الخميس فبراير 19, 2026

باب ذكر وصف هند بن أبي هالة له

وهند هو التميمي الاسدي ربيب المصطفى، أمه خديجة زوجته، وكان فصيحا بليغا وصافا أي يحسن وصف صفات النبي ويستحضرها، والوصاف العارف للصفة.

وابن أبي هالة زاد لما *** وصفه          مفخما وفخما

لوجهه تلألؤ كالبدر *** معتدل الخلق عريض الصدر

عظيم هام واسع الجبين *** فم ضليع        اقنى العرنين

يعلوه نور من رءاه إذ ما *** لم يتأمل           ظنه أشما

مفلج الأسنان سهل الخد *** أشنب بادن      طويل الزند

عنقه يرى كجيد دمية *** مع صفاء       لونه كالفضة

أزج في غير قرن إذا غضب *** بينهما عرق يدره الغضب

وسائل الأطراف رحب الراحة *** ضخم الكراديس ذريع المشية

قد بالغ [1] هند بن أبي هالة وزاد على غيره في أوصافه فقال: كان مفخما أي معظما في صدور الصدور وعيون العيون فخما أي عظيما في نفسه يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أي يشرق وجهه ويستنير كاستنارة القمر ليلة البدر بدارته وهي ليلة أربعة عشر، معتدل الخلق بفتح فسكون في جميع صفات ذاته ومعتدل الصورة الظاهرة بمعنى أن أعضاءه متناسبة، عريض الصدر عظيم الرأس وهو مراد الناظم بقوله: “عظيم الهام” ترخيم هامة أو هو جمع هامة، واسع الجبين أي ممتده طويله عريضه وذلك محبوب محمود، ضليع الفم أي عظيمه واسعه والعرب تتمدح به وتذم ضيقه وكان لسعته يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه وهو دليل على قوة الفصاحة، وقوله: “أقنى العرنين” مرتفع أعلا الأنف محدودب الوسط منه فقوله: “أقنى” بقاف ونون مخففة من القنا وهو ارتفاع أعلى الأنف واحديداب وسطه كما تقرر، وهذا معنى قول ابن الأثير [2]: “هو السائل الأنف المرتفع وسطه”، وقيل هو نتوء في وسط القصبة والأول أدخل في المدح، والعرنين بكسر المهملة وسكون الراء وكسر النون الأولى ما صلب من عظم الأنف أو كله أو ما تحت مجتمع الحاجبين أوله حيث يكون الشمم وجمعه عرانين، وعرانين الناس أشرافهم ووجوههم ويكنى به عن العزيز المحسود في قومه، وقول الناظم: “يعلوه نور من رءاه” الخ لفظ الحديث [3]: “له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم” أي يعلو أول أنفه وطول قصبته نور ساطع وإذا لم يتأمله الناظر يظنه أشم الأنف، والشمم ارتفاع قصبة الأنف وطولها مع استواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا، وقوله: “مفلج الأسنان” بفاء وجيم أي مفرج ما بين الثنايا والرباعيات، والفلج أبلغ في الفصاحة لأن اللسان يتسع فيها بخلاف الألص [4]، سهل الخدين أي سائلهما غير مرتفع الوجنتين وهي بمعنى خبر البيهقي وغيره [5]: “كان سهل الخدين” وذلك أعلى وأحلى عند العرب، أشنب أي أبيض الأسنان، بادن أي عظيم البدن لكن لا مطلقا بل بالنسبة لما ذكروه من كونه شثن الكفين والقدمين جليل المشاش ومع ذلك كان متماسكا أي يمسك بعض أجزائه بعضا من غير تزحزح ولا استرخاء في اللحم، ليس بسمين ولا ناحل فهو معتدل الخلق بفتح الخاء وسكون اللام لأنه تعالى حماه خلقا وخلقا من الإفراط والتفريط. وكان طويل الزندين تثنية زند كفلس وهو ما انحسر عنه اللحم من الذراع، وفي الصحاح [6]: “موصل طرف الذراع من الكف”، وقوله: “عنقه يرى كجيد دمية” بضم نون عنقه للاتباع في لغة الحجاز وبناء يرى للمفعول أي يراه الرائي كجيد دمية كعجمة بمهملة ومثناة صورة مصورة بيضاء مشربة بحمرة قد بولغ في تحسينها، ودمية بضم فسكون [7]، وقوله: “مع صفاء لونه” أي مع صفاء لون عنقه يعني وكان عنقه مع ذلك كالفضة الصافية، فشبه عنقه بالدمية في الصفاء والاعتدال وظرف الشكل وحسن الهيئة والكمال وبالفضة في اللمعان والضياء والإشراق والجمال، وكان أزج الحواجب في غير قرن كما مر، وكان بين حاجبيه عرق يدره الغضب أي يحركه ويظهره ويهيجه بإثارة ما فيه من الدم، وليس المعنى أنه لم يكن وأن الغضب يثيره بل هو موجود والغضب يظهره بإثارة ما فيه من الدم كما تقرر، وفيه دليل على كمال قوته الغضبية التي عليها مدار حماية الديار وقمع الأشرار وكمال الوقار وتمكنه من الغضب للجبار القهار إذا انتهك شيء من محارمه.

وكان سائل الأطراف أي طويل الاصابع ممتدها بلا احديداب ولا تعقد ولا انقباض ولا تكسر جلد ولا تشنج، وسائل بسين مهملة ولام، وروي شائل بشين مهملة معجمة أي مرتفعها من قولهم شالت الميزان أي ارتفعت إحدى كفتيه، وروي سائن بسين مهملة ونون وهو بمعنى سائل فإن اللام تبدل من النون، وروي سائر بالراء من السير، ومقصود جميع الروايات أنها غير متعقدة كما قاله الزركشي، وقوله: “وحب الراحة” أي واسع الكف حسا ومعنى، ومن قصره على حقيقة التركيب أو جعله كناية عن الجود فحسب فغير مصيب، والراحة بطن الكف وأصله من الروح وهو الاتساع، ضخم الكراديس أي عظيم رؤوس العظام غليظها، ذريع المشية بكسر الميم أي سريع هيئة المشي واسع الخطوة فهو مع كون مشيه بسكينة كان يمد خطوته حتى كأن الأرض تطوى له، قال في المصباح [8]: “الذريع الوسيع وزنا ومعنى”، وفي المفردات [9]: “هو الواسع”.

[1] بالغ ليس معناه أنه زاد على الحقيقة إنما زاد في البيان.

[2] النهاية في غريب الحديث [4/116].

[3] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة [1/285]، وانظر مجمع الزوائد [8/273].

[4] في لسان العرب مادة ل ص ص: “اللصص: تقارب ما بين الأضراس حتى لا ترى بينها خللا” [7/87].

[5] دلائل النبوة للبيهقي [1/287].

[6] الصحاح [2/481].

[7] دمية: قطعة يصنعونها بشكل عنق لونها يتصنع في تحسينه.

[8] المصباح المنير: مادة ذرع [ص/79].

[9] المفردات للأصبهاني: مادة ذرع، قال: “فرس ذريع وذروع واسع الخطو” [ص/178].