باب ذكر مرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم
مرض في العشر الأخير من صفر *** أقام في شكواه ذاك اثني عشر
أو عشرا او أقام أربع عشره *** أو فثلاث عشرة قد ذكره
كذا ابن عبد البر في ربيع *** في يوم الاثنين لدى الجميع
وفاته إما بثاني الشهر *** أو مستهل أو بثاني عشر
وهو الذي أورده الجمهور *** لكن عليه نظر كبير
لأن وقفة الوداع الجمعه *** فلا يصح كونها فيه معه
وقيل بل في ثامن بالجزم *** وهو الذي صححه ابن حزم
وكان ذاك عندما اشتد الضحى *** أو حين زاغ الشمس خلف صرحا
كان ابتداء مرض المصطفى في العشر الأخير من صفر [وكانت بداية وجعه] يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة، وأقام في مرضه اثني عشر يوما [حكاه ابن الجوزي، وفي مراسيل الحسن “مرض عشرة أيام”]، وقي: أربعة عشر [يوما حكاه ابن الجوزي]، وقيل: ثلاثة عشر وهذا القول ذكره ابن عبد البر النمري الأندلسي، وتوفي شهيدا في ربيع الأول في يوم الاثنين [ففيه ولد وفيه هاجر وفيه مات] عند جميع أهل العلم، [وكانت وفاته إما] في ثاني الشهر عند جمع منهم ابن منده [والطبري]، وقيل: في مستهله، وقيل: في ثاني عشره وعليه الجمهور من أهل السير وغيرهم لكن فيه نظر كبير كما قاله الواقدي والسهيلي وغيرهما [1]، [قال السهيلي: اتفقوا على أنه مات يوم الاثنين، قالوا كلهم وفي ربيع الأول غير أنهم قالوا وأكثرهم: في الثاني عشر من ربيع، ولا يصح أن يكون مات يوم الاثنين، إلا في الثاني من الشهر أو الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر] وذلك لأن وقفة حجة الوداع كانت يوم الجمعة [بإحماع المسلمين، فيكون أول ذي الحجة يوم الخميس ويكون أول المحرم إما الجمعة أو السبت، فإن كان الجمعة فيكون صفر السبت أو الاحد، فإن كان السبت فيكون أول ربيع الأول الأحد أو الاثنين، وكيف كان فلم يكن ثاني عشر ربيع الأول بوجه، وكذا قال الناظم]، ولا يصح كونها أي الوقفة فيه مع كون موته يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سواء تمت الشهور كلها أو نقصت أم تم بعض ونقص بعض، وقيل: إنما كانت وفاته ثامن ربيع جزما وصححه ابن حزم [2]. وكان ذلك الوقت الذي مات فيه عند اشتداد الضحى [في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة ذكره ابن عبد البر وهذا قول أكثر المؤرخين] أو حين زاغت الشمس وصححه الحاكم [3]. وقوله “خلف” بضم الخاء فسكون اللام، وقوله “صرحا” مبني للمجهول أي صرح به العلماء.
غسله علي والعباس *** وقثم والفضل ثم ناس
أسامة شقران يصببان *** الما وأوس حاضر المكان
وقيل كان ينقل الماء له *** وأن عمه لم يشاهد غسله
وغسله علي والعباس وابناه والفضل يعينانهما ثم ناس ءاخرون هم أسامة بن زيد وشقران بضم المعجمة مولاه وكانا يصبان الماء عليه، وأوس بن خولي [بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ومثناة تحتية ساكنة بعد اللام على ما ذكره القطب الحلبي، ثم نقل عن شيخه الشاطبي والعسكري أنه بفتح الخاء والواو وشدة الواو، وهو ابن عبد الله] الخزرجي [السالمي أحد بني عوف شهد بدرا والمشاهد كلها] حاضر المكان الذي غسل فيه من غير أن يلي شيئا، وقيل: بل كان ينقل ماء [له أي لغسله كما رواه البغوي عن ابن عباس]، وقيل: إن عمه العباس [وقف بالباب] ولم يشاهد غسله وقال: كان يستحي أن أراه حاسرا فلا أحضره.
غسل من بئره بئر غرس *** ولم يجرد من قميص اللبس
يدلكه بخرقة علي *** من تحته وهو له ولي
بالماء والسدر ثلاثا غسلا *** وفي ثلاثة ثيابا جعلا
وتلك بيض من سحول اليمن *** ولم يكن قميصه في الكفن
وقد روى الحاكم أن قد كفنا *** في سبعة وبالشذوذ وهنا
وغسل من بئره بئر غرس بفتح الغين وسكون الراء فمهملة وكان يشرب منها، ولم يجرد من قميص اللبس بضم اللام، وجعل علي يدلكه بخرقة أي جعل على يده خرقة وأدخلها تحت قميصه، وعلي هو له ولي الغسل والدلك [بوصية منه كما رواه الواقدي عنه،] وغسله بالماء والسدر ثلاث غسل، أي غسلات [كما رواه الواقدي أيضا عنه، وروى الشيخان [4] عن عائشة: “كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب يمانية”]، وتلك الثياب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وتلك الأثواب من سحول بفتح السين المهملة [وضمها، قال النووي [5]: والفتح أشهر ورواية الأكثر وبضم] الحاء المهملة قرية من بلاد اليمن نسبة إلى سحولة قرية باليمن، ولم يكن قميصه الذي كفن فيه في الكفن بل نزع حين كفن، وقد روى الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كفن في سبعة أثواب ووهن بأنه شاذ.
ثم أتى الرجال فوجا فوجا *** صلوا فرادى ومضوا خروجا
ثم النساء بعدهم والصبية *** وفي حديث وبه جهالة
صلى عليه أولا جبريل *** ثمت ميكائيل إسرافيل
ثم يليهم ملك الموت معه *** جنوده الملائك المجتمعه
وقيل ما صلوا عليه بل دعوا *** وانصرفوا وذا ضعيف ورووا
عن مالك أن عدد الصلاة *** تسعون واثنان من المرات
وليس ذا متصل الاسناد *** عن مالك في كتب النقاد
ثم جاء الرجال فوجا أي فوجا بعد فوج فصلوا عليه فرادى أي أفرادا فكان فوج يدخلون فيصلون فرادى ثم يخرجون ويدخل غيرهم يصلون كذلك، ومضوا خروجا أي ويمضون بعد أن يصلوا عليه خارجين من عنده، ثم صلى عليه النساء بعدهم فالصبية [ثم دخل العبيد فصلوا عليه أرسالا لم يؤمهم أحد كما رواه البيهقي [6]]، وروي في حديث ضعيف رواته مجهولون عن ابن مسعود أنه صلى عليه أولا جبريل ثم ميكائيل فإسرافيل فملك الموت ومعه جنوده من الملائك بحذف الهاء للوزن ثم الإنس كما رواه البزار والحاكم [7]، وقيل: لم يصلوا عليه بل دعوا له لأنه غني عن الصلاة عليه وهذا قول ضعيف. [وقول بعضهم: لم يكن هنا إمام غلط فإن ابا بكر بويع قبل دفنه]، وروى أهل السير عن مالك بن أنس أن عدد الصلوات التي صليت عليه اثنان وتسعون صلاة قال القطب الحلبي: وليس هذا متصل الإسناد [عن مالك في كتب الثقات من المحدثين، لكن زعم بعضهم أنه رواه مالك عن نافع عن ابن عمر] وقوله: “متصل” بالنصب.
ودفنه في بقعة الوفاة *** بخبر الصديق بالإثبات
ودخل القبر الأولى في الغسل *** قيل سوى أسامة وخولي
زاد ابن سعد أيضا ابن عوف *** مع عقيل أمنوا من خوف
وفرشت في قبره قطيفة *** وقيل أخرجت وهذا أثبت
ولحدوا لحدا له ونصبت *** عليه تسع لبنات أطبقت
وسطحوا مع رشهم بالماء *** واشترك الأنام في العزاء
وكان دفن المصطفى في البقعة التي توفي فيها بالخبر الذي رواه الصديق [بالإثبات لأنه قال سمعته] يقول [8]: “ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض” فرفع فراشه وحفر له تحته، ودخل القبر الجماعة الأولى أي الذين تقدم ذكرهم في الغسل وقيل: دخلوا كلهم إلا أسامة وأوس بن خولي، وزاد ابن سعد في طبقاته [9] [أيضا عبد الرحمن بن عوف مع عقيل بفتح العين ابن أبي طالب، وقوله: طأمنوا” بقصر الهمزة، وقوله:] “من خوف” أي نار جهنم [أو عذاب القبر حشو كمل به].
وفرشت في قبره قطيفة كان يلبسها ويفترشها وهي كساء له خمل نجرانية كان يتغطى بها، وقيل: أدخلت ثم اخرجت [قبل إهالة التراب رواه الواقدي عن علي بن الحسين] وهذا أثبت وأصح، ولحدوا له لحدا أي شقوا له في جانب القبر ونصبت عليه تسع بتقديم المثناة على السين لبنات [بكسر الموحدة جمع لبنة وهي ما ضرب من الطين قبل الطبخ] ثم أطبقت عليه أي جعلت على مقداره من جميع جهاته كالغطاء، وقوله: “وسطحوا” بتشديد الطاء أي جعلوا قبره مسطحا لا مسنما ولا لاطيا بالأرض، وذكر ابن الأثير أن الذي حفر قبره ولحده أبو طلحة زيد بن سهل ورشوا عليه ماء باردا، [روى البيهقي [10] عن جابر رش على قبر المصطفى الماء رشا فكان الذي رش بلالا بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه]، واشترك الأنام أي الخلق كلهم في العزاء وطاشت العقول وأظلمت الدنيا.
وذاك في ليلة الأربعاء *** أو قبلها بليلة ليلاء
وقيل يوم الموت بالتعجيل *** صححه الحاكم في الإكليل
وقوله: “وذاك” أي تجهيزه ودفنه فرغ منه في ليلة الأربعاء [بفتح الهمزة وكسر الموحدة، قال ابن عبد البر]: قبلها بليلة يعني ليلة الثلاثاء [قال: “قبض يوم الاثنين ضحى ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس”]، وكان ليلة ليلاء أي مظلمة لفقد الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، وقيل: بل دفن يوم موته فجهزوه بالتعجيل وصحح هذا القول الحاكم في كتاب الإكليل.
وفسر الصديق للصديقة *** منامها أن سقطت في الحجرة
حجرتها ثلاثة أقمارا *** ها خير أقمارك حل الدارا
صلى عليه ربنا وسلما *** وصاحبيه نعما وأنعما
هما الضجيعان من الأقمار *** قد جاورا في اللحد خير جار
ثم على عثمان مع علي *** وسائر الأصحاب والولي
كانت عائشة رأت أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها أي بيتها فقصتها على أبيها فقال: إن صدقت رؤياك يدفن في بيتك ثلاثة هم خير [أهل] الأرض، فلما دفن المصطفى قال لها: هذا خير أقمارك الثلاثة [الذين نزلوا حجرتك] قد حل الدار، ثم دفن فيها أبو بكر وعمر معه صلى الله عليه وسلم وعلى ءاله وصاحبيه [أبي بكر وعمر].
وقول الناظم: “ثلاثة أقمارا” بتنوين ثلاثة للوزن، وقوله: “نعما” بضم النون وشد العين المكسورة وبعد الميم ألف التثنية فهي من النعمة بالفتح وهي المسرة أي نعمهما الله بنعمته الواسعة، وقوله: “وأنعما” بفتح الهمزة والعين المهملة، وفي الخبر أن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما [أي فزادا] فضلا يقال: أحسنت إليه وأنعمت أي زدت في الإنعام، أو معناه صارا إلى النعيم ودخلا فيه، وهما الضجيعان للمصطفى من الأقمار الثلاثة كما تقرر قد جاورا في اللحد محمدا صلى الله عليه وسلم [أفضل الأنبياء] فهو خير جار في الممات وخير جار في الحياة، ثم رضوان الله مع الصلاة والسلام على عثمان بن عفان مع [بسكون العين] علي بن أبي طالب وعلى سائر الأصحاب، وقول الناظم: “والولي” بشدة الياء أي الناصر وأل فيه للاستغراق أي وعلى كل الأنصار [والله أعلم].
والحمد لله رب العالمين، والحمد لله على الإتمام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى ءاله وأصحابه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى ءاله وأصحابه وأزواجه وذرياته وسلم ما أشرق صباح وعقب ظلام.
وقد وقع الفراغ من تحرير هذه السيرة النبوية يوم الأحد لوقت الضحى اثني عشر شهر ربيع الأول لسنة سبع وخمسين ومائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والحمد لله رب العالمين.
تمت على يد الفقير ملا علي بن عبد الله رحم الله من دعا له بخاتمة الإيمان والسلامة في سنة 1157 هجرية.
[1] عيون الاثر [2/408].
[2] ما ذكره ابن حزم في جوامع السير أن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول.
[3] قال الحافظ في فتح الباري [8/143-144]: “قوله: وتوفي من ءاخر ذلك اليوم يخدش في جزم ابن إسحاق بأنه مات حين اشتد الضحى، ويجمع بينهما بان إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار وذلك عند الزوال واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس. وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب بأنه صلى الله عليه وسلم حين زاغت الشمس وكذا لأبي الأسود عن عروة، فهذا يؤيد الجمع الذي أشرت إليه” اهـ.
[4] صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب الكفن بغير قميص.
[5] تهذيب الأسماء واللغات [3/146].
[6] دلائل النبوة [7/250].
[7] انظر كشف الأستار [1/398-399].
[8] رواه ابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه صلى الله عليه وسلم، دلائل النبوة للبيهقي [7/261]، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [1/529]: “رواه ابن ماجه مع حديث ابن عباس عن أبي بكر مرفوعا، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف، وله طريق أخرى مرسلة ذكرها البيهقي في الدلائل”.
[9] طبقات ابن سعد [2/279].
[10] دلائل النبوة [7/264].