باب ذكر وصف أم معبد الخزاعية له
تقول فيه بلسان ناعت *** أبلج وجه ظاهر الوضاءة
الخلق منه لم تعبه ثجله *** كلا ولم تزر به من صعله
أدعج والأهداب فيها وطف *** من طولها أو غطف أو عطف
والجيد فيه سطع وسيم *** والصوت فيه صحل قسيم
لما هاجر المصطفى إلى المدينة ومر على أم معبد وكان من أمرها ما تقدم جاء زوجها ورأى اللبن فسألها عنه فأخبرته بأمره فقال لها: صفيه لي، فبدأت تقول فيه بلسان ناعت بتنوين لسان أي تنعته لزوجها: هو رجل أبلج الوجه أي مشرقه نيره ظاهر الوضاءة والبهجة والجمال، قال البراء بن عازب: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن منه، رواه مسلم وأبو داود [1]، وقال أبو هريرة: كان أحسن الناس صفة وأجملهم، رواه الحسن بن الضحاك في شمائله، وقال ابن عباس: لم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السراج رواه ابن الجوزي، وقال أنس: كل شيء حسن فقد رأيته فما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن عساكر، وقال أبو قرصافة: كان حسن الوجه ولم يكن بالفارغ الجسيم، وقال نفطويه في قوله تعالى: {يكاد زيتها يضيء} [سورة النور] الآية: هذا مثل ضربه الله لنبيه يقول يكاد نظره يدل على نبوته [2] وإن لم يتل قرءانا كما قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه ءايات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر
والخلق في قول الناظم: “الخلق منه لم تعبه ثجلة” بفتح الخاء وسكون اللام وتعبه بفتح الفوقية وكسر العين أي لم يوجد في بدنه شيء يعاب به ثجلة ولا غيرها والثجلة بفتح المثلثة وسكون الجيم عظم البطن مع استرخاء أسفله وروي بفتح النون وسكون المهملة أي لم تعبه رقة وهزال وضعف تركيب من قولهم نحل جسمه نحولا، وقوله “كلا” ردع لمن عابه وهو من كلام الناظم، وقوله: “ولم تزر به” بضم أوله وسكون الزاي والإزراء الاحتقار والاستخفاف بالشيء أي لم يحتقر ولم يستخف به، وقوله: “صعلة” بفتح الصاد وسكون العين المهملتين صغر الرأس وهو أيضا الرقة والنحول في البدن، وفي حديث الأحنف [3] أنه كان صعل الرأس وروي بقاف وروي بسين مهملة بدل الصاد، “والأهداب منه فيها وطف من طولها أو غطف و” أو فيه بمعنى الواو أي في رواية وطف وفي رواية غطف بغين معجمة وهي أشهر وأرجح بمعنى وهو أن يطول شعر الأجفان ثم يتغطف، وفي رواية عطف بعين مهملة أي طال وانعطف، وقوله: “والجيد” لفظ الرواية المشهورة والعنق أي عنقه فيه سطع بفتح السين والطاء المهملتين وهو طول العنق وارتفاعه، وقوله “وسيم” أي ومن صفاته الوسم وهو الحسن والوضاءة فإنه صار الحسن له علامة، وقوله “والصوت منه فيه صحل” بفتح الصاد والحاء المهملتين وهو غلظ في الصوت وفي رواية صهل بالهاء وهو قريب منه لأن الصهل صوت الفرس، وقوله “قسيم” أي ومن صفاته أنه قسيم والقسامة الحسن ورجل مقسم الوجه أي جميل كله.
كثيف لحية أزج أقرن *** أحلاه من قرب له وأحسن
أجمله من بعد وأبها *** يعلوه إذ ما يتكلم البها
كذاك يعلوه الوقار إن صمت *** منطقه كخرز تحدرت
فصل الكلام ليس فيه هذر *** حلو المقال ما عراه نزر
ومما وصفته به أم معبد أنه كثيف اللحية كذا في النظم ولفظها: “في لحيته كثافة”، أزج أي مقوس الحاجبين دقيقهما ممتدهما إلى مؤخر العين، أقرن أي يتصل أحد الحاجبين بالآخر كذا في وصف أم معبد، وفي رواية ابن أبي هالة الآتية: “سوابغ في غير قرن” بالتحريك وجمع بينهما بأنه كان بحسب ما يبدو للناظر من بعد أو بغير تأمل أقرن وأما القريب المتامل فيبصر بين حاجبيه فاصلا لطيفا فهو أبلج في الواقع أقرن بحسب الماظر من بعد أو بغير تأمل، والقول بأن القرن حدث بعد فيه بعد، قال الأنطاكي وغيره: والعرب تستملح البلج والعجم تستحسن القرن ونظر العرب أدق وطبعهم أرق، وقوله: “وأحسن أجمله من بعد” لفظ أم معبد: “أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب” أي من رءاه من بعد رءاه أجمل من كل أحد وأبهى والبهاء حسن الهيئة، وقوله: “يعلوه إذ ما يتكلم البها” مقصور وأصله المد ولفظ أم معبد “إن تكلم سمعا وعلاه البهاء” أي علا بكلامه على من حوله من جلسائه، وقوله: “كذاك يعلوه الوقار إن صمت” لفظ أم معبد “إن صمت فعليه الوقار” أي الحلم والرزانة، وفي رواية “إذا صمت فعليه البها وإذا نطق فعليه الوقار”، وقوله: “منطقه كخرز تحدرت” لفظ أم معبد “كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن” أي منطقه يشبه خرزات اللؤلؤ المنظوم إذا تحردت من فيه وتساقطت، وقوله: “فصل الكلام” أي كلامه بين ظاهر يفصل بين الحق والباطل، وقوله: “ليس فيه هذر” أي ليس في كلامه تكثير يمل سامعه، وقوله: “حلو المقال” لفظ أم معبد “حلو المنطق، لا نزر ولا هدر” أي ليس كلامه بقليل لا يفهم ولا بكثير يمل، وقوله: “ما عراه” بمهملتين أي لم يغشه ولم يكن كلامه نزرا أي ليس بقليل يدل على عي المتكلم به.
لا بائن طولا ولا يقتحم *** من قصر فهو عليهم يعظم
بنضرة المنظر والمقدار *** تحفه الرفقة بائتمار
إن أمروا تبادروا امتثالا *** أو قال أنصتوا إجلالا
فهو لدى أصحابه محفود *** أي يسرعون طاعة محشود
ليس بعابس ولا مفند *** بذاك عرفته أم معبد
كان المصطفى ليس بالطويل البائن، وقوله: “ولا يقتحم” بالبناء للمفعول ولفظ أم معبد “ولا تقتحمه عين من قصر” أي لا يزدريه من ينظره لقصر ولا يحتقره فيتجاوز عنه إلى رؤية غيره بل يهابه ويعظمه وهو معنى قول الناظم “فهو عليهم يعظم”، وقوله: “بنضرة المنظر” بفتح نون نضرة وسكون الضاد المعجمة أي لحسن منظره وعظم قدره، ولفظ أم معبد: “فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا”، وقوله: “تحفه الرفقة” أي تطوف رفقته به ويدورون حوله، وقوله: “بائتمار” يحتمل كون الباء بمعنى مع أبي مع اهتمامهم بشأنه، وقوله: “إن أمروا” بضم الهمزة مبني للمفعول أي إذا أمرهم بشيء تبادروا له امتثالا لأمره وإن قال قولا أنصتوا له إجلالا وإعظاما، فهو عند أصحابه محفود بحاء مهملة أي مخدوم يسرعون طاعة له، وقوله: “محشود” المحشود الذي يجتمع الناس حوله ليمتثلوا قوله ويقتدوا بأفعاله، وقوله: “ليس بعابس” أي الكريه المقلى، وقوله: “ولا مفند” بفتح الفاء وكسر النون المشددة وهو الذي لا فائدة لكلامه لقلة عقله، فبهذه الأوصاف كلها عرفته أم معبد لزوجها فقال: هذا والله صاحب قريش ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا [4].
[1] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المناقب: باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجها، وأبو داود في سننه: كتاب الترجل: باب ما جاء في الشعر.
[2] معناه لو لم تكن له معجزات دل منظره على أنه يستأهل النبوة.
[3] انظر سير أعلام النبلاء [4/94]، والنهاية في غريب الحديث [3/32].
[4] أخرجه الحاكم في المستدرك [3/9-10]، والبيهقي في دلائل النبوة [1/276].