الخميس فبراير 19, 2026

باب ذكر صفته صلى الله عليه وسلم أي أوصافه الطاهرة

وربعة كان من الرجال *** لا من قصارهم ولا الطوال

بعيد بين المنكبين شعره *** يبلغ شحمة     للأذن يوفره

مرة أخرى فيكون وفره *** يضرب منكبيه  يعلو ظهره

يحلق رأسه لأجل النسك *** وربما قصره       في نسك

وقد رووا لا توضع النواصي *** إلا لأجل    النسك المحاص

كان المصطفى ربعة بفتح الراء فسكون من الرجال أي مربوع الخلق معتدلة لا من قصار الرجال ولا من الطوال بكسر الطاء لكنه كان إلى الطول أقرب كما في الزهريات عن أبي هريرة بسند حسن، وكان بعيد ما بين المنكبين أي عريض ما أعلى الظهر والصدر وهو دليل النجابة، والمنكب مجمع العضد والكتف، وفي الصحيح [1] من طريق البراء بن عازب أن شعره كان يبلغ شحمة أذنه أي إذا أخذ منه، وفي رواية يوفره مرة أخرى فيكون وفرة بسكون الفاء وهو الشعر الذي يصل إلى شحمة الأذن، وفي رواية [2] وكان شعره يبلغ شحمة أذنه كان يضرب منكبيه مرة، ومرة يطول حتى يعلو ظهره، قال عياض: والجمع بين هذه الروايات أنا ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه والذي بين أذنيه وعاتقه وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه، وقيل: بل يختلف باختلاف الأوقات فإذا لم يقصره بلغ المنكب وإذا قصره كان إلى أنصاف أذنيه، وكان يفرق شعره ولا يحلق رأسه إلا لأجل النسك، وقد رووا أي المحدثون في بعض الأخبار لا توضع النواصي أي جمع ناصية وهي شعر مقدم الرأس إلا لأجل النسك، و”المحاص” أي الممحص للذنوب وهو الحج.

أبيض قد أشرب حمرة علت *** وفي الصحيح أزهر اللون ثبت

وفي الصحيح أشكل العينين *** أي حمرة لدى بياض العين

ولعلي أدعج وفسرا *** بشدة السواد في العين يرى

وفي الصحيح أنه رجل الشعر *** لا سبط ولا بجعد الخبر

وعن علي سبط لم يثبت *** إسناده وكان        كث اللحية

كان المصطفى أبيض اللون مشربا بحمرة وهو مراد الناظم بقوله: “قد أشرب حمرة علت” والإشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين سقي بالآخر، وفي صحيح البخاري [3] عن أنس كان أزهر اللون أي أبيض مشربا بحمرة، قال ابن حجر [4]: وقد وقع ذلك صريحا في حديث أنس من وجه ءاخر عند مسلم وغيره، وثبت ذلك من طرق أخرى، وفي صحيح مسلم [5] كان أشكل العينين أي يخالط بياض عينيه حمرة وهو محمود مطلوب، وقول سماك: أي طويل شق العين وهمه فيه عياض [6]، والشكلة إحدى علامات النبوة، فقول الناظم: “لدى” بمعنى في، وفي بعض الروايات لعلي بن أبي طالب أي عنه في صفته أنه أدعج العين وفسر عبد الغني وغيره الدعج بشدة سواد العين وقيل هو شدة سواد العين مع شدة بياضها، وفي الصحيح [7] عن أنس أنه رجل جعد الشعر ومراده أنه ليس بسبط بفتح المهملة وكسر الموحدة وهو المنبسط المسترسل الذي لا تكسر فيه ولا بجعد وهو ما بضده بل كان بين ذلك كما جاء في الخبر الآخر، وأما ما رواه ابن عساكر عن علي كرم الله وجهه أنه كان سبط الشعر غير ثابت من طريقيه لأن في إحديهما مجهولا وفي الأخرى ضعيفا، وكان كث اللحية أي كثير شعرها غليظه زاد في رواية: “قد ملأت من ههنا إلى ههنا وأمر يديه على عارضيه”.

وأشعر الصدر دقيق المسربه *** من سرة حتى يحاذي لبته

وكان شثنا كفه والقدم *** وهو الغليظ    قوة يستلزم

كان أشعر الصدر أي كثير الشعر على صدره رقيق المسربه بفتح فسكون فضم وفسر بأنه الشعر المستدق من السرة إلى محاذاة اللبة شعر يجري كالكضيب ليس في بطنه ولا ظهره غيره، وكان شثن الكفين والقدمين أي غليظهما من غير قصر ولا خشونة فالمراد غلظ العضو في الخلقة لا خشونة الجلد وذلك يستلزم قوة في القبض والمشي وهو محمود في الرجال دون النساء، وقوله “رقيق” روي بدال وبراء، والشثن بمعجمة مفتوحة ومثلثة وقيل مثناة ساكنة من شثن بالضم غلظ، والكفين تثنية وهي الراحة من الأصابع سميت به لأنها تكف الأذى عن البدن وهي مؤنثة على الصواب، والقدمين تثنية قدم وهي معروفة ومؤنثة وتصغيرها قديمة.

إذا مشى كأنما ينحط *** من صبب     من صعد يحط

إذا مشى  كأنما تقلعا *** من صخر اي قوي مشي مسرعا

يقبل كله إذا ما التفتا *** وليس يلوي عنقا       تلفتا

كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب أي ينحدر من مكان عال وهو مراد الناظم بقوله: “من صعد يحط” أي يحط من مكان عال، وصعد بضمتين جمع صعود وهو خلاف الهبوط، وكان إذا مشى كأنما تقلعا أي يتقلع أي يخرج قدميه من صخر أي قوي المشي كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعا قويا مسرعا لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه، وكان يقبل بكله أي بكل جسده إذا التفت فلا يسارق النظر ولا يلوي عنقه، وقوله: “تلفتا” أي في حال تلفته فإن ذلك فعل الطائش الخفيف، فكان يقبل جميعا ويدبر جميعا أي يجمع أجزاء بدنه فإذا توجه إلى شيء توجه بكليته ولا يخالف ببعض جسده بعضا لئلا يخالف بدنه قلبه وقصده مقصده لما في ذلك من التلون وأمارة الخفة [8] وعدم التصون، وما في قول الناظم: “ما التفتا” زائدة.

كأنما عرقه كاللؤلؤ *** أي في البياض والصفا إذا رئي

تجمعه أم سليم تجعله *** في طيبها فهو    لعمري أفضله

يقول من ينعته ما قبله *** أو بعده      رأيت قط مثله

وكان عرقه أي رضح جسده الشريف كاللؤلؤ هكذا ورد في خبر، وفسره الناظم بأنه مثله في البياض والصفاء، وأل فيهما عوض من الضمير أي في بياضه وصفائه، إذا رئي أي إذا نظر إليه الرائي، وكان ريح عرقه أطيب من المسك ومن ثم كانت تجمعه أم سليم سهلة أو رملة أو الرميصا في قارورة وتجعله في طيبها كما رواه مسلم وغيره [9]، وفي بعض طرقه: وهو أطيب الطيب فهو لعمري والله أطيب طيب وأفضله، وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي [10]: قد كنت أصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يمس جلدي جلده فأتعرفه بعد في يدي وأنه لأطيب رائحة من المسك، وفي حديثه عند أحمد [11] أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فشرب منه ثم مج فيه ثم صبه في البئر ففاح منها ريح المسك، وروى أبو يعلى والبزار [12] بسند صحيح عن أنس كان إذا مر في طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك فيقال: مر رسول الله، يقول من ينعته أي يصفه ما رأيت مثله قبله ولا بعده قط أحدا مثله، روى الشيخان [13] عن البراء: لم أر شيئا أحسن منه، وروى ابن سفيان في مسنده عن أبي إسحاق الهمداني قلت لامرأة حجت مع المصطفى شبهيه لي فقالت: كالقمر ليلة البدر ولم أر قبله ولا بعده مثله، وروى الدارمي [14]: قال أبو عبيدة بن محمد بن [عمار بن] ياسر: قلت للربيع بنت معوذ: صفي رسول الله قالت: “لو رأيته لقلت الشمس طالعة” أي لرأيت شمسا طالعة جردت من نفسه الشريفة نفسا، وهي نحو قولك لئن لقيته لتلقين منه أسدا، وروى أحمد وغيره [15] عن أبي هريرة: “ما رأيت أحسن من رسول الله كأن الشمس تجري” وفي لفظ “تخرج من وجهه”، وأخرج الترمذي [16] عن قتادة والدارقطني عن أنس: “ما بعص الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم صوتا وأحسنهم وجها”.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم.

[2] صحيح البخاري: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، صحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب صفة شعره صلى الله عليه وسلم وصفاته وحليته.

[3] صحيح البخاري: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم.

[4] فتح الباري [6/569].

[5] صحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب صفة فم النبي صلى الله عليه وسلم وعينيه وعقبيه.

[6] نقله النووي عنه في شرحه على صحيح مسلم [15/93].

[7] صحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم.

[8] الخفة يعني الطيش.

[9] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المناقب: باب طيب عرقه صلى الله عليه وسلم.

[10] المعجم الكبير [22/30-31].

[11] مسند أحمد [4/315].

[12] انظر كشف الأستار للهيثمي [3/160-161]، ومجمع الزوائد [8/282].

[13] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم في صحيحه: كتاب المناقب: باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجها.

[14] سنن الدارمي [1/30-31]، دلائل النبوة للبيهقي [1/200].

[15] مسند أحمد [2/350 و380].

[16] الشمائل المحمدية [ص/254] من حديث قتادة، ورواية أنس في فتح الباري [7/210].