الإثنين فبراير 16, 2026

باب صلاة العيدين

   عيد الفطر وعيد الأضحى.

   (وصلاة العيدين سنة مؤكدة [في الهامش: لغير الحاج بمنى على الأصح]) لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها. (وقيل هي فرض على الكفاية) نظرا إلى أنها من شعائر الإسلام (فإن اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر قوتلوا) على الثاني دون الأول (ووقتها) المختار كما صرح به في المهذب (ما بين أن ترتفع الشمس) قدر رمح (إلى الزوال) وأما أصل الوقت فيدخل بطلوع الشمس وإنما يستحب التأخير للارتفاع ليزول وقت الكراهة.

   (ويسن تقديم صلاة) عيد (الأضحى) أي تعجيلها (وتأخير صلاة الفطر) قليلا، روى البيهقي »أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم حين ولاه البحرين أن عجل الأضحى وأخر الفطر«. والحكمة فيه اتساع وقت التضحية ووقت إخراج صدقة الفطر. وفي الإقناع للماوردي: الاختيار في الأضحى أن تصلي إذا مضى سدس النهار وفي الفطر ربعه.

   (فإن فاتته) صلاة العيد بأن لم يصل حتى زالت الشمس (قضاها) ندبا (في أصح القولين) بناء على قضاء فوائت النفل، والثاني لا يقضيها بناء على مقابله.

   (والسنة أن يمسك في عيد الأضحى) عن الأكل (إلى أن يصلي وأن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة) لحديث الترمذي وغيره عن بريدة قال »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي« وروى البخاري عن أنس قال »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا« والمعنى فيه امتياز يوم العيد عما قبله بالمبادرة بالأكل أو تأخيره ولأن الفطر في ابتداء الإسلام كان محرما قبل الصلاة فقدم ليعلم نسخه، من شرح ابن الرفعة رحمه الله تعالى (وتقام الصلاة) أي صلاة العيد (في) المسجد (الجامع) ندبا لشرفه (فإن ضاق عليهم صلوا في الصحراء) كما كان صلى الله عليه وسلم يصليها بها رواه الشيخان وذلك لضيق مسجده عمن يحضر صلاة العيد بخلاف الجمعة (ويستخلف الإمام) عند خروجه بالناس إلى الصحراء (من يصلي في الجامع بضعفة الناس) كالشيوخ والعجائز والمرضى كما استخلف علي رضي الله عنه أبا مسعود الأنصاري في ذلك رواه الشافعي. وهل يخطب المستخلف؟ قال الجيلي لا لأنه افتيات على الإمام والمتجه كما قال الإسنوي خلافه لأن الإمام هو الذي استخلف فلا افتيات. وفي نكت ابن النقيب ويأمره أن يخطب بهم فإن لم يأمره لم يخطب بهم. (ويحضرها الرجال والنساء والصبيان) وتستثنى المرأة الجميلة وذات الهيئة فيكره لها الحضور. روى الشيخان عن أم عطية: »أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا في العيدين بإخراج العواتق وذوات الخدور« (يظهرون الزينة) أي الرجال والصبيان دون النساء كما يفهمه ضمير جمع الذكور. وروى البيهقي عن جابر قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم برد يلبسه في العيدين والجمعة، وفي شرح المهذب اتفق نص الشافعي والأصحاب على استحباب حضور الصبيان المميزين صلاة العيد وعلى تزيينهم بالمصبغ وحلي الذهب والفضة يوم العيد وإن اختلفوا في غيره.

   (ويغتسل لها بعد الفجر) لحديث ابن ماجه عن ابن عباس: »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى« وسواء من حضرها وغيره بالاتفاق بخلاف ما تقدم في الجمعة والفرق أن الغسل هنا لليوم وهناك للصلاة (فإن اغتسل لها قبل الفجر جاز في أحد القولين) بعد نصف الليل وصححه النووي وهو الأظهر والثاني لا يجوز كالجمعة وفرق الأول بأن العيد يصلى في أول النهار فتدعو الحاجة إلى تقديم الغسل لئلا يضيق الوقت ويتأخر عن التكبير بخلاف الجمعة وعليه فقيل يصح في جميع الليل وقيل عند السحر والأصح من نصف الليل.

   (ويبكر الناس بعد الصبح) ليأخذوا مجالسهم (ويتأخر الإمام) عن الحضور (إلى الوقت الذي يصلي بهم) فيه للاتباع رواه الشيخان. والحكمة فيه أنه أبلغ في مهابته نعم لو بكر الإمام وجلس في خيمة كان حسنا ذكره الجرجاني في شافيه.

   (ولا يركب في المضي إليها) روى ابن ماجه عن ابن عمر: »أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا« وروى الترمذي عن علي قال: »من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا« وروى الشافعي عن الزهري قال: »ما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيد ولا جنازة«، قال المصنف في المهذب: ولا بأس أن يركب في العود وقال في شرحه: اتفق الأصحاب على هذا وصورته إذا لم يتضرر الناس بركوبه فإن تضرروا به لزحمة كره.

   (ويمضون إليها في طريق ويرجعون في طريق أخرى اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يفعل ذلك في العيد) رواه البخاري من حديث جابر والحاكم من حديث أبي هريرة وأبو داود من حديث ابن عمر، والأصح في حكمته أنه كان يذهب في أطول الطريقين تكثيرا للأجر ويرجع في أقصرهما وقيل ليتصدق على فقرائهما وقيل ليشهد له الطريقان. ويستحب ذلك أيضا في الجمعة والحج وعيادة المرضى وسائر العبادات كما قاله النووي في رياضه.

   (والسنة أن تصلى) العيد (جماعة) بالإجماع ويجوز للمنفرد ولا يخطب (وينادى لها) إذا صليت جماعة (الصلاة جامعة) ولا يؤذن لها ولا يقام. روى الشافعي عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في العيدين المؤذن فيقول (الصلاة جامعة) وفي الصحيحين: »أنه صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة« والأفصح نصب الصلاة على الإغراء وجامعة على الحال ويجوز رفعهما ونصب الأول ورفع الثاني وعكسه.

   (ويصلي ركعتين) بالإجماع (إلا أنه يكبر) ندبا (في الأولى بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ سبع تكبيرات وفي الثانية) بعد تكبيرة القيام (قبل القراءة خمس تكبيرات) لحديث الترمذي: »أنه صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا قبل القراءة« ولو شرع في القراءة فاتت على الجديد ولا تجبر أو في التعوذ لم تفت بالاتفاق. (ويرفع) ندبا (فيها) أي في كل تكبيرة منها (اليدين) حذو منكبيه للاتباع رواه البيهقي ويضع يمناه على يسراه بين كل تكبيرتين ويقف فيه كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد (ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ق وفي الثانية) بعدها (اقتربت الساعة) للاتباع رواه مسلم ويجهر فيهما بالإجماع. (ويخطب) ندبا بهم (خطبتين) بعد الصلاة وروى الشيخان عن ابن عمر: »أنه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة« وتكريرها مقيس على الجمعة ولم يثبت فيه حديث كما قاله النووي في الخلاصة وروى ابن ماجه عن جابر قال: »خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام« وقال في الروضة لو قدمت على الصلاة لم يعتد بها كالسنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمت ثم هما (كخطبتي الجمعة) في الأركان من الحمد والصلاة والوصية بالتقوى والقراءة والدعاء والسنن دون الشروط فلا يشترط القيام فيهما كما سيأتي ولا الجلوس بينهما بل يستحب كما جزم به في شرح المهذب ولا الطهارة والستر كما قال الإسنوي إنه المتجه (إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع تكبيرات) للاتباع رواه الشافعي والبيهقي. ويستحب فيهما ترك الفصل ولو فصل بالحمد والتهليل جاز. وفي الروضة وشرح المهذب نص الشافعي وكثيرون على أنها ليست من الخطبة بل مقدمة لها قال: ولا ينافيه تعبير المصنف وغيره لأن افتتاح الشىء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست من نفسه.

   (ويعلمهم) ندبا (في) عيد (الفطر زكاة الفطر) أي أحكامها للاتباع. رواه النسائي. (وفي) عيد (الأضحى الأضحية) أي أحكامها للاتباع. رواه الشيخان.

   (ويجوز أن يخطب) للعيد (قاعدا) أو مضطجعا مع القدرة (والسنة أن يبتدئ في عيد الفطر بالتكبير بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات) وقول المصنف: خلف الصلوات، يعني المغرب والعشاء والصبح وهو قول، لكن صحح الأكثرون أنه لا يستحب خلف الصلوات. قاله الرافعي والنووي وهو مفهوم كلام الحاوي الصغير. (وفي غيرها من الأحوال وخاصة عند ازدحام الناس إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد) قال الله تعالى ﴿ولتكملوا العدة﴾ [سورة البقرة/185] أي عدة صوم رمضان ﴿ولتكبروا الله﴾ [سورة البقرة/185] أي عند إكمالها.

   روى الطبراني حديث »زينوا أعيادكم بالتكبير« ويستحب فيه لغير المرأة رفع الصوت إظهارا لشعار العيد.

   وقوله خلف الصلوات هو وجه صححه النووي في الأذكار قياسا على الأضحى وصحح في سائر كتبه كالرافعي مقابله أنه لا يستحب لعدم وروده.

   (وفي عيد الأضحى يبتدئ) التكبير خلف الصلاة (يوم النحر بعد صلاة الظهر) حاجا كان أو غيره أما الحاج فلأنها أول صلاته بعد انتهاء وقت التلبية وغيره تبع

   (ويكبر خلف الفرائض) ولو جنازة أو فائتة (وخلف النوافل) ولو مطلقة (في أصح القولين) لأنه شعار الوقت والثاني لا يكبر خلف النوافل لأنه شعار بالنسبة إلى الفرائض. وفي وجه: لا يكبر خلف المطلقة بخلاف الراتبة وفي ءاخر لا يكبر خلف الجنازة وفي ءاخر لا يكبر خلف الفائتة مطلقا. وفي ءاخر لا يكبر خلف فائتة غيرها بخلاف فائتتها ولو فاتته صلاة فيها فقضاها في غيرها لم يكبر بلا خلاف وانتهاء التكبير (إلى أن يصلي الصبح من ءاخر أيام التشريق في أصح الأقوال) لأنها ءاخر صلاة الحاج بمنى وقد قال تعالى ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [سورة البقرة/203] وغيره تبع له. (وفيه قول ثان إنه يكبر من المغرب ليلة العيد إلى صلاة الصبح [في الهامش: إلى أن يصلي الصبح] من ءاخر أيام التشريق وفيه قول ثالث إنه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي العصر من ءاخر أيام التشريق) والقولان خاصان بغير الحاج لما تقدم في تعليله والثالث هو الذي رجحه النووي في التصحيح وشرح المهذب وقال في الروضة إنه الأظهر عند المحققين وفي المنهاج: إن العمل عليه لحديث الحاكم وصححه عن علي وعمار: »أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح ويقطعها صلاة العصر ءاخر أيام التشريق.

   تتمة: فات المصنف أن يذكر استحباب التكبير المرسل ليلة عيد الأضحى وهو مستحب كالفطر.

   (وإذا رأى شيئا من بهيمة الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم (في الأيام المعلومات وهي العشر الأول من ذي الحجة) فيما فسرها ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم (كبر) لقوله تعالى ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [سورة الحج/28].