باب صفة الصلاة
أي كيفيتها وهي تشتمل على فروض وسنن. (إذا أراد الصلاة) في جماعة (قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة) أي متصلا بفراغه لأنه وقت دخول الصلاة ولا يقوم إليها قبله إماما كان أو مأموما لحديث الشيخين «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
(ثم يسوي الصفوف إن كان إماما) للاتباع المعلوم من الأحاديث الصحيحة. قال في شرح المهذب فإن كان المسجد كبيرا أمر رجلا يأمرهم بتسويتها، ويطوف عليهم أو ينادي فيهم. قال والمراد بتسوية الصفوف إتمام الأول فالأول وسد الفرج ويحاذي القائمين بحيث لا يتقدم صدر واحد ولا شىء من بدنه على من هو بجنبه ولا يشرع في الصف الثاني حتى يتم الأول. ولا يقف في صف حتى يتم ما قبله. (ثم ينوي الصلاة) بقصد فعلها (بعينها) من ظهر أو عصر (إن كانت الصلاة مكتوبة أو سنة راتبة) كسنة الظهر والوتر والضحى وعيد الفطر والنحر والكسوف والاستسقاء لتمتاز عن غيرها وهل تجب مع ذلك نية الفرضية أو النفلية وجهان أصحهما وجوب الفرضية دون النفلية لأنها ملازمة للنفل فلم يحتج إليها بخلاف الفرضية فإنها تفارق المكتوبة في المعادة وصلاة الصبي فاحتيج إلى نيتها للتمييز بينهما. ولهذا صحح النووي عدم وجوبها فيهما الأول في الروضة والثاني في شرح المهذب. (فإن كانت) الصلاة (نافلة غير راتبة) أي مطلقة وهي ما لا وقت لها ولا سبب (أجزأته نية الصلاة) أي فعلها لحصولها بها إذ لم يذكروا خلافا في اشتراط نية النفلية (وتكون النية مقارنة للتكبير) بأن تقرن بأوله ويستصحبها إلى ءاخره (لا يجزئه غير ذلك) وقيل يجزئه اقترانها بأوله وإن لم يستصحبها إلى ءاخره وقيل يكفي بسطها عليه بأن يبتدئ بها مع أوله ويفرغ منها مع ءاخره وقيل: يجب تقديمها عليه قليلا ليأمن تأخر أولها عن أوله. (والتكبير أن يقول الله أكبر أو الله الأكبر) بزيادة اللام (لا يجزئه غير ذلك كـ) الله الكبير أو الرحمٰن أكبر لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستفتح الصلاة بالأول كما رواه ابن ماجه وغيره وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري والثاني في معناه لأن الزيادة المذكورة لكونها حرفا لا يخرجه عن اسم التكبير، ولو كانت كلمة نحو الله الجليل أكبر فكذلك في الأصح قياسا على زيادة الحرف، وقيل لا يجزئ لأنها مستقلة فغيرت النظم فإن كثرت الزيادة لم تجزئه قال في الروضة بلا خلاف.
(ومن لا يحسن التكبير بالعربية كبر بلسانه) ولا يعدل إلى غيره من الأذكار بخلاف من أحسن بالعربية فإنه لا يجوز له التكبير بغيرها. (وعليه) وجوبا (أن يتعلم) ولو بالسفر إلى بلد ءاخر ولا يقضي مدة التعلم ما صلاه بالترجمة قبله إلا أن أخره مع التمكن منه فيجب لتفريطه.
فرع:
يجب على الأخرس تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير بقدر إمكانه. قال في شرح المهذب: وكذا حكم تشهده وسلامه وسائر أذكاره.
(ويجهر بالتكبير) في الجهرية وغيرها (إن كان إماما) يسمع من خلفه بخلاف المأموم والمنفرد فيسران به وتكبيرات الانتقالات كتكبيرة الإحرام فيما ذكر. (ويرفع يديه مع) ابتداء (التكبير حذو منكبيه)- بالذال المعجمة -لحديث الشيخين عن ابن عمر «أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة» ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على سنيته. قال النووي: ومعنى حذو منكبيه أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه، فلو لم يقدر على الرفع المذكور بل كان إذا رفع زاد أو نقص أتى بالممكن والأقطع يرفع الساعد والعضد في الأصح. (ويفرق أصابعه) عند الرفع تفريقا وسطا. (فإذا انقضى التكبير حط يديه) بحيث يكون إرسالهما عقيب فراغه. وهذا ما صححه في التحقيق وشرح المهذب والوسيط. وقال فيهما إنه المنصوص وقول الجمهور. وفي وجه أنه يرسلهما قبل ذلك بحيث يوافق انتهاء الإرسال انتهاء التكبير. وفي ثالث أنه لا يستحب في الانتهاء شىء بل إن فرغ منهما معا فواضح أو من أحدهما قبل تمام الآخر أتمه وهذا ما نقله الرافعي عن الأكثرين وصرح بتصحيحه في الروضة والشرح (وأخذ) مع الحط (كوعه الأيسر بكفه الأيمن) ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد، (وجعلهما تحت صدره) فوق سرته، روى مسلم عن وائل بن حجر «أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم وضع يده اليمنى على اليسرى»، زاد ابن خزيمة: «على صدره» ولأبي داود «على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد»، والرصغ بالصاد والسين المفصل بين الكف والساعد (وجعل نظره إلى موضع سجوده) لأنه أقرب للخشوع (ثم يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) لحديث علي رضي الله عنه «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال ذلك». رواه مسلم إلا كلمة «مسلما» فابن حبان وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد فرضا كانت أو نفلا. وجهت أقبلت بوجهي وقيل قصدت بعبادتي. وفطر ابتدأ الخلق على غير مثال. والحنيف المائل عن الأديان كلها إلى الدين القيم. والنسك العبادة. والمحيى والممات مصدران بمعنى الحياة والموت ولو ترك دعاء الافتتاح عمدا أو سهوا أو شرع في التعوذ لم يعد إليه. (ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ أي إذا أردت قراءته قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ويحصل التعوذ بكل لفظ اشتمل عليه. ولو ترك وشرع في القراءة لم يعد إليه (ويقرأ فاتحة الكتاب) لحديث الشيخين «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أي في كل ركعة لما في حديث المسيء صلاته في رواية ابن حبان وغيره «ثم اقرأ بأم القرءان» إلى أن قال «ثم اصنع ذلك في كل ركعة» (وأولها بسم الله الرحمٰن الرحيم) لأنه صلى الله عليه وسلم عدها ءاية منها صححه ابن خزيمة والحاكم والدارقطني وغيرهم (ويرتل القراءة) ندبا قال تعالى ﴿ورتل القرءان ترتيلا﴾ والمعنى فيه أنه يؤدي إلى التدبر والتذكر وأقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيرا في القلب (ويرتبها) وجوبا بأن يأتي بها على نظمها المعروف لأن تركه يخل بالإعجاز (ويأتي بها على الولاء) وجوبا (وإن ترك ترتيبها أو فرقها) بأن تخلل بين أجزائها سكوت طويل عمدا أو قصير قصد به قطع القراءة وذكر لا يتعلق بالصلاة ولو كلمة كإجابة المؤذن والتحميد عند العطاس بخلاف الفتح على الإمام والتأمين على قراءته (لزمه إعادتها) ولو بدأ بنصفها الثاني ثم الأول بنى عليه إن سهى بتأخيره ولم يطل الفصل بخلاف ما إذا طال وتعمد فليستأنف. قاله الرافعي. قال الإسنوي والقياس أن البناء في العمد كالسهو.
(وإذا قال ولا الضالين قال ءامين) ندبا (يجهر بها الإمام فيما يجهر فيه). روى الدارقطني والحاكم «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من قراءة أم القرءان رفع صوته وقال ءامين» وهي بالمد وتخفيف الميم اسم فعل بمعنى استجب والمأموم يؤمن مع تأمين إمامه لحديث الصحيحين «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ءامين فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه». (وفي) جهر (المأموم) بها (قولان أصحهما) وهو القديم (أنه يجهر بها) تبعا لإمامه والثاني وهو الجديد يسر بها كالتكبير، والمنفرد كالإمام قطعا ويجهر بها إلا في وجه شاذ يحكى في الإمام أيضا ولو ترك التأمين وشرع في القراءة لم يعد إليه (ثم يقرأ السورة) للاتباع كما في الأحاديث الصحيحة المشهورة (يبتدئها ببسم الله الرحمٰن الرحيم) لأنها ءاية منها (فإن كان مأموما في صلاة يجهر فيها لم يقرإ السورة. وفي الفاتحة قولان أصحهما أنه يقرأ[ها]) وسواء في ذلك الإمام والمنفرد والمأموم في السرية أو في غيرها وهو بعيد أو أصم لحديث عبادة بن الصامت كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة فقال «لعلكم تقرؤن خلف إمامكم؟» قلنا نعم قال «لا تفعلوا إلا فاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». رواه أبو داود والترمذي والدارقطني وحسناه وصححه الحاكم وابن حبان. والثاني وهو القديم لا يجب عليه قراءتها أما السرية وثالثة المغرب والعشاء ورابعته فتجب عليه فيها جزما. وعلى الأول يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر قراءة المأمومين لها ويشتغل في هذه السكتة بدعاء أو ذكر أو قراءة سرا. (والمستحب أن تكون السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل) للاتباع رواه النسائي وابن حبان وغيرهما وأول المفصل من الحجرات كما صححه النووي وطواله إلى عم، ومنها إلى الضحى أوساطه ومنها إلى ءاخر القرءان قصاره، ويحصل أصل الاستحباب بقراءة شىء من القرءان لكن السورة أحب حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض الطويلة وإن كان أطول كما يوجد في الشرح الصغير. ويستحب أن تكون القراءة في الصبح أطول منها في الظهر كما صرح به الرافعي وغيره (ويجهر الإمام والمنفرد بالقراءة في) ركعتي (الصبح) والركعتين (الأوليين من المغرب والعشاء) ويسر فيما عدا ذلك ويسر المأموم في الجميع بالإجماع في كل ذلك مع الأحاديث الصحيحة المشهورة فيه وخرج بالقراءة التعوذ ودعاء الافتتاح فيسر بهما قطعا. وحد الجهر أن يسمع من يليه، والإسرار أن يسمع نفسه، ولا تجهر المرأة في موضع فيه رجال أجانب بخلاف ما إذا كانت خالية أو عندها نساء أو رجال محارم وقيل تسر مطلقا، والخنثى كالمرأة.
(ومن لا يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن التعلم) لها ولم يمكنه النظر في مصحف ولا التلقين من غيره كما في شرح المهذب (قرأ بقدرها من غيرها) أي سبع ءايات مشتملة على مائة وخمسة وخمسين حرفا ولا يجوز الترجمة عنها بحال لفوات الإعجاز ولا العدول إلى الذكر مع قدرته على غيرها من القرءان ولا النقص عن ءاياتها وحروفها. وهل يشترط موالاة السبع عند القدرة عليها أم تكفي المتفرقة وجهان أصحهما عند النووي لا يشترط وعند الرافعي نعم قال الإسنوي وهو المعتمد. (وإن كان يحسن ءاية) أو ءايات من الفاتحة دون باقيها (ففيه قولان.) وقال في المهذب وجهان (أحدهما) وهو الأصح (يقرؤها ثم يضيف إليها من) القرءان أو (الذكر) إن لم يحسنه (ما يتم به قدر الفاتحة. والثاني أنه يكرر ذلك سبعا) أي حتى يبلغ قدر الفاتحة وضعف بأن الشىء الواحد لا يكون أصلا وبدلا وعلى الأول لا بد من مراعاة الترتيب فإن كان الذي يحفظه من أول الفاتحة أتى به ثم بالبدل أو من ءاخرها أتى بالبدل قبله على المذهب ولو أحسن ءاية من غير الفاتحة فهل يأتي بها ويبدل الباقي أو يكررها، فيه ما سبق، قاله في التحقيق. (فإن لم يحسن شيئا من القرءان لزمه أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ويضيف إليه كلمتين) أي نوعين ءاخرين من الذكر لتصير السبعة أنواع مقام سبع ءايات. (وقيل يجوز هذا وغيره) من الأذكار وهو الأصح عند الأصحاب كما قاله الشيخان وقيل يكفيه الخمسة المذكورة من غير زيادة. والأصل في ذلك حديث أن رجلا قال يا رسول الله إني لا أستطيع أن ءاخذ من القرءان شيئا فعلمني ما يجزئ منه فقال «قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» رواه أبو داود وغيره. فقيل: تتعين الخمسة لذكرها في الحديث ولا تحتاج زيادة لسكوته عنها. وقيل تحتاج وسكوته عنها لا ينفيها. وقيل لا تتعين وهو الصحيح. وقد روى الترمذي وحسنه عن رفاعة بن رافع «أنه صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم، فإن كان معك قرءان فاقرأ وإلا فاحمد الله وهلله وكبره».
وعلى عدم التعيين هل يجب سبعة أنواع من الذكر وجهان قال الرافعي أقربهما نعم. وهل يجب أن يستهل على ثناء ودعاء كما في الفاتحة وجهان حكاهما الطبري في شرحه أصحهما لا كما حكاه الرافعي عن الإمام وأقره أن الأشبه من تردد والده في الدعاء المحض أنه يكفي أن يتعلق بأمور الآخرة دون الدنيا وفي شرح المهذب أنه الراجح. وفي التحقيق أنه الأقوى. ويشترط في الذكر المأتي به أن لا ينقص عن حروف الفاتحة في الأصح. (فإن لم يحسن شيئا) من القرءان، ولا من الذكر، (وقف بقدر القراءة) ساكتا لأن القراءة والوقوف بقدرها واجبان، فإذا تعذر أحدهما بقي الآخر، ولا إعادة عليه في الصور كلها بعد التعلم إلا أن تمكن منه وأخره، (ثم يركع مكبرا رافعا يديه) حذو منكبيه للاتباع. رواه الشيخان وغيرهما. والجديد أنه يمد بهذا التكبير وغيره من تكبيرات الانتقالات إلى أن يحصل في الركن المنتقل إليه حتى لا يخلو جزء من صلاته عن الذكر. (وأدنى الركوع) أي أقله الذي لا يجزئ غيره (أن ينحني حتى تبلغ يداه) أي راحتاه وهما باطنا الكفين (ركبتيه) وهو معتدل الخلقة سالم اليدين والركبتين، فلو طالت يداه أو قصرتا أو قطع شىء منهما لم يعتبر ذلك، ولو تمكن من وضع اليدين على الركبتين بلا انحناء بأن انخنس وأخرج ركبتيه، أو بالانحناء والانخناس جميعا لم يكف ذلك في الركوع. (والمستحب أن يضع يديه على ركبتيه) لحديث البخاري عن أبي حميد «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه» وفي لفظ الترمذي «وضع يديه على ركبتيه وصنع كالصفيحة». ولأبي داود «راحتيه». (ويفرق أصابعه) لحديث البيهقي وابن حبان عن وائل بن حجر «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج أصابعه وإذا سجد ضمها». (ويمد ظهره وعنقه كالصفيحة) لحديث مسلم عن عائشة «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه» فلو رفع رأسه أو أخفضها كره. (ويجافي مرفقيه عن جنبيه) للاتباع رواه أبو داود. (وتضم المرأة بعضها إلى بعض) لأنه أستر لها والخنثى كالمرأة. (ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثا) للاتباع رواه مسلم إلا الثلاث فأبو داود (وذلك أدنى الكمال وإن قال مع ذلك اللهم لك ركعت ولك أسلمت، وبك ءامنت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري وعظامي وشعري وبشري وما استقل به قدمي لله رب العالمين كان ذلك أكمل) روى مسلم عن علي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال «اللهم لك ركعت وبك ءامنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» زاد الشافعي في مسنده «وشعري وبشري». وزاد ابن حبان في صحيحه وما استقل به قدمي إلى ءاخره. ثم إنما يستحب ذلك لمنفرد أو إمام قوم يرضون بالتطويل. (ثم يرفع رأسه) لحديث الشيخين «ثم ارفع حتى تعتدل قائما». (قائلا) مع ابتداء الرفع (سمع الله لمن حمده) إماما كان أو منفردا أو مأموما (ويرفع يديه) مع ابتداء رفع رأسه حذو منكبيه للاتباع فيهما. رواه الشيخان وغيرهما (فإذا استوى قائما قال ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شىء بعد) للاتباع رواه البخاري إلى: «لك الحمد»، ومسلم إلى ءاخره. (وذلك أدنى الكمال. فإن قال معه أهل الثناء والمجد حق ما قال العبد كلنا لك عبد لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد كان) ذلك (أكمل) للاتباع. رواه مسلم بلفظ أحق وزيادة واو في وكلنا، والنسائي بلفظ الكتاب. وإنما يستحب للمنفرد أو إمام قوم يرضون بالتطويل. ويجهر الإمام بسمع الله لمن حمده ويسر بما بعده ويسر المأموم والمنفرد بالجميع والمبلغ كالإمام ذكره في شرح المهذب. ومعنى سمع الله لمن حمده: يقبله منه. وملء بالرفع صفة وبالنصب حال أي مالئا بتقدير أن يكون جسما. وقوله من شىء بعد أي كالكرسي وسع كرسيه السموات والأرض. وأهل بالنصب على النداء أو الاختصاص. والثناء المدح. والمجد العظمة. وحق مبتدأ وخبره «ما قال» وما موصولة حذف عائدها ومصدرية «وكلنا لك عبد» جملة تفسر القول فهي في محل رفع أو نصب بالقول وما بعده مستأنف وهو على رواية مسلم خبر أحق المبتدأ المضاف لما بعده «وكلنا» وما يليه اعتراض. والجد بالفتح الغنى ومنك بمعنى عندك. قاله الأزهري.
(ثم يكبر ويهوي ساجدا) روى الشيخان عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع ولا يرفع يديه ولحديث الشيخين «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ولا يفعله حتى يرفع من السجود». زاد البخاري «ولا يفعل ذلك حتى يسجد».
(فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه) روى الأربعة وابن خزيمة والحاكم عن وائلة قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». وروى أبو داود عن أبي حميد في حديث صفة صلاته صلى الله عليه وسلم «ثم سجد فأمكن جبهته وأنفه ونحى يديه ووضع كفيه حذو منكبيه». وعطف الأنف على الجبهة بالواو التي تطلق الجمع لاشتراكهما لأنه يستحب وضعهما معا (وأدنى السجود) أي أقله الذي لا يجزئ غيره للقادر (أن يباشر بجبهته المصلى) بأن لا يكون عليها حائل كعصابة فإن كانت لجراحة وفي إزالتها مشقة شديدة أجزأ السجود عليها من غير إعادة، ولا يجزئه أن يسجد على عمامته ولا أنفه ولا جبينه ولا أن يكب على وجهه ويمد رجليه لأنه لا يسمى سجودا. (وفي وضع اليدين، والركبتين والقدمين قولان أحدهما يجب) وصححه النووي لحديث الشيخين «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين». (والثاني لا يجب) وصححه الرافعي لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها بالإيماء فلا يجب وضعها وعلى الأول يكفي وضع جزء من كل واحد منهما والعبرة في اليد بباطن الكف سواء الأصابع والراحة وفي الرجل بباطن الأصابع. وعلى الثاني يتصور عدم وضعها بأن يرفع الركبتين ويعتمد على ظهر الكفين والقدمين (وفي مباشرة المصلى بالكف) بأن يكشفه على قول وجوب وضعه (قولان أصحهما أنه لا يجب) كالقدمين والركبتين فإنه لا يجب كشفهما قطعا وإلا لما صحت الصلاة في الخف ولأفضى في الركبتين إلى كشف العورة والثاني يجب كالجبهة وعلى هذا فيجب كشف أدنى جزء من باطن كل كف. وقيل يكفي كشف أحدهما وعلى الأول يستحب كالقدمين ويكره كشف الركبتين. (والمستحب أن يجافي مرفقيه عن جنبيه) للاتباع كما تقدم في حديث أبي حميد. (ويقل بطنه عن فخذيه) للاتباع رواه أبو داود وغيره. (وتضم المرأة بعضها إلى بعض) لحديث البيهقي «أنه صلى الله عليه وسلم مر على امرأتين تصليان فقال إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل» (ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا) للاتباع. رواه مسلم إلا الثلاث فأبو داود. (وذلك أدنى الكمال فإن قال مع ) ذلك (اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك ءامنت أنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وصورة، وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين. كان) ذلك (أكمل) للاتباع رواه مسلم بتقديم: وبك ءامنت، وبإسقاط أنت ربي. وكذا أورده في المهذب وإنما يستحب ذلك للمنفرد، وإمام قوم يرضون بالتطويل. (وإن سأل الله في سجوده ما شاء) من أمور الدنيا والآخرة (كان حسنا) لحديث مسلم «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء في السجود». زاد في رواية: «فقمن [أي جدير] أن يستجاب لكم».
(ثم يرفع رأسه مكبرا) للاتباع كما في الصحيحين وغيرهما (ويجلس مفترشا) للاتباع رواه البخاري (يفرش رجله اليسرى) بحيث يلي ظهرها الأرض. (ويجلس عليها وينصب اليمنى) ويعتمد عليها ويضع أطراف أصابعها للقبلة (ويقول اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واجبرني) للاتباع رواه الترمذي بهذا اللفظ، وزاد واهدني. وعند أبي داود وعافني. وعند ابن ماجه وارفعني قال في شرح المهذب فالاختيار أن يأتي بجميع الألفاظ وهي سبعة جمعا بين الأخبار. (ثم يسجد السجدة الثانية مكبرا ثم يرفع رأسه مكبرا ويجلس جلسة الاستراحة في أصح القولين) لحديث البخاري عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا والثاني لا لأن أكثر الأحاديث لم يرد فيها ذلك. وعلى الأول يسن فيها الافتراش على الصحيح وبه جزم الرافعي قال في التتمة ويكون قعوده فيها بقدر الجلوس بين السجدتين ثم قيل إنها من الركعة الأولى وهو احتمال لصاحب الذخائر وقيل من الثانية. وقيل فاصلة بينهما وهو الصحيح المشهور (ثم ينهض) إلى الركعة الثانية (قائما معتمدا على يديه) أي بطنهما على الأرض للاتباع رواه البخاري ولأنه أعون له، (ويمد التكبير) من الرفع من السجود (إلى أن يقوم) أي يستوي قائما لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذكر (ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى) لقوله في حديث المسيء صلاته «ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها» رواه الشيخان (إلا في النية) ودعاء (الاستفتاح) لأنهما مرادان في الدخول والاستفتاح وذلك مفقود في غير الأولى (والتعوذ) اكتفاء به في الأولى لأنه للقراءة، وقراءة الصلاة واحدة وفي قول يتعوذ فيها أيضا لوقوع الفصل بين القراءتين وهذا هو الأصح عند الشيخين وغيرهما وقطع بعضهم بالأول وبعضهم بالثاني قال في شرح المهذب: ويزاد استثناء تكبيرة الإحرام ورفع اليدين. (فإن كان في صلاة هي ركعتان جلس) بعد الركعتين (متوركا) للاتباع رواه البخاري (يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجهما من تحته، ويفضي بوركه إلى الأرض ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض أصابعه إلا المسبحة) وهي التي تلي الإبهام (فإنه يشير بها متشهدا) أي يرفعها عند قوله: إلا الله، (ويبسط اليد اليسرى) أي لا يقبض من أصابعها شيئا ويضعها (على الفخذ اليسرى) للاتباع في كل ذلك، روى مسلم عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس وضع يده على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعى بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها. وروى أيضا هو وغيره أحاديث أخر بمعنى ذلك. (ويتشهد فيقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) للاتباع رواه بهذا اللفظ مسلم، والترمذي من حديث ابن عباس ولفظ مسلم السلام بزيادة ال في الموضعين وهي أفضل (والواجب منه خمس كلمات وهي التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) قال في شرح المهذب لأن المباركات والصلوات والطيبات قد ورد إسقاطها وعلله الرافعي بأنه توابع للتحيات وصحح النووي جواز إسقاط لفظ أشهد فيقول وأن محمدا رسول الله الإسقاط في رواية عند مسلم ولو أخل بترتيب التشهد فإن غير المعنى لم يعتد به، وتبطل صلاته إن تعمد وإن لم يبطل المعنى أجزأه على المذهب.
والتحية ما يحيى به من سلام وغيره، ومنه الصلاة أي الدعاء بخير والقصد الثناء على الله بأنه مالك لجميع التحيات من الخلق. والمباركات: الناميات. والطيبات: الصالحات.
(ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول اللهم صل على محمد وعلى ءال محمد كما صليت على إبراهيم وءال إبراهيم وبارك على محمد وعلى ءال محمد كما باركت على إبراهيم وءال إبراهيم) في العالمين (إنك حميد مجيد) لحديث الصحيحين وغيرهما عن كعب بن عجرة »أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك«. زاد في رواية ابن حبان إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال »قولوا اللهم صل على محمد.. إلى ءاخره.
(والواجب منه اللهم صل على محمد) لصدق اسم الصلاة المأمور بها بذلك والصلاة على الآل قيل واجبة أيضا لذكرها في الحديث السابق مع الصلاة عليه بصيغة الأمر المقتضي للوجوب والأصح أنها سنة كالذي بعدها وسيأتي جزم المصنف بذلك فالمراد بالواجب هنا أي في تأدية السنة (ويدعو بما يحب من أمر الدين والدنيا) لحديث الشيخين، ثم ليتخير من المسألة ما شاء وسواء في ذلك الإمام وغيره (والمستحب أن يدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) رواه مسلم من حديث علي. (ثم يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه) ملتفتا فيها حتى يرى خده الأيمن (ينوي بها الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين والأخرى عن يساره) ملتفتا فيها حتى يرى خده الأيسر (ينوي بها السلام على الحاضرين) من ملائكة وإنس وجن. ولفظهما: السلام عليكم والأفضل ورحمة الله. روى ابن حبان وغيره عن ابن مسعود: أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم للصلاة عن يمينه وشماله حتى يرى بياض خده »السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» روى الترمذي عن علي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهم بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من المسلمين والمؤمنين وسواء فيما ذكر الإمام وغيره ويزيد المأموم بأن ينوي الرد على إمامه بالثانية إن كان عن يمينه وبالأولى إن كان عن يساره وبأيهما شاء إن كان من خلفه والأولى أفضل (ثم يدعو سرا) لحديث الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم سئل أي الدعاء أسمع أي أقرب إلى الإجابة فقال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات سرا لأنه أقرب إلى الإجابة (إلا أن يريد تعليم الحاضرين فيجهر) للاتباع كما هو معلوم من الأحاديث الصحيحة.
(وإن كان في صلاة هي ثلاث ركعات أو أربع جلس بعد الركعتين) الأوليين (مفترشا) للاتباع كما رواه البخاري والحكمة فيه أن المصلي مستوفز للقيام وهو عن الافتراش أهون، (ويتشهد) كما مر للاتباع المعلوم من الأحاديث الصحيحة. (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وحده في أحد القولين وهو الأظهر) قياسا على الجلوس ءاخر الصلاة. (ولا يصلي) عليه (في) القول (الآخر) لبنائه على التخفيف ولا يصلي على الآل في القول الآخر جزما (ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الثانية إلا أنه لا يقرأ) فيه (السورة في أحد القولين) وهو الأظهر لحديث أبي قتادة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية وكذا في العصر، متفق عليه. (ويقرأ في) القول (الآخر) لحديث مسلم عن أبي سعيد: »حرزنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر فحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ألم تنزيل السجدة وحرزنا قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك«. وقيس غير الظهر والعصر عليهما.
(ويجلس في ءاخر الصلاة متوركا) كما مر إلا أن يكون عليه سجود سهو فيفترش في الأصح. (فإن كان في الصبح فالسنة أن يقنت بعد الرفع من الركوع) في الركعة الثانية (فيقول: اللهم اهدني بفضلك فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على محمد النبي وءاله وسلم). روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه ويدعو بهذا الدعاء. اللهم اهدني.. إلى قوله وتعاليت«. لكن لم يذكر بفضلك ولا ربنا ولا قوله ولا يعز من عاديت. وقد وردت هذه الجملة في رواية البيهقي من حديث الحاكم وإنه بزيادة واو عند النسائي في ءاخر قنوت الوتر الذي علمه الحسن وصلى الله على النبي فضم إليه الآل قياسا على التشهد ولم يقع ذلك بالآل في شىء من كتب الرافعي ولا النووي إلا في الأذكار ونازعه الإسنوي قياسا على التشهد الأول وقال في الإقليد لا أصل له. وسواء فيما ذكر الإمام والمنفرد إلا أن الإمام يأتي به بلفظ الجمع كما في حديث البيهقي ويجهر به بخلاف المنفرد (ويؤمن المأموم على الدعاء) فيه إن سمعه (ويشارك في الثناء) وأوله إنك تقضي وألحق المحب الطبري الصلاة على النبي بالدعاء فيؤمن معها، فإن لم يسمع قنوت الإمام لبعد أو صمم أو نحوه قنت سرا كما يقرأ السورة (وإن نزل بالمسلمين نازلة) كوباء وقحط وعدو (قنتوا في جميع الصلوات) المكتوبة »لأنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على قاتلي الصحابة القراء ببئر معونة« رواه الشيخان. فيقاس غير العدو عليه ويجهر به الإمام في السرية والجهرية ومحله عند اعتدال الركعة الآخرة ولا قنوت في شىء من النوافل.