باب ذكر الهجرتين إلى النجاشي ملك الحبشة
واسمه أصحمة والنجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، وذكر حصار الكفار لبني هاشم في الشعب بكسر الشين وأصله الطريق في الجبل.
لما فشا الإسلام واشتد على *** من أسلم البلاء هاجروا إلى
أصحمة في رجب من سنة *** خمس مضت لهم من النبوة
خمس من النساء واثنا عشرا *** من الرجال كلهم قد هاجرا
عثمان مع زوجته رقيه *** أسبقهم للهجرة المرضيه
مصعب والزبير وابن عوف *** وحاطب فأمنوا من خوف
كذا ابن مظعون ابن مسعود أبو *** سلمة وزوجه تصاحب
أبو حذيفة أبوه عتبة *** وزوجه بنت سهيل سهلة
وابن عمير هاشم وعامر *** ابن ربيعة الحليف الناصر
وزوجه ليلى أبو سبرة مع *** زوجته أي أم كلثوم جمع
لما فشا الإسلام أي ظهر وانتشر اشتد على من أسلم البلاء والتعذيب فقال لهم النبي: “تفرقوا في الأرض فسيجمعكم الله”، قالوا: إلى أين نذهب قال: “هاجروا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا” فخرج عند ذلك المسلمون فرارا بدينهم إلى الله وهي أول هجرة كانت في الإسلام فمنهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، فقدموا على أصحمة بمهملات وهو النجاشي في شهر رجب سنة خمس من النبوة وعدتهم سبعة عشر، خمس من النساء واثنا عشر من الرجال. وما ذكر من أن النساء خمس هو ما جرى عليه ابن سيد الناس [1] مستدركا على ابن إسحاق في قوله أربعة، وذكر القطب الحلبي في شرح سيرة عبد الغني أربعة بإسقاط أم كلثوم. وأول من هاجر إليها عثمان ومعه زوجه رقية بنت المصطفى.
وممن هاجر بنفسه مصعب بن عمير والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وحاطب بن عمرو، فامنوا بالقصر بهجرتهم من الخوف، وكذا اعدد ممن هاجر بنفسه عثمان بن مظعون وعبد الله بن مسعود، وهاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ومعه زوجته أم سلمة هند بنت أبي أمية، المعروف بزاد الركب. وقول الناظم “تصاحب” حشو كمل به الوزن. وممن هاجر بنفسه وأهله أبو حذيفة واسمه مهشم أو هشيم أو هاشم وأبو هاشم عتبة ومعه زوجته وهي بنت سهيل مصغرا ابن عمرو واسمها سهلة، ومنهم هاشم بن عمير مصغرا ابن عبد مناف وعامر بن ربيعة حليف ءال الخطاب بن نفيل الناصر لدين الله واسم زوجة عامر ليلى بنت أبي خثيمة العدوية، وأبو سبرة بفتح فسكون ابن عبد العزى العامري ومعه زوجته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو. وقول الناظم: “جمع” بضم الجيم وفتح الميم أي جميع هؤلاء المذكورين من رجال ونساء هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة وهو حشو كمل به الوزن، والألف في قوله: “واثنا عشرا” للإطلاق.
وخرجت قريش في الآثار *** لم يصلوا منهم لأخذ الثار
فجاوروه في أتم حال *** ثم أتوا مكة في شوال
من عامهم إذ قيل أهل مكة *** قد أسلموا ولم يكن بالثبت
فاستقبلوهم بالأذى والشدة *** فرجعوا للهجرة الثانية
في مائة عد الرجال منهم *** اثنان من بعد الثمانين هم
فنزلوا عند النجاشي على *** أتم حال وتغيظ الملا
وخرجت كفار قريش في ءاثار المهاجرين فلم يدركوهم ولم يصلوا منهم لأخذ الثأر، وتلقاهم النجاشي بالإكرام فجاوروه على أتم حال وعبدوا الله جهرا وهم في أمان، ثم إن رسول الله في رمضان تلك السنة قرأ {والنجم} [سورة النجم] {ومنوة الثالثة الأخرى} [سورة النجم] ألقى الشيطان على اللسان [2] “تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى”، ثم قرأ السورة وسجد وسجد القوم، وقالوا: عرفنا أن الله يحيي ويميت لكن ءالهتنا تشفع لنا عنده فإن جعلت لها نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فأوحى الله إليه: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} [سورة الإسراء] ففشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت الحبشة فرجع المهاجرون حتى أتوا قرب مكة في شوال فإنهم خرجوا في رجب وعادوا في شوال من عامهم الذي ذهبوا فيه إذ لقوا ركبا من كنانة [3] فقالوا لهم: قيل إن أهل مكة أسلموا فقال الركب: ذكر محمد ءالهتهم بخير فتابعه الملا ثم ارتد عنها فعادوا له بالشر ولم يكن إسلامهم بالثبت بفتح الموحدة أي لم يثبت، فائتمر القوم بالرجوع ثم دخل كل واحد منهم بجوار إلا ابن مسعود فاستقبلهم قريش بالأذى والشدة فرجعوا إلى الحبشة الهجرة الثانية وعدتهم مائة نفس اثنتان وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة، وقيل: أكثر، وقيل: أقل، فنزلوا عند النجاشي على أتم حال فلما علمت ذلك قريش بعثت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وعمارة بن الوليد بهدية إلى النجاشي وبطارقته وسألوهم ردهم إليهم، وابتدرا النجاشي فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وقالا: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلادك منا جماعة سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين ابتدعوه، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من ءابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم فهم أعلم بهم عيبا وأعلم بما عابوا منهم وعاينوهم فيه، فغضب النجاشي وقال: لا والله لا أسلمهم إليكما حتى أدعوهم فأسألهم فإن كانوا كما تقولون رددتهم إلى قومهم وإلا منعتهم منهم وأحسنت جوارهم، فدعاهم فلما جاءهم رسوله ائتمروا فيما يقولون له فقالوا: نقول ما علمناه وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن، فسألهم وقد دعا أساقفته ونشروا مصاحفهم [4] حوله فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونخلع ما كان يعبد ءاباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وبالصلاة والزكاة والصيام، وعدد أمور الإسلام فآمنا به واتبعناه فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان واستحلال الخبائث، فلما قهرونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إليك وخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلم عندك، فقال النجاشي: هل معك مما جاء بن عن الله شيء قال: نعم فقرأ صدرا من كهيعص فبكى النجاشي وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم أي بلوها بالدموع ثم قال النجاشي: والله إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا أسلمهم أبدا، فلما خرج قال عمرو: لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم، ثم غدا عليه فقال: إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فأرسل إليهم فسألهم فقال جعفر: نقول الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عجا عيسى مما قلت هذا العود، فتناخرت [5] بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإذ تناخرتم فاذهبوا فأنتم شيوم بأرضي أي ءامنون فما أحب أن لي ديرا من ذهب أي جبلا وإني ءاذيت رجلا منكم ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار واستمروا حتى قدموا على المصطفى بخير. وقوله: “وتغيظ الملا” يأتي شرحه مع ما بعده.
على النبي وعلى أصحابه *** وكتب البغيض في كتابه
على بني هاشم الصحيفه *** وعلقت بالكعبة الشريفه
أن لا تناكحوهم ولا ولا *** وحصروا في الشعب حتى أقبلا
أول عام سبعة للبعث *** قاسوا به جهدا بشر مكث
وسمعت أصوات صبيانهم *** فساء ذاك بعض أقوامهم
وأطلع الرسول أن الأرضه *** أكلت الصحيفة المبغضه
ما كان من جور وظلم ذهبا *** وبقي الذكر كما قد كتبا
فوجدوا ذاك كما قال وقد *** شلت يد البغيض والله الصمد
فلبسوا السلاح ثم خرجوا *** من شعبهم وكان ذاك المخرج
في عام عشرة بغير مين *** وقيل كان مكثهم عامين
وتغيظ الملأ من قريش على النبي وعلى أصحابه في هلال محرم سنة سبع من البعثة لما بلغهم إكرام النجاشي لأصحابه ورد هديتهم عليهم، وكتبوا كتابا على بني هاشم وعلق في الكعبة وكان كاتب الصحيفة البغيض ابن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فكان مما كتب: أن قريشا لا تناكحوهم ولا تبايعوهم ولا تخالطوهم إلا أن يسلموا محمدا ليقتل، فأبى بنو هاشم وظاهرهم بنو المطلب، وأجمع المشركون على إخراجهم من مكة إلى شعب أبي طالب فحصروا بني هاشم والمطلب فيه مؤمنهم وكافرهم فالمؤمن دينا والكافر حمية، وكان دخولهم فيه حين أقبل أي أهل هلال المحرم عام سبع من البعثة، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على أهله وقطعوا عنهم الميرة والمارة ومنعوا عنهم الأسواق وأصروا على أن لا يقبلوا منهم صلحا أبدا ما لم يسلموا محمدا ليقتل، وصار المحصرون لا يخرجون إلا من الموسم إلى الموسم فقاسوا بذلك جهدا أي مشقة وبلاء، ومكثوا فيه ثلاث سنين مع ضيق العيش والجوع والأذى.
وقول الناظم: “وسمعت” بالبناء للمجهول أي وسمعت كفار قريش أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من شدة الجوع فساء ذلك بعضهم وتلاوم قوم من قصي ممن ولدته بنو هاشم ومن سواهم، فمشى أبو البختري العاص بن هشام والمطعم بن عدي وهشام بن عمرو بن الحارث العامري وزهير بن أمية في نقض ذلك فلبسوا السلاح وأخرجوهم من الشعب مرغمين لمن خالفهم في ذلك، هذا ما حكاه بعض أهل السير، وساق أبو الفتح بن سيد الناس [6] القصة على وجه ءاخر وهو أنه لما اشتد عليهم البلاء أطلع الله رسوله على أن الأرضة أكلت جميع ما في الصحيفة من ظلم وشرك وقطيعة رحم وبهتان فلم يبق منه شيء وبقي ما فيها من ذكر الله ورسوله كما كتب لم يتغير منه شيء، فأخبر المصطفى بذلك عمه أبا طالب فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبتني، فانطلق عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد فظنت قريس أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله إليهم ليقتل فقال أبو طالب: يا معشر قريش قد جرت أمور بيننا وبينكم لم نذكرها فائتوا بالصحيفة التي فيها مواثيقكم فلعل أن يكون بيننا وبينكم صلح فأتوا بها معجبين لا يشكون أن محمدا يدفع إليهم، فرضعوها بينهم وقالوا لأبي طالب: قد ءان لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم فقال: إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم أخبرني ابن أخي أن هذه الصحيفة بعث الله عليها دابة فلم تترك فيها إلا ذكر الله ورسوله فإن كان كما قال فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند ءاخرنا، وإن كان باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، قالوا: رضينا بالذي تقول ففتحوها فوجدوا الصادق المصدوق أخبر بخبرها قبل فتحها فقالوا: هذا سحر ابن أخيك وزادهم بغيا وعدوانا، ولأبي طالب قصة الشعب أشعار منها:
ألا أبلغا عني التي ذات بيننا *** لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا *** نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة *** ولا خير ممن خصه الله بالحب
وهي طويلة، ولما وقع ذلك في يدي البغيض كاتب الصحيفة شلت يده، وكان ذلك المخرج بفتح الميم والراء أي خروجهم في عام عشرة مضت من البعثة بغير مين بفتح الميم أي كذب أو ريب، وقيل كان مكثهم فيه عامين فقط والأصح الأول.
وقول الناظم: “لا تناكحوهم” بضم الميم للوزن، وقوله: “وحصروا وسمعت وأطلع” بالبناء للمفعول، وقوله: “المبغضة” بفتح الغين المعجمة المشددة أي إلى بني هاشم وهو حشو كمل به الوزن، وكذا قوله: “ذهب”، وقوله: “والله الصمد” قسم.
[1] عيون الأثر لابن سيد الناس [1/136].
[2] هذا اللفظ موهم قبيح، أما قوله تعالى في سورة الحج: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}.
فمعنى تمنى في هذه الآية دعا قومه، ومعنى ألقى الشيطان في أمنيته أي يزيد الشيطان على ما قالوه ما لم يقولوه ليوهموا غيرهم أن الأنبياء قالوا ذلك الكلام الفاسد، وليس معناه أن الشيطان يتكلم على لسان النبي فقد قال الفخر الرازي: يكفر من قال إن الشيطان أجرى كلاما على لسان النبي هو مدح الأوثان الثلاثة اللات والعزى ومناة بهذه العبارة “تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى” إذ يستحيل أن يمكن الله الشيطان من أن يجري على لسان نبيه مدح الأوثان، وإيضاح هذه القضية أن الرسول كان يقرأ ذات يوم سورة النجم فلما بلغ {أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى} انتهز الشيطان وقفة رسول الله وسكتته فأسمع الشيطان المشركين الذين كانوا بقرب النبي موهما لهم أنه صوت النبي هذه الجملة “تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى” ففرح المشركون وقالوا ما ذكر محمد ءالهتنا قبل اليوم بخير فأنزل الله لتكذيبهم هذه الآية التي في سورة الحج: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته}. فقوله تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي يكشف الله ويبين أنه ليس من الأنبياء، وذلك ابتلاء من الله وامتحان ليتميز من يتبع ما يقوله الشيطان ومن لا يتبع فيهلك هذا ويسعد هذا.
[3] ذلك الركب كان كافرا.
[4] ما كان عندهم مما يظنونه إنجيلا لكن ما كان إنجيلا كاملا.
[5] أي صرخوا.
[6] عيون الأثر [1/147].