الجمعة يناير 23, 2026

باب حمل الجنازة والدفن

   (والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين) بأن يحمل تارة على هذا وتارة على هذا، والأول أن يحمله أربعة اثنان متقدمان واثنان متأخران والثاني أن يحمله ثلاثة اثنان متأخران وءاخر متقدم يضع الخشبتين المتقدمتين على عاتقيه ورأسه بينهما.

   (فإن أراد) الاقتصار على (أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل) من التربيع للاتباع رواه الشافعي في الأم وقيل التربيع أفضل لأنه أصون للميت وقيل هما سواء.

   (ويستحب أن يسرع بالجنازة) لحديث الشيخين: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» والإسراع فوق المشي المعتاد ودون الخبب لئلا ينقطع الضعفاء فإن خيف تغير الميت أو انفجاره أو انتفاخه زيد في الإسراع.

   ويستحب (أن يكون الناس أمامها بقربها) بحيث لو التفت لرءاها. روى الأربعة وابن حبان عن ابن عمر: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» وروى الحاكم حديث: الراكب يسير خلف الجنازة والماشي عن يمينها وشمالها قريبا منها.

   (ثم يدفن وهو) أي الدفن (فرض على الكفاية) بالإجماع في المسلم أما الكافر فحكمه ما سبق في التكفين (والأولى أن يتولى ذلك من يتولى غسله) من الرجال وإن كان الميت امرأة فلا حق للنساء فيه لضعفهن عنه فيقدم الزوج ثم الأب إلى ءاخر ما تقدم. والأولى (أن يكون عددهم وترا) ثلاثة فأكثر بحسب الحاجة، وروى ابن حبان عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس والفضل. والأولى (أن يكون) الدفن (بالنهار) ويجوز ليلا بلا كراهة (وأن يعمق القبر قدر قامة وبسطة) بأن يقوم رجل معتدل ويبسط يده مرفوعة. قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد: «احفروا وأوسعوا واعمقوا» رواه البيهقي وأوصى عمر أن يعمق قبره قامة وبسطة والواجب حفرة تمنع الرائحة والسبع (ويدفن في اللحد) فهو أفضل من الشق لحديث مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرض موته: «إلحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم» واللحد أن يحفر في أسفل حائط القبر الذي من جهة القبلة مقدار ما يسع الميت (إلا أن تكون الأرض رخوة فتشق) في وسطها كالنهر ويبنى الجانبان باللبن أو غيره (ويدفن في شقها) ويسقف عليه باللبن أو غيره ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت (ويسل الميت من قبل رأسه إلى القبر) برفق روى البيهقي عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه».      

   (ويسجى بثوب عند إدخاله القبر) وإن كان رجلا للاتباع رواه البيهقي. (ويقول الذي يدخله القبر بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم) للأمر بذلك في حديث الترمذي وغيره (ويضجع) في القبر (على جنبه الأيمن) ندبا مستقبل القبلة بوجهه وجوبا فلو دفن مستدبرا أو مستلقيا نبش ووجه إلى القبلة ما لم يتغير، أو على يساره مستقبل القبلة كره ولم ينبش (ويوضع تحت رأسه لبنة) أو حجر (ويفضى بخده إلى الأرض) بأن ينحى الكفن عنه ويوضع على التراب ويجعل خلفه لبنة أو نحوها تسنده وتمنعه من أن يستلقي ويحثي كل من حضر بعد الفراغ من سد اللحد (عليه التراب باليد) أي بكلتا يديه (ثلاث حثيات). وروى ابن ماجه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم حثى من قبل رأس الميت ثلاثا. (ويستحب أن يقول مع) الأولى ﴿منها خلقناكم﴾ وفي الثانية ﴿وفيها نعيدكم﴾ وفي الثالثة ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ (ثم يهال عليه التراب بالمساحي) إسراعا لتكميل الدفن (ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر) ليعرف فيزار ويحترم. روى ابن حبان عن جابر أن قبره صلى الله عليه وسلم نحو من شبر (وتسطيحه أفضل من تسنيمه) «كما فعل بقبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه» رواه أبو داود. (ويستحب أن يرش عليه الماء) «لأنه صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم» رواه البيهقي «وعلى قبر سعد بن معاذ» رواه ابن ماجه ويكره رشه بماء الورد لأنه إضاعة مال. (ولا يجصص) القبر أي لا يبيض بالجص (ولا يبنى عليه) فيكرهان للنهي عنهما في حديث مسلم ولا فرق في البناء بين القبة والبيت وغيرهما ثم إن كان في ملكه لم يهدم أو في مقبرة مسبلة حرم وهدم بلا خلاف (ولا يدفن اثنان في قبر) أي يكره ابتداء ذلك (إلا لضرورة) كأن كثر الموتى لوباء أو غيره وعسر إفراد كل واحد بقبر (ويقدم) حينئذ (الأسن الأقرأ إلى القبلة) روى البخاري عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرءان» فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد ويقدم الأب على الابن وإن كان الابن أفضل لحرمة الأبوة وكذا تقدم الأم على البنت والرجل على الصبي ولا يجمع بين الرجل والمرأة وإن كان ابنها إلا عند تأكد الضرورة ويجعل بينهما حاجز من التراب وكذا يجعل بين الرجلين والمرأتين على الصحيح أما نبش القبر بعد دفن الميت لدفن ثان فيه فلا يجوز ما لم يبل الأول ويصر ترابا.

   ( والدفن في المقبرة أفضل) ليناله دعاء الزائرين والمارين (فإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة نبش وغسل ووجه إلى القبلة) تداركا للواجب ما لم يتغير فيترك ولو دفن بلا تكفين لم ينبش في الأصح لحصول الستر بالتراب وإن لم يصل عليه لم ينبش وصلي على القبر (وإن وقع في القبر شىء له قيمة نبش وأخذ) سواء طالب صاحبه أم لا كما قاله في شرح المهذب، (وإن بلع الميت مالا لغيره شق جوفه وأخرج) سواء ضمنه الورثة أم لا بخلاف ما إذا بلع مالا لنفسه فإنه يترك على الأصح. (وإن ماتت امرأة وفي بطنها ولد يرجى حياته) بأن بلغ ستة أشهر فصاعدا (شق جوفها) وأخرج رعاية لاستبقاء الحي. قال البندنيجي وينبغي أن تشق في القبر لأنه أستر لها (وإن لم ترج) حياته بأن لم يبلغ ستة لم يشق لانتهاك حرمته بلا فائدة بل (ترك عليه شىء) من الرمال (حتى يموت) ولا تدفن حتى تسكن حركة الجنين ويعلم موته (ويستحب للرجال زيارة القبور) بالإجماع بخلاف النساء فيكره لهن روى مسلم حديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» وروى الترمذي: «أنه صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور» (ويقول إذا زار سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون) للاتباع رواه مسلم. زاد أبو داود وابن ماجه (اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم) وقول المصنف (واغفر لنا ولهم) مأخوذ من حديث مسلم بمعناه (ولا يجلس على قبر ولا يدوسه) أي يكره ذلك (إلا لحاجة) بأن لا يصل إلى قبر ميته إلا بدوسه روى مسلم حديث: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وروى الترمذي عن جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوطأ القبر» ويكره أيضا الاتكاء عليه والاستناد إليه قال في شرح المهذب إلا لضرورة. (ويكره المبيت في المقبرة) لما في ذلك من الوحشة قال في شرح المهذب إلا لضرورة.