معلوم أن نبينا محمدا ﷺ لم يكن متعلق القلب بالنساء، والدليل على ذلك أنه كان معروفا بين أهل مكة بمحمد الأمين ذي الخصال الحميدة الذي لا يظهر عليه خصلة قبيحة أو نظرة خبيثة إلى النساء الأجنبيات، وهذا كله عرفه المشركون قبل أن يوحى إلى النبي محمد ﷺ في الأربعين من عمره، فلو كان على ما زعم الملاحدة أنه كان ولوعا بالنساء متتبعا لهن لظهرت منه رذائل كثيرة ولكان أهل بلده طعنوا فيه بذلك حين أعلن دعوته ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما كانوا يعبدونه من الأوثان، ولكنه لم يجدوا مطعنا في أخلاق النبي ﷺ وسيرته، فلجؤوا إلى الطعن في دعوته واتهامه بأنه ساحر ونحو ذلك لما وجدوا من إقبال الناس إليه والإذعان لما جاء به.
ثم إن رسول الله ﷺ تزوج أول مرة السيدة خديجة بعد أن صار عمره خمسة وعشرين عاما، فلما ماتت كان قد بلغ من العمر خمسين سنة فتزوج بأخرى ثم عدد لا لإشباع الشهوة بل لحكم تعود إلى مصالح نشر الدعوة بين القبائل وتعليم النساء بواسطة أزواجه، لا سيما وأن الرجال كان لهم الحظ الأوفر من لقائه ﷺ، فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن امراة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال ﷺ: «اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا» الحديث.
وقد خص الله عز وجل رسوله ﷺ بأن أباح له أن يجمع بين عدد من الزوجات فوق ما هو مباح لأمته ﷺ، فإنه ﷺ طيب السيرة مأمون العاقبة لا يخشى منه أن يظلم، حاشاه، حتى ولو كان تحته مائة امرأة فإنه يعدل، وهذا حال جميع الأنبياء عليهم السلام فإنه ليس فيهم من يظلم زوجة أو غيرها، وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله محمدا ﷺ أخبر عن نبي الله سليمان ابن نبي الله داود عليهما السلام قال: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله» الحديث.
856- زوجاته اللاتي بهن قد دخل
|
| ثنتا أو ٱحدى عشرة خلف نقل
|
قد سبق في باب الخصائص أن الله تعالى خص نبيه ﷺ بأن له الجمع بين العدد الكثير من الزوجات، واختلف العلماء في عدد أزواجه ﷺ اللاتي دخل بهن، فقال بعضهم (زوجاته) ﷺ (اللاتي بهن قد دخل) أي بنى (ثنتا) عشرة امرأة (أو) هن كما قال بعض العلماء([1]) (إحدى عشرة) بالتنوين للضرورة، وهذا الثاني جار على إخراج ريحانة بنت زيد النضرية من عداد أزواجه ﷺ وإدخالها في ملك اليمين، وفي ذلك (خلف) شهير قد (نقل) عن الـمتقدمين من العلماء في كتب من جاء بعدهم، وعليه فقد اتفق على أنه ﷺ دخل بإحدى عشرة من زوجاته([2]) وهن قرشيات وعرب غير قرشيات وواحدة من بني إسرائيل.
أما القرشيات فستة: خديجة وعائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة رضي الله عنهن، وأما العربيات من سوى قريش فأربعة: الزينبان وجويرية وميمونة رضي الله عنهن، وأما صفية رضي الله عنها فمن النضير من بني إسرائيل([3]).
857- خديجة الأولى تليها سودة
|
| ثم تلي عائشة الصديقة
|
فأما أم المؤمنين السيدة (خديجة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى فـ(ـالأولى) من أزواجه ﷺ، كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم. كانت خديجة رضي الله عنه تحت أبي هالة بن زرارة التميمي في الجاهلية أولا، فولدت له ذكران هندا([4]) وهالة، ثم تزوجها عتيق بن عائذ([5]) المخزومي بعده في الجاهلية أيضا، فولدت له بنتا اسمها هند، وقيل: عتيق كان زوجها قبل أبي هالة([6])، ثم تزوجها بعده النبي ﷺ ولها أربعون سنة تقريبا، وهو ﷺ ابن خمس وعشرين سنة على الأصح، ولم ينكح ﷺ قبلها امرأة ولا نكح عليها غيرها حتى توفيت رضي الله عنها.
وكانت خديجة رضي الله عنها أول من ءامن برسول الله ﷺ من الناس على الإطلاق، وقد سبق أن جميع أولاده ﷺ من خديجة سوى إبراهيم فمن مارية.
ماتت خديجة رضي الله عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين لعشر خلون من رمضان على الأصح([7])، ولها من العمر خمس وستون سنة، ودفنت بالحجون([8]).
و(تليها) أي تلي السيدة خديجة في ترتيب أزواجه ﷺ على الصحيح أم المؤمنين السيدة (سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد، أسلمت قديما وبايعت مع المؤمنات رسول الله ﷺ. تزوجها ﷺ بعد الهجرة، وقيل: في شوال قبل مهاجره إلى المدينة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها([9])، وكانت سودة قبله ﷺ تحت السكران بن عمرو أخي سهيل فأسلم معها وهاجرا معا إلى الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات بها، وقيل: مات بالحبشة. توفيت رضي الله عنها في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين بالمدينة.
(ثم تلي) سودة في ترتيب أزواجه ﷺ أم المؤمنين السيدة (عائشة الصديقة) بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر، (وقيل) إنه ﷺ تزوج عائشة (قبل سودة) بالتنوين للضرورة، والصحيح أنه ﷺ تزوجها في شوال إلا أنه لم يدخل بعائشة إلا بعد سنتين أو ثلاث بالمدينة.
ولدت عائشة رضي الله عنها في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة([10])، ونكحها رسول الله ﷺ بكرا ولم ينكح بكرا غيرها، وكان عقده ﷺ عليها وهي ابنة ست، وقيل: سبع، وبنى بها وهي ابنة تسع، وتوفي عنها ﷺ وهي ابنة ثمان عشرة سنة. كانت رضي الله عنها فقيهة مجتهدة عالمة فصيحة فاضلة مكثرة الرواية عن رسول الله ﷺ عارفة بأيام العرب وأشعارهم، وقد روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين.
توفيت رضي الله عنه في رمضان ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة مضت منه وذلك في سنة ثمان وخمسين من الهجرة، وقد صلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه حين كان نائبا لوالي المدينة مروان بن الحكم في خلافة معاوية، ودفنت رضي الله عنها بالبقيع.
(فـ)ـبعد عائشة في ترتيب النساء اللاتي نكحهن وبنى بهن ﷺ أم المؤمنين السيدة (حفصة) بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأمها زينب بنت مظعون. ولدت حفصة قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي وهاجرت معه فتوفي عنها بعد غزوة بدر، وقد خطبها رسول الله ﷺ إلى عمر فأنكحه إياها في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل أحد، وقد سبق خبر طلاقه ﷺ لها وإرجاعها إياها في الفصل الذي فيه «ذكر أحداث السنة الثالثة للهجرة».
روى عن حفصة جماعة من الصحابة والتابعين، وتوفيت رضي الله عنها في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة، وقد صلى عليها مروان ودفنت بالبقيع.
(فـ)ـبعد حفصة في ترتيب أزواجه ﷺ اللائي بنى بهن أم المؤمنين السيدة (زينب) بالتنوين للضرورة، وهي التي (والدها خزيمة) بالتنوين للضرورة، أي ابن الحارث بن عبد الله العامري، وأمها هند بنت عوف بن زهير التي كان يقال فيها «أكرم عجوز في الأرض أصهارا»([11])؛ فبناتها الخمسة: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوج الرسول ﷺ، وأسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق فبعده جعفر فبعده علي رضي الله عنهم، وسلمى بنت عميس زوج حمزة رضي الله عنه، ولبابة الكبرى([12]) بنت الحارث زوج عم النبي ﷺ العباس رضي الله عنه.
وقد أخر بعض أهل السير زينب بنت خزيمة في الترتيب أزواجه ﷺ فجعلها متأخرة عن أم سلمة وجويرية وزينب بنت جحش([13]).
كانت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها تسمى في الجاهلية أم الـمساكين لإطعامها إياهم، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد شهيدا، وتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث فلم تلبث عنده إلا يسيرا إذ توفيت بعد أشهر في ربيع الآخر من سنة أربع من الهجرة ودفنت بالبقيع.
(فبعدها) أي فبعد حفصة أم المؤمنين السيدة (هند) بنت أبي أمية سهيل بن الـمغيرة (أي) الـمكناة (أم سلمة) وأمها عاتكة بنت عامر. وهند قرشية مخزومية، كانت قبل رسول الله ﷺ تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد فتوفي عنها سنة أربع، وقيل: ثلاث، فتزوجها رسول الله ﷺ في ليال بقين من شوال من السنة التي توفي فيها أبو سلمة.
وكانت أم سلمة رضي الله عنها من ءاخر أزواج النبي ﷺ بعده، وكانت هي وزوجها أبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، وولدت له بها زينب، وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة رضي الله عنهم، وقيل: هي أول ظعينة([14]) دخلت المدينة مهاجرة([15]).
توفيت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة فصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع.
(فـ)ـبعد هند (ابنة جحش) ابن رئاب أم المؤمنين السيدة (زينب المكرمة) بنت عمة النبي ﷺ فأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. كانت رضي الله عنها تحت زيد ابن حارثة بن شرحبيل ثم تزوجها النبي الله في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.
وقد أطعم رسول الله ﷺ حين بنائه بها خلقا كثيرا من طعام قدم إليه في قصعة أهدتها إليه أم أنس خادمه أم سليم سهله بنت ملحان، فلما رفع الطعام من بينهم وقد شبعوا وجد كما وضع أو أكثر، وسبق الكلام على نكاحه ﷺ إياه وقوله تعالى: {فلما قضىٰ زيد منها وطرا زوجناكها}.
توفيت رضي الله عنها وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة، وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفنت بالبقيع، فكانت أول أزواجه ﷺ موتا بعده.
تنبيه: طعن بعض الكفار الزنادقة في النبي ﷺ وادعوا أنه احتال ليتوصل إلى الزواج بزينب بنت جحش، وقد أجبنا عن شبهتهم في فصل مفرد عقدناه لذلك في ذيل أحداث السنة الثانية للهجرة وهو «فصل في رد مزاعم الـملاحدة في قضية زينب بنت جحش» فلينظر.
و(تلي) زينب بنت جحش في ترتيب أزواجه ﷺ (ابنة الحارث) بن أبي ضرار سيد قومه بني الـمصطلق (أي) أم المؤمنين السيدة (جويرية) الـمصطلقية الخزاعية، قيل كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ جويرية – تصغير جارية بمعنى الشابة التي ليست بكبيرة – وكان ﷺ يكره أن يقال: «خرج من عند برة» ويقول: «لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم» وتزكية المرء نفسه ثناؤه عليها([16]).
كانت جويرية تحت مالك أو صفوان بن صفوان، فقتل يوم المريسيع فتزوجها النبي ﷺ بعدما أعتقها وأسلمت وكانت وقتئذ ابنة عشرين سنة، وسبق خبر ذلك في الفصل الذي فيه «ذكر أحداث السنة الخامسة للهجرة».
توفيت رضي الله عنها وهي ابنة خمس وستين سنة في ربيع الأول من سنة سبع وخمسين في خلافة معاوية، وقيل: سنة ستين، وصلى عليها مروان بن الحكم.
(فبعدها) أي فبعد جويرية أم المؤمنين السيدة (ريحانة) بنت زيد بن عمرو (المسبية)
وقد ضبطها الأجهوري([17]) «ريحانة السبية» بلا ميم، أي هي التي سباها رسول الله ﷺ من بني النضير، وقيل: قريظة، وقال ابن سعد([18]): كانت متزوجة رجلا من بني قريظة يقال له الحكم فنسبها بعض الرواة إلى بني قريظة لذلك. أسلمت فأعتقها ﷺ ثم تزوجها، (وقيل بل) هي (ملك يمين فقط) للنبي ﷺ و(لم يتزوجها) رسول الله ﷺ (وذاك) إشارة إلى القول الأول أنها زوجه (أضبط) أي أقوى وأصح عند بعض أهل السير
862- بنت أبي سفيان وهي رملة
|
| أم حبيبة تلي صفية
|
ومن أزواجه ﷺ (بنت أبي سفيان) صخر بن حرب (وهي) أم المؤمنين السيدة (رملة) التي يقال لها (أم حبيبة) بالتنوين للضرورة، واختلف في ترتيبها بين أزواجه اللائي دخل بهن رسول الله ﷺ، والذي اعتمده الناظم أنها تلي ريحانة وتليها صفية، والذي اعتمده كثير من أهل السير أنها متقدمة على ذلك.
وأم رملة رضي الله عنها هي صفية بنت أبي العاص بن أمية، وكانت رملة قبل النبي ﷺ تحت عبيد الله بن جحش بن رئاب، فتوفي بأرض الحبشة بعد أن ارتد نصرانيا، فتزوجها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وقد سبق ذكر إصداق أصحمة نيابة لها عن النبي ﷺ.
توفيت رضي الله عنها بالمدينة سنة أربع وأربعين ودفنت بالبقيع، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، وأما ما يروى من أنها زارت أخاها معاوية فتوفيت في دمشق ودفنت في مقبرة الباب الصغير فلا يصح وقد روى عنها حديث رسول الله ﷺ أخواها معاوية وعنبسة، وعنها أيضا أنس بن مالك وزينب بنت أبي سلمة.
و(تلي) أم حبيبة أم المؤمنين السيدة (صفية) الـمعدودة (من بعدها) أي من بعد رملة، بناء على الترتيب الذي جرى عليه الناظم. وصفية هي بنت حيي بن أخطب من نسل نبي الله هارون ﷺ، وأمها برة بنت سموءل. كانت صفية تحت سلام بن مشكم ثم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فسباها رسول الله ﷺ في خيبر وهي عروس وكانت ابنة سبع عشرة سنة تقريبا ثم أعتقها وتزوجها بعد مرجعه من خيبر وكانت قد أسلمت، وقيل: وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي في تلك الغزوة، فاشتراها منه ﷺ بسبعة أرؤس، ولما حان وقت بنائها بها ﷺ دفعها إلى أم سليم تهيئها له، وجعل ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن لا فيها خبز ولا لحم، وأمر ﷺ بلالا بالأنطاع فبسطت، ودعي الـمسلمون فجعلوا يتحدثون فيما بينهم: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات الـمؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فمد الحجاب فعرف الناس أنها زوجه ﷺ.
توفيت صفية رضي الله عنها سنة اثنتين وخمسين من الهجرة في خلافة معاوية، وقيل: سنة خمسين، ودفنت بالبقيع.
(فبعدها) أي فبعد صفية أم المؤمنين السيدة (ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية، قيل: كان اسمها برة وقد غيره لها النبي ﷺ، وأمها هند بنت عوف، وكانت ميمونة تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ثم فارقها فتزوج بها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، وقيل غير ذلك([19])، فلما توفي عنها زوجها تزوجها النبي ﷺ ونكحها ﷺ سنة سبع عام عمرة القضاء بسرف (حلا) أي حال كونه ﷺ حلالا لا محرما.
(وكانت) ميمونة رضي الله عنها من حيث الصفة (كاسمها) أي كانت (ميمونة) حقيقة أي مباركة، توفيت رضي الله عنها سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية، وكان عمرها نحو ثمانين سنة، ودفنت بسرف في القبة التي بنى بها فيها رسول الله ﷺ، وقيل ماتت بمكة ونقلت إليها، وهي ءاخر نسائه تزوجا وموتا، وقيل: إنها ماتت قبل عائشة رضي الله عنها([20]).
تتمة: روى البخاري أن رسول الله ﷺ كان حلالا حين نكح ميمونة، وروى أحمد أنه ﷺ تزوجها هو محرم – وبه متمسك لمن يقول بخصوصيته ﷺ في ذلك – وهذا هو المشهور عن ابن عباس وقد صح عن عائشة وأبي هريرة، لكن جاء عن ميمونة نفسها أنه ﷺ كان حلالا ومثل ذلك عن أبي رافع وأنه كان رسول رسول الله إلى ميمونة، فرجح الفقهاء روايته على رواية ابن عباس لأن رواية من كان له مدخل في الواقعة من مباشرة أو نحوها أرجح من رواية الأجنبي عنها، ورجحت أيضا من ناحية أنها تشتمل على إثبات النكاح لمدة متقدمة على زمن الإحرام والأخرى على النفي، والـمثبت مقدم على النافي، وعلى احتمال ثبوت الرواية التي عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وفيها: «وهو محرم» فإنها تحمل على أن العقد كان داخل الحرم بعد انقضاء العمرة، والجمهور على أن نكاح الـمحرم وإنكاحه لا ينعقد للحديث الثابت: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»، وهو الذي قاله الحافظ العسقلاني([21]) وغيره.
864- وابن المثنى معمر قد أدخلا
|
| في جملة اللاتي بهن دخلا
|
اختلف أهل السير في عدد النساء اللاتي نكحهن النبي ﷺ، سواء دخل بهن أو لم يدخل، فذهب قتادة إلى أنه ﷺ تزوج خمس عشرة امرأة (و)عدهن (ابن المثنى) أبو عبيدة (معمر) ثماني عشرة([22]) و(قد أدخلا) بألف الإطلاق أي معمر (في جملة) الزوجات (اللاتي بهن) رسول الله ﷺ قد (دخلا) بألف الإطلاق أي بنى بهن الرسول ﷺ أعني سنا بنت أسماء السلمية و(بنت شريح) العامرية (واسمها فاطمة)، وذكر الـمقريزي([23]) أن النبي ﷺ تزوجها بعد زواجه من أم المؤمنين السيدة صفية رضي الله عنها، وقد (عرفها بأنها) المرأة (الواهبة) نفسها للنبي ﷺ، مع أنه قيل ذلك في غيرها أيضا، وأراد بها الناظم من جاء القرءان بذكرها في قوله عز وجل: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها} الآية [الأحزاب: 50]، (ولم أجد) أي لم يعثر الناظم بعد البحث في كتب (من جمع الصحابة) أي تراجمهم وطبقاتهم من (ذكرها) أي فاطمة بنت شريح في الصحابة فضلا عن أن تذكر في عداد زوجات النبي ﷺ (ولا بـ)ـكتاب «(أسد الغابة) في معرفة الصحابة» لأبي الحسن بن الأثير الجزري (ت630هـ) مع أنه كتاب جامع واسع، وأما الذي في «العقد الثمين»([24]) للحافظ تقي الدين الفاسي و«الإصابة»([25]) للحافظ العسقلاني فمعزو إلى أبي عبيدة.
(و) لـ(ـعلها) زوجته (التي) كان رسول الله ﷺ قد دنا منها ليقبلها فسبق لسانها فـ(ـاستعاذت) أي استجارت بالله (منه) بقولها: «أعوذ بالله منك»، ولو لم يكن ذلك منها على وجه سبق اللسان لكان ردة منها والعياذ بالله تعالى.
وروى مسلم في «صحيحه» من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: ذكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءها، فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك، الحديث.
قال أبو العباس القرطبي: «قول هذه المرأة لرسول الله ﷺ: «أعوذ بالله منك» يدل على أنها لم تعرفه»([26])، وأما قولها: «الحقي بأهلك» – على فرض أن يكون أمر أبا أسيد أن يلي نكاحه منها فجيء بها وهي زوجته – فإنه طلاق بكناية، وسببه كما قال النووي: «لأنها لم تعجبه إما لصورتها وإما لخلقها وإما لغير ذلك»([27]).
وأما الرواية التي فيها «أن بعض نساء النبي ﷺ قلن لها: إذا دخلت عليه تمنعي ابتداء تيها ودلالا وقولي له: «أعوذ بالله منك» فإن ذلك يعجبه» فرواية متروكة لا تصح ولا تليق بأمهات المؤمنين زوجات رسول الله ﷺ، وقد ذكر الحافظ العسقلاني أنها عند الحاكم وابن سعد من طريق هشام بن محمد الكلبي وهو متروك رافضي قال فيه الإمام أحمد: «ما ظننت أن أحدا يحدث عنه»([28])، ونقل ابن الـملقن عن ابن الصلاح أنه قال: «هذا الحديث أصله في البخاري من حديث أبي سعيد الساعدي دون ما فيه «أن نساءه علمنها ذلك»، فهذه الزيادة باطلة»([29]).
(و)قالوا: إن التي حصل منها هذا (هي) فاطمة (ابنة الضحاك) بن سفيان الكلابية، وقال بعضهم: هي أميمة بنت الجون المذكورة في حديث البخاري، وقيل: أسماء بنت الجون، والاختلاف في اسمها كثير جدا([30])، وقيل: بتعدد القصة.
وقال بعضهم إن هذه المرأة المذكورة في قضية الاستعاذة لم تكن من أمهات المؤمنين اللائي دخل بهن ﷺ ولا ممن توفي عنهن بل (بانت عنه) بقوله ﷺ لها: «الحقي بأهلك» وهو كناية عن الطلاق، والمعنى: «الحقي بأهلك لأني طلقتك، سواء كان لها أهل أم لا»([31]).
868- وغير من بنى بها أو وهبت | إلى النبي نفسها أو خطبت |
(و)إذا عد في نساء النبي ﷺ (غير من بنى) أي دخل (بها) من النساء (أو) أي مع عد من (وهبت إلى النبي) ﷺ (نفسها) إن أراد النبي نكاحها (أو) أي وعد أيضا من (خطبت) إليه ﷺ (ولم يقع تزويجها) له (فالعدة) بكسر العين أي عددهن بلغ (نحو ثلاثين) امرأة، خطبهن كلهن رسول الله ﷺ (بخلف) أي مع اختلاف في هذا العدد مشهور بين أهل السير الذين (أثبتوا) الثلاثين والذين جزموا بأنهن أقل من ذلك.
وكانت نساؤه ﷺ على صفات، فمنهن واحدة وهبت نفسها له، وإحدى عشرة امرأة دخل بهن، وسبع عقد عليهن ولم يدخل بهن، وثنتان توفين في حياته، وتسع توفي عنهن، ولم ينكح إلا بكرا واحدة.
تتمة: اختلف في ترتيب زوجات رسول الله ﷺ – اللائي توفي عنهن – باعتبار نكاحه لهنن فجرى الاتفاق على أن خديجة رضي الله عنها أولهن، ثم عائشة فسودة أو العكس، وفي اللائي بعدهن خلف كثير، والذي اختاره عدد من مشاهير أهل السير تبعا ليونس ابن يزيد الأيلي عن الزهري أنهن خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم زينب أم الـمساكين، ثم ميمونة، ثم جويرية، ثم صفية، وفي رواية عقيل عنه أنهن خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم أم حبيبة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم ميمونة، ثم صفية، ثم زينب أم الـمساكين، والله أعلم([32]).
([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (6/24).
([2]) بهجة المحافل، يحيى العامري الحرضي، (2/145).
([3]) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، أبو حاتم بن حبان، (1/406).
([4]) هو الوصاف المعروف الذي مر ذكره في فصل خاص يصف رسول الله ﷺ.
([5]) وضبطها في «بهجة المحافل» (2/139) بالياء التحتية لا غير.
([6]) شرف المصطفى، أبو سعد النيسابوري، (2/37).
([7]) المختصر الكبير، عز الدين بن جماعة، (ص91).
([8]) بفتح الحاء الـمهملة وضم الجيم، جبل بطرف مكة.
([9]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (6/42).
([10]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/521).
([11]) شرف المصطفى، أبو سعد النيسابوري، (3/252).
([12]) أما لبابة الصغرى فأختها، كانت تحت الوليد بن الـمغيرة فولدت له الصحابي الجليل خالدا رضي الله عنها وعنه.
([13]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (11/145).
([14]) أي: مسافرة على راحلتها.
([15]) المواهب اللدنية، شهاب الدين القسطلاني، (2/256).
([16]) قال شيخنا الإمام الهرري رحمه الله: «معنى «تزكوا» تمدحوا برفعة النفس، ليس كل مدح تزكية، التزكية مدح خاص، فإذا قلنا لواحد من أهل الضلال: «نحن أهل الحق» فقال: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}، يقال له: نحن أهل الحق بشهادة الرسول ﷺ، أردنا بيان الواقع، وليست التزكية مدح الغير إذا كان لا يخشى عليه أن يأخذه الغرور».
([17]) شرح الدرر السنية، نور الدين الأجهوري، (ق/436).
([18]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (8/129).
([19]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (4/422).
([20]) تاريخ دمشق، أبو القاسم بن عساكر، (3/226).
([21]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (4/52).
([22]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (7/288).
([23]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (6/93).
([24]) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، تقي الدين الفاسي، (1/415).
([25]) الإصابة، ابن حجر العسقلاني، (8/272).
([26]) الـمفهم، أبو العباس القرطبي، (5/275).
([27]) شرح صحيح مسلم، محيي الدين النووي، (13/178).
([28]) الكامل في ضعفاء الرجال، عبد الله بن عدي، (8/412).
([29]) البدر الـمنير، سراج الدين بن الـملقن، (7/454).
([30]) الإصابة، ابن حجر العسقلاني، (8/19).
([31]) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، شهاب الدين القسطلاني، (8/130).