وتركه ابناه في بيته ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان؟! إن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه، فقالا: إنما نخشى عدوى هذه القرحة، فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه، فما غسلوه إلا قذفا بالـماء عليه من بعيد ما يدنون منه، ثم حملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم وضعوا عليه الحجارة([9]).

أما (ثامنهم) أي رؤوس المشركين الذين كانوا يؤذون رسول الله ﷺ فقد (أسلم) يوم الفتح (وهو الحكم) بن أبي العاص (فقد) كفي رسول الله شره أي (كفاه) الله تعالى (شره إذ يسلم) أي حيث أسلم الحكم بن أبي العاص، وهو والد مروان بن الحكم وعم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وكان الحكم قبل إسلامه يحاكي مشية النبي ﷺ استهزاء به والعياذ بالله، فلما رءاه النبي ﷺ قال: «كن كذلك»، فرفع الحكم إلى أهله صريعا وقد مكث على تلك الحال شهرين ثم أفاق يختلج ويرتعش وبقي على تلك الحال إلى أن مات([10]).

وقد روى الحاكم في «الـمستدرك» أن الحكم قبل إسلامه استأذن على النبي ﷺ فعرف النبي ﷺ صوته وكلامه فقال: «ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق».

وقال البلاذري([11]): إن الحكم كان مغموصا عليه في دينه أي متهما، وقد ورد أنه اطلع يوما على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه فخرج إليه النبي ﷺ بعنزة([12]). وتتبعه الحاكم بقوله([13]): «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله أن أخلي الكتاب من ذكرهم».

(ذكر مشي) كفار (قريش في أمره ﷺ إلى) عمه (أبي طالب) مطالبين إياه
بتسليمهم النبي

163- ثم مشت قريش الأعداء
164- ثامنهم أسلم وهو الحكم
165- في مرة ومرة ومرة
166- في ءاخر المرات قالوا أعطنا
167- بدله قال أردتم أكفل

 

 

إلى أبي طالبن ان يساؤوا
فقد كفاه شره إذ يسلم
وهو يذب ويقوي أمره
محمدا وخذ عمارة ابننا
إبنكم وأسلم ابنـي يقتل

 

لما صدع النبي ﷺ بما أمر به من التبليغ في الـمواسم لم يبعد قومه كل البعد في معاداته ولم يتعرض له كفار قريش بالأذى الشديد حتى عاب ءالهتهم وذمها، فحينئذ أجمعوا على عداوته (ثم) ءاذوه أذى كثيرا إلا من عصم الله منهم بالإسلام وقليل ما هم.

و(مشت قريش) أي ساداتها من المشركين وهم (الأعداء) لرسول الله ﷺ سائرين (إلى) عمه (أبي طالب) اعتراضا على (أن يساؤوا) أي أنه ينالهم السوء (من ابنه) أي ابن أخيه (محمد) فشكوه إليه (في سب) محمد لـ(ـهم وسبـ)ـه لـ(ـدينهم وذكر)ـه لـ(ـعيبهم) فقالوا: «يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب ءالهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا([14])، وضلل ءاباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه»([15]).

وروى ابن حبان في «صحيحه» أن أشرافهم اجتمعوا في الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم ءاباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب ءالهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن فمر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك([16]) في وجهه، ثم مضى ﷺ. فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرف ذلك في وجهه، ثم مضى ﷺ فمر بهم الثالثة غمزوه بمثلها فقال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده([17])، لقد جئتكم بالذبح». فأخذ القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا لكأنما على رأسه طائر واقع([18])، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك يتوقاه بأحسن ما يجيب من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، وبينا هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب ءالهتهم ودينهم، قال: «نعم، أنا الذي أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه([19]) ﷺ، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه.

وتكررت شكوى المشركين عند أبي طالب في شأن محمد ﷺ (في مرة) أولى (ومرة) ثانية (ومرة) ثالثة (وهو) أي أبو طالب يردهم في كل مرة ردا جميلا ويقول لهم قولا رفيقا و(يذب) أي يدفع عن النبي ﷺ (ويقوي أمره) ويشد أزره ويعضده ويسدده، لكنهم تنكروا (في ءاخر المرات) وحض بعضهم بعضا على عداوته فمشوا إلى أبي طالب و(قالوا) «إن لك سنا وشرفا فينا، وإنا استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه وإنا لا نصبر على شتم ءابائنا وتسفيه أحلامنا وعيب ءالهتنا، فإما أن تكفه أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين». فعظم على أبي طالب عداوة قومه وفراقهم ومحاربتهم ولم تطب نفسه بتسليم النبي إليهم، فكلم أبو طالب النبي في ذلك فقال ﷺ: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته»، ثم بكى وولى، فناداه عمه: «يا ابن أخي قل ما أحببت فلا أسلمك أبدا».

 

فلما رأت قريش أن أبا طالب أبى خذلان محمد بتسليمه لهم جاؤوا إلى أبي طالب وقالوا: «هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد([20]) فتى في قريش وأجمله([21])، فـ(ـأعطنا) ابن أخيك (محمدا) الذي خالف دينك ودين ءابائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم وعاب ءالهتهم فنقتله (وخذ عمارة ابننا بدله) فاتخذه ولدا، فلك عقله([22]) ونصره([23]))»، فـ(ـقال) لهم أبو طالب: «والله لبئسما تسومونني (أردتم) أني (أكفل) لكم (ابنكم) عمارة (وأسلم) لكم أي أعطيكم (ابني) محمدا (يقتل) على أيديكم، والله ما لا يكون أبدا»، فقال المطعم بن عدي: «والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا»، فقال له أبو طالب: «والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك»([24]).

168- ثم مضى يجهر بالتوحيد
169- وأجمعت قريشن ان يقولوا
170- وقعدوا في زمن المواسم
171- وافترق الناس فشاع أمره

 

 

ولا يخاف سطوة العبيد
ساحر احذروا وعنه ميلوا
يحذرون منه كل قادم
بين القبائل وسار ذكره

 

 (ثم مضى) رسول الله ﷺ مستمرا على حاله الذي كان عليه من الدعوة وهو (يجهر) في المواسم والـمحافل (بـ)ـكلمة (التوحيد) داعيا إلى الإسلام الخاص والعام (ولا يخاف سطوة) أي قهر وبطش (العبيد) السوء الأشرار.

فجعل ﷺ يطوف على الناس في منازلهم وأماكن تجمعهم وهو يقول: «إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، قولوا لا إله إلا الله»، وكان عمه أبو لهب يمشي وراءه يكذبه ويقول: «هذا يأمركم أن تتركوا دينكم ودين ءابائكم فلا تفعلوا».

فتذامر([25]) قريش فيما بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا، فوثبت كل قبيلة على من فيها من الـمسلمين يعذبونهم ويحاولون أن يفتنوهم عن دينهم، فلما رأى أبو طالب ما تصنع قريش قام في بني هاشم وبني الـمطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من الذب([26]) عن رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وأقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب كما مر ءانفا.

والعجب أنه بعد كل هذا الإيذاء والعداء والظلم والافتراء والكيد من أبي لهب للنبي ﷺ ونزول سورة في ذمه وموته على الكفر يتجرأ بعض الناس على القول بتخفيف عذاب جهنم عن أبي لهب في النار وأنه يسقى فيها من الماء البارد لأنه أعتق ثويبة عند ميلاده ﷺ، وقد بينا هذه المسألة في فصل مستقل فيما مضى.

(و)لما اشتد الأمر على قريش اجتمعت إلى الوليد بن المغيرة وقد حضر الموسم([27]) فقال

لهم الوليد: «يا معشر قريش، إن وفود العرب ستقدم عليكم فأجمعوا في صاحبكم رأيا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا»، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به، فقال: «بل أنتم فقولوا أسمع»، فقال بعضهم: نقول عنه كاهن، وقال ءاخرون: نقول عنه مجنون، وقال غيرهم: نقول عنه ساحر، فلما اختلفوا فيما بينهم ما يقولون فيه قال لهم الوليد: «أقرب ما يقال أن تقولوا ساحر يفرق بين المرء وأبيه وأخيه وزوجته فاحذروا سحره وميلوا واعدلوا عنه»([28])، فـ(ـأجمعت قريش) على (أن يقولوا) عن النبي ﷺ إنه (ساحر) وأن (احذروا) أن يصيبكم بسحره (وعنه ميلوا) أي اعدلوا كي لا يؤثر فيكم.

(وقعدوا) أي جعل كفار قريش يقعدون في الطرقات (في زمن المواسم) التي يأتي فيها الناس إلى مكة وهم (يحذرون منه) ﷺ (كل) وافد (قادم) إلى مكة، فكان لا يمر بهم أحد إلا وصفوه له وذكروا له أمره وحذروه منه.

(وافترق الناس) الذين وفدوا إلى مكة راجعين من ذلك الموسم إلى أقوامهم بخبر النبي ﷺ، وصاروا يتحدثون عنه في بلادهم (فشاع) أي ذاع (أمره) ﷺ (بين) شتى (القبائل) في مختلف البقاع (وسار) أي انتشر في الآفاق (ذكره) ﷺ وفشا خبره.

ولما خشي أبو طالب أن يتحد العرب مع قومه ضد محمد قال قصيدته التي يعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها إلى أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم رسول الله ﷺ ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه، ومن أشهر ما تداولته الألسن من هذه القصيدة قوله: [الطويل]

وأبيض([29]) يستسقى الغمام بوجهه

 

ثمال اليتامى([30]) عصمة للأرامل([31])

([1]) ومنهم من هم في عصرنا هذا كالدكتور يوسف القرضاوي المصري الذي قال في قناة الجزيرة القطرية في برنامج يسمى «الشريعة والحياة» مع المذيع ماهر عبد الله في عام 2002م: «إن محمدا يجتهد في الدين ويخطئ»، ومن المستهزئين أيضا عمرو خالد المصري الذي قال: «إن دعوة النبي ليست مثالية بل هي فاشلة»، ومثلهما الوهابي محمد العريفي السعودي الذي قال: «إن النبي كان يبيع أو يهدي الخمر»، ومنهم أيضا رجب ديب الدمشقي الذي قال عن النبي: «شحاد دندبوري» وهي عبار باللهجة العامية لبلاد الشام تدل على الاستخفاف والاستهزاء، ويدخل فيهم أيضا قول بعض مشايخ الوهابية: «محمد لا ينفع أو هو جيفة أو هو طارش» وهي باللهجة البدوية في ناحية الدرعية تعني أنه كساعي البريد الذي يوصل للناس رسالة ولا ينفعهم في غير هذا.

([2]) هو الجلد الرقيق الذي يخرج فيه مولود الناقة.

([3]) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدين الطبري، (ص47).

([4]) أي لو كان لي قوة لطرحته عن رسول الله r.

([5]) أي ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكما، وعند مسلم: «ويميل» أي من كثرة الضحك.

([6]) دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني، (ص268).

([7]) المصدر السابق.

([8]) لأن الـملك وإن كان في أصل خلقته من نور إلا أن له أجنحة ويتشكل بصورة رجل فيكون له الصورة الخارجية المعهودة من غير ءالة الذكورية.

([9]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/146).

([10]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (12/99).

([11]) أنساب الأشراف، أحمد بن يحيـى البلاذري، (1/151).

([12]) شبه العكاز.

([13]) الـمستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم، (4/528).

([14]) أي نسب عقولنا إلى السفه.

([15]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/117).

([16]) أي الانزعاج.

([17]) أي والله الذي بقدرته وإرادته إيجاد نفسي وإمدادها.

([18]) أي من طأطأتهم رؤوسهم.

([19]) أي ولببه.

([20]) أي أقوى.

([21]) الرواية بهاء الضمير.

([22]) أي ديته إذا قتل.

([23]) أي تنصره وينصرك.

([24]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/118).

([25]) أي: اجتمع.

([26]) أي: الدفع.

([27]) أي: موسم الحج بمكة، فإنهم كانوا يحجون زمن الجاهلية بأعمال شركية وقبائح.

([28]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/146). مختصرا.

([29]) روي بفتح الضاد وضمها.

([30]) أي قائم بشؤونهم وتدبير أمورهم، والثمال في الأصل الغياث.

([31]) أي ينلن ببركته وفضله ما يقوم لهن مقام الأزواج. والأرامل يقع على الرجال والنساء، وقد صرح ابن الأثير أن الأرامل في البيت المذكور الـمساكين رجالا ونساء، ويقال لكل واحد منهما على انفراده أرامل، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة وهو من مات زوجه، وسواء كانا غنيين أو فقيرين. ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الـملقن، (8/234).

 

باب فيه (ذكر قدوم وفد) نصارى (نجران) على النبيوإسلامهم

إبطال الدخيل في قصة وفد نصارى نجران

قدم على رسول الله ﷺ عدة وفود من نصارى نجران، بعضهم أسلم وبعضهم جادلوا وعارضوا فنزلت ءاية الـمباهلة([1]) فأبوا أن يباهلوا وصالحوا على الجزية.

ولذلك فإنه يجب الحذر من قصة مكذوبة يرويها بعض أصحاب كتب الحديث والتاريخ عن أحد وفود نصارى نجران يقولون فيها: «إن وفدا من نصارى نجران قدموا المدينة المنورة ودعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام فلم يسلموا ورضوا بالجزية، ولما حان وقت صلاة أولئك النصارى قاموا متجهين إلى المشرق»، فعلى زعم الراوي: «أراد الناس منعهم فقال النبي لأصحابه: دعوهم يؤدون صلاتهم في مسجدي»، وهذا كذب وافتراء على رسول الله محمد ﷺ، وكيف يصح أن يقر النبي على الكفر وقد أرسله الله تعالى ءامرا بالمعروف ناهيا عن الـمنكر ماحيا للكفر، وقد سمى النبي ﷺ نفسه الماحي فقال: «وأنا الـماحي الذي يمحو الله بي الكفر» وقال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}، وقال أيضا: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.

ثم من حيث السند فالقصة مرجعها إلى ابن إسحاق في طبقاته وعنه نقلها ابن هشام وغيره من أهل السير الذين أوردوها، وليس لها سند من ابن إسحاق إلى منتهاها، حتى الرواية التي يسندها إلى محمد بن جعفر بن الزبير إسنادها معضل فإن محمدا يروي عن صغار التابعين فقط. وقد نص الحافظ ابن رجب على أنه أثر منقطع ضعيف وأنه لا يصح الاحتجاج به لمن ادعى جواز إقرارهم على إقامة صلواتهم في مساجد الـمسلمين([2]).

أما الرواية التي فيها: «دعوهم» من دون زيادة: «يؤدون صلاتهم في مسجدي» فهي وإن كان لا أصل لها، إلا أنه قد يحمل المعنى فيها على أن «لا تقربوهم فيزدادوا كفرا» وليس على معنى الإذن للنصارى بالكفر ولا على معنى الرضى بما هم فاعلون من الكفر، أما من قال: «إن النبي أذن للنصارى بإقامة صلاتهم أو أقرهم على ذلك» فهو خارج عن الإسلام كافر، فقد قال عز وجل: {ولا يرضىٰ لعباده الكفر} وقال أيضا: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ولا إثم أشد من الكفر.

ومن أشنع العبارات التي يتمسك بها بعض الدعاة إلى ما يسمى «التسامح والتلاقي بين الأديان» مقالة لابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية الـمجسمين، حيث يقول في كتابه المسمى «زاد الـمعاد»([3]) بعد إيراده قصة نصارى نجران: «وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة الـمسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا ولا يمكنون من اعتياد ذلك»، فجعل ابن القيم تمكين الكافر من كفره في مساجد الـمسلمين جائزا بشرط أن لا يتخذ الكافر ذلك عادة له، وهذه فتوى لإباحة الكفر صريحة، وقد نص الفقهاء على أن الإشارة إلى الكافر بالبقاء على الكفر كفر([4])، فكيف بتمكينه من مباشرة عبادته الكفرية فلا شك أن ذلك كفر.

إسلام وفد نصارى نجران عند رسول الله ﷺ

172- وجاء من نجران قوم أسلموا
173- بصدقه ………………

 

 

عدتهم عشرون لما علموا
……………………………………

 

(و)أما الـمروي في قصتهم مما لا محذور فيه فهو أنه لما بلغ بعض النصارى خبر النبي محمد ﷺ عن طريق بعض أهل الحبشة (جاء من) نصارى (نجران) إليه ﷺ بمكة (قوم) منهم وافدين عليه ﷺ، ونجران بلد من مخاليف اليمن من ناحية مكة([5])، والـمخاليف جمع مخلاف بلغة اليمن كالرستاق بلغة العراق وهي الناحية([6]).

ووجد وفد نجران النبي ﷺ بالمسجد فقعدوا إليه وكلموه وسألوه عن أشياء فدعاهم إلى الله وتلا عليهم القرءان ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق واستجابوا له و(أسلموا) عنده مؤمنين به مصدقين و(عدتهم) أي عددهم يومئذ (عشرون) رجلا أو قريب من ذلك([7])، وقد جاؤوا إليه بعدما بلغهم خبره من الحبشة فـ(ـلما علموا بصدقه) وعرفوه بوصفه في كتبهم أعلنوا إسلامهم.

إفحاش كفار قريش القول لوفد نجران بعد إسلامهم

173- ……….. جاء أبو جهل فسب
174- فأعرضوا وقولهم سلام

 

 

وأقذع القول لهم بلا سبب
ليس لنا مع جاهل كلام

 

وكان رجال من مشركي قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون، فلما قام وفد نجران عنه ﷺ (جاء)هم وفد من قريش فيهم (أبو جهل) معترضين لهم (فسبـ)ـهم أبو جهل وقال: «خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون([8]) لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال»، (وأقذع) أي أفحش (القول لهم) أي للوفد (بلا سبب) مقابل لذلك قائلا لهم: «ما نعلم ركبا أحمق منكم» (فـ)ـلم يجبه الوفد بل (أعرضوا) عنه (و)كان (قولهم) له ولمن معه (سلام) عليكم([9]) لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم([10])، (ليس لنا مع جاهل) مثلكم (كلام)، وفي هؤلاء القوم نزل قول الله تعالى: {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}، ومعنى {سلام عليكم} سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم {لا نبتغي الجاهلين} أي لا نحب دينكم الذي أنتم عليه([11]).

مسألة: ليس في أخذ اللعان من الذمي عند ا لكنيسة رضى بالكفر أو إعانة عليه

اتفق الـمسلمون على أن «الرضى بالكفر كفر»، وقد نقل الفخر الرازي الإجماع على ذلك([12])، وقال أبو حيان في «البحر الـمحيط»([13]): «من كره الإيمان للكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر، لأن الرضى بالكفر كفر»، وقال أبو الـمعالي بن مازة الحنفي([14]) وصاحب «الفتاوى التاتارخانية»([15]): «وقد عثرنا على رواية أبي حنيفة أن الرضى بكفر الغير كفر من غير تفصيل».

وقد سبق أول هذه الباب بيان أن النبي ﷺ يستحيل عليه على أن يشير على كافر أن يبقى على كفر أو يرضى له ذلك، لكن قد يشكل عند البعض قول الفقهاء كالحافظ النووي رحمه الله في مسألة تلاعن الذميين في «منهاج الطالبين»: «وذمي في بيعة وكنيسة وكذا بيت نار مجوسي في الأصح»، والجواب عنه كما قال شيخنا الإمام الهرري رحمه الله: «هذا إذا كان الذمي تحت سلطة الإسلام وتحمل الشروط حين عقدت له الذمة أخذ اللعان منه هناك([16]) مع السلامة مما جرت به عادتهم من عمل الكفر عند دخولهم الكنيسة، وليس على حسب ما يعتادونه عند دخولهم كنائسهم وهم غير ذميين. فالذمي والذمية إذا ترافعا في هذه الخصومة يجوز أن يؤخذا إلى هناك ليتلاعنا مع تجنب الـمنكر الذي هم يعتادونه. وإجازة إدخالهم الكنيسة عند تلاعن الرجل منهم والمرأة التي رماها بالزنى ونفي الولد الذي ولدته فهو لئلا يتجرؤوا على الحلف بل يكفوا، لأن أحدهما كاذب لا بد كاذب» انتهى كلام شيخنا رحمه الله.

فظهر أنه لا إشكال في عبارة «الـمنهاج» ونحوها إذ ليس في ذلك إعانة لليهودي أو النصراني أو المجوسي على الكفر ولا الرضى به ولا استحسانه ولا فيه طلب الكفر منهما دام اعتقاد الآمر لهما بذلك أنهما لا يتوهمان شيئا من الكفر بالمرة.

وكذلك عبارة ابن الـمقري في «إخلاص الناوي» في مسألة تلاعن الـمجوس عند بيت نارهم ونصها: «فراعينا اعتقادهم لذلك»([17]) فنقول أيضا في التعليق عليها: «ليس هذا على معنى احترام اعتقادهم أو تعظيمه وإنما هو بناء على ما في نفوسهم من أنهم لا يتجرؤون على الكذب في هذا الـموضع، وبما أنهم لا يكذبون عنده فقد طلب منهم اللعان عند ذلك المكان مع اعتقادنا أنهم لا يتوهمون من حملنا لهم على ذلك شيئا فيه تعظيم لدينهم وشعائره ولا ما يوهمهم حقية شيء مما هم عليه من الباطل، بل هو كما قال الروياني([18]) وغيره أنهما ينزجران بذلك، فهو زجر لهما لا تحسين فيه لمنكر ولا إيهام بحقية باطل.

وأما قول الإمام الشافعي رضي الله عنه في «الأم»([19]): «ورأيت مطرفا بصنعاء يحلف على الـمصحف قال: ويحلف الذميون في بيعتهم وحيث يعظمون وعلى التوراة والإنجيل وما عظموا من كتبهم» فمعناه أنهم يحلفون بالألفاظ الصحيحة التي بقيت في الإنجيل المحرف أو التوراة المحرفة، فالمواضع الصحيحة هي غير المحرفة وهي التي ليس فيها ما هو كفر ولا تعظيم لدينهم الشركي ولا لشيء من شعائر دينهم فإنهم يحلفون عليها، ويكون اعتقاد المحلف لهم أنهم لا يستحضرون تلك الساعة تعظيم شيء من شعائر دينهم وكفرهم ولا يخطر في بالهم أن يتقربون بذلك فيكونون على زعمهم مثابين مأجورين بذلك.

ويؤيد ما قلناه قول بعض شراح «الـمنهاج»([20]): «ويحلف الذمي بما يعظمه مما نراه بحق لا هو»، أما ما كان فيه كفر أو تحريف للحق فلا يحلفون به لأن الإعانة على الكفر أو الأمر به أو الرضى به كفر، وذلك كله مفهوم من قول الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقوله: {وينهىٰ عن الفحشاء والمنكر} وقد نهى رسول الله ﷺ معاذا رضي الله عنه عن أن يسجد له سجود تحية، فحاشا أن يجيز الله أو يبيح الرسول إعانة تعظيم الكفر أو إعانة الكافر على ذلك أو على تزيينه له أو إيهامه بأنه على صواب، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

([1]) الآية: {فمن حآجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}[ءال عمران: 61]. والـمباهلة التلاعن وهي من البهل أي اللعن.

([2]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن رجب الحنبلي، (3/244).

([3]) الـمسمى «زاد الـمعاد في هدي خير العباد»، ابن قيم الجوزية، (3/558).

([4]) ينظر: روضة الطالبين، محيي الدين النووي، (10/69)، وتبصرة الحكام، ابن فرحون، (2/277)، ومعين الحكام، علاء الدين الطرابلسي، (ص191).

([5]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (5/255).

([6]) المصباح المنير، أبو العباس الفيومي، (1/178).

([7]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/150).

([8]) أي تنظرون.

([9]) ليس المراد منه سلام التحية ولكن سلام المتاركة.

([10]) أي نحلم مقابل جهلكم ولا نرد عليكم بسفيه القول ولا نرضى بغير الإسلام الذي نحن عليه دينا.

([11]) لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين الخازن، (3/368).

([12]) التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، (26/425).

([13]) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، (6/102).

([14]) الـمحيط البرهاني في الفقه النعماني، أبو الـمعالي بن مازة، (5/227).

([15]) الفتاوى التاتارخانية، ابن العلاء الأندريتي، (5/233).

([16]) أي عند بيعة وكنيسة وبيت نار مجوسي.

([17]) إخلاص الناوي في إرشاد الغاوي إلى مسالك الحاوي، شرف الدين بن الـمقري، (3/48).

([18]) بحر المذهب، أبو الـمحاسن الروياني، (10/339).

([19]) الأم، محمد بن إدريس الشافعي، (7/36).

([20]) نهاية الـمحتاج إلى شرح الـمنهاج، شمس الدين الرملي، (8/352).