الخميس يناير 29, 2026

باب الـمراقبة

  • عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كنت رديف النبي([1]) r فقال لي: «يا غلام أو يا بني ألا أعلمك كلماتٍ ينفعك الله بهن؟» فقلت: بلى، قال: «احفظ الله يحفظك([2])، احفظ الله تجده أمامك([3])، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة([4])، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله([5])، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة([6])، فلو أن الخلق اجتمعوا على أن ينفعوك أو يضرك بشيءٍ لم يقضه الله لم يقدروا عليه، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن النصر في الصبر». أخرجه إسماعيل بن محمدٍ الصفار بإسنادٍ صحيحٍ.
  • وجاء في مسند أحمد بلفظٍ قريبٍ من هذا وهو من طريق حنش ابن عبد الله الصنعاني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: ردفت([7]) النبي r فأخلف يده ورائي وقال: «يا غلام ألا أعلمك كلماتٍ ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، رفعت الأقلام وجفت الصحف، فلو جهدت الأمة على أن تنفعك بشيءٍ لم تنفعك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو جهدت على أن تضرك بشيءٍ لم تضرك إلا بشيءٍ كتبه الله لك». هذا حديث حسن أخرجه أحمد.

باب الترغيب والترهيب

  • عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «يا معشر النساء([8]) تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني أريتكن([9]) أكثر أهل النار»، فقامت إليه امرأة جزلة([10]) فقالت: ما لنا يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن وتكفرن العشير([11])، ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب بذي اللب([12]) منكن»، قالت: وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجلٍ فهذا نقصان العقل، وأما نقصان الدين فإنها تمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وابن ماجه.
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: «إن ملكا ببابٍ من أبواب السماء ينادي: من يقرض اليوم يجز غدا، وإن ملكا ببابٍ ءاخر يقول: اللهم أعط منفقا خلفا وعجل لممسكٍ تلفا([13])». هذا حديث صحيح أخرجه النسائي.
  • وأخرجه البيهقي في «الشعب» من رواية مؤمل بن إسماعيل إلى أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وزاد مؤمل في روايته: «وإن ملكا ببابٍ ءاخر يقول: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم([14])، فإن ما قل وكفى خير مما كثر والهى([15])، وإن ملكا ببابٍ ءاخر ينادي: يا بني ءادم لدوا للموت وابنوا للخراب([16])».
  • وأخرج أحمد في كتاب «الزهد الكبير» من طريق عبد الرحمـٰـن ابن زيادٍ قال: قال عيسى ابن مريم عليهما السلام: «يا بني ءادم لدوا للموت وابنوا للخراب، تفنى نفوسكم وتبلى دياركم».
  • عن عبيد الله بن زخرٍ أن أبا ذر رضي الله عنه قال: «تلدون للموت، وتبنو، للخراب، وتؤثيرون ما يفنى، وتتركون ما يبقى». هذا موقوف منقطع، أخرجه أحمد في كتاب «الزهد».
  • عن كعب الأحبار قال: «صاح ورشان([17]) عند سليمان بن داود عليهما السلام فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب» وذكر قصة طويلة. أخرجه الثعلبي بإسنادٍ واهٍ جدا.

وقد أخرج الترمذي من طريق موسى هذا بهذا الإسناد حديثا غير هذا واستغربه.

وأنشد البيهقي بسنده إلى سابقٍ البربري من أبياتٍ له [الطويل]:

فللموت تغدو الوالدات سخالها([18])

 

 

كما لخراب الدور تبنى الـمساكن

 وأنشدكم لنفسي في المعنى [الوافر]:

بني الدنيا أقلوا الهم فيها
بناء للخراب وجمع مالٍ

 

فما فيها يؤول إلا الفوات
ليفنى والتوالد للممات

  • عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «ليدخلن الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر»، فقال رجل: يا رسول الله، وما ربيعة من مضر([19])؟ قال: «إنما أقول ما أقول». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.

[1])) أي: راكبا على الدابة خلفه.

[2])) قال شيخنا رحمه الله: «(احفظ الله يحفظك)، معناه: أطع الله ينصرك».

[3])) قال شيخنا رحمه الله: «(احفظ الله تجده أمامك)، معناه: احفظ حدود الله ينصرك».

[4])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (11/622): «(تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، أي: أطعه في حالة الرخاء يجازك عليه في حال شدتك».

[5])) قال شيخنا رحمه الله: «(وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) معنى الحديث أن الأولى بأن تسأله هو الله وهذا أمر لا شك فيه لأن الله تبارك وتعالى هو خالق الخير والشر وخالق الـمنفعة والمضرة، فإذا كان كذلك فلا يخفى أن الأولى بأن يسأل هو الله وأن الأولى بأن يستعان هو الله، وبمعنى هذا الحديث حديث رويناه في «صحيح ابن حبان» أنه r قال: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» هذا الحديث أيضا يدل على أن الأولى بالـمصاحبة هو المؤمن وكذلك الأولى بأن تطعم طعامك الـمسلم، وليس مراد النبي r أنه لا يجوز أن تصاحب غير المؤمن، إنما مراده بيان أن الأولى بالـمصاحبة هو المؤمن، وكذلك الجزء الثاني من هذا الحديث «ولا يأكل طعامك إلا تقي» مراد رسول الله r به أن الأولى بأن يطعم طعامك هو المسلم التقي، من هو التقي؟ التقي هو من قام بحقوق الله وحقوق العباد، أي: أدى الواجبات المتعلقة بالعبادات البدنية كالصلاة وصيام رمضان والزكاة والحج إلى غير ذلك، والتقوى له جزء ثانٍ وهو تجنب ما حرم الله، هذا هو التقي، من أدى الواجبات واجتنب المحرمات يقال له تقي، الرسول r يقول في هذا الحديث: «ولا يأكل طعامك إلا تقي» معناه: أن الأولى بأن تطعمه طعامك هو الـمسلم التقي أي أن إطعام طعامك الـمسلم التقي خير وأولى وأفضل من أن تطعم مسلما غير تقي أو كافرا».

[6])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: ما ترك القلم شيئا، ذلك القلم الأعلى الذي جرى على اللوح المحفوظ بقدرة الله من غير أن يمسكه خلق من خلق الله، لأنه في ذلك الوقت لم يخلق شيء من ذوي العقول، من ذوي الأرواح، لا الملائكة ولا غيرهم، إنما كان في ذلك الوقت الماء والعرش، أول ما خلق الله الماء ثم خلق العرش من ذلك الماء ثم خلق اللوح المحفوظ من ذلك الماء ثم خلق القلم الأعلى أيضا من ذلك الماء، فهذا القلم ما ترك شيئا مما يحصل إلى انتهاء الدنيا إلا كتبه، أما ما بعد انتهاء الدنيا قذاك أمر لا يدخل تحت الحصر، أما الله فيعلمه».

[7])) من باب نصر وفرح.

[8])) قال النووي في شرح مسلم (7/86): «قوله r: «(يا معشر النساء تصدقن) فيه أمر ولي الأمر رعيته بالصدقة وفعل الخير ووعظه النساء إذا لم يترتب عليه فتنة، والـمعشر الجماعة الذين صفتهم واحدة»».

[9])) (أريتكن)، أي: أراني الله النساء أكثر أهل النار.

[10])) قال ابن الأثير في النهاية (1/270): «جزلة أي تامة الخلق. ويجوز أن تكون ذات كلامٍ جزل أي قوي شديد».

[11])) (تكثرن اللعن)، أي: أنهن يتلفظن باللعنة بغير حق كثير. و(تكفرنا العشير)، أي: أنهن يجحدن نعمة الزوج وإحسانه ويستقللن ما كان منه، والعشير: الزوج.

قال شيخنا رحمه الله: «الرسول r صلى ذات يوم صلاة العيد ثم دخل إلى النساء ومعه بلال فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، قلن: يا رسول الله، لـم؟ قال: «لأنكن تكفرن»، قلن: الكفر بالله؟ قال: «تكفرن العشير وتكثرن اللعن»، وقال: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا تقول: والله ما رأيت منك خيرا قط»، وذلك لأن الصدقة إن كانت من مالٍ حلالٍ وكانت لوجه الله خالصة تقي الشخص الذي تصدق بها من عذاب الله، الصدقة لها عند الله منزلة كبيرة، لكن شرطها أن تكون من مالٍ حلالٍ. ثم هؤلاء النسوة اللاتي كلمهن الرسول r من شدة حرصهن بادرن إلى الصدقة، من شدة حرصهن على مصالح الـمسلمين، لأن الرسول r لا يأكل الصدقة».

[12])) قال الحافظ العسقلاني في الفتح (1/406): «لأنهن إذا كن سببا لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي فقد شاركنه في الإثم وزدن عليه.

قوله: (أذهب) (وفي الرواية هنا «أغلب»، أي: أشد إذهابا، واللب أخص من العقل وهو الخالص منه، والحازم الضابط لأمره، وهذه مبالغة في وصفهن بذلك لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى».

وقال ابن الأثير في النهاية (1/379): «(أذهب للب الحازم من إحداكن)، أي: أذهب لعقل الرجل الـمحترز في الأمور الـمستظهر فيها».

[13])) قال أبو العباس القرطبي في الـمفهم (3/55) والسيوطي في شرح مسلم (3/82): «(اللهم أعط ممسكا تلفا) يعني: الـممسك عن النفقات الواجبات».

وقال ابن الأثير في النهاية (2/66): «(اللهم أعط كل منفقٍ خلفا)، أي: عوضا. يقال: خلف الله لك خلفا بخيرٍ وأخلف عليك خيرا، أي: أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه».

[14])) أي: أقبلوا إلى طاعة ربكم.

[15])) قال الملا علي القاري في المرقاة (8/3266): «(ما قل)، أي: من المال «وما» موصولة (وكفى)، أي: في أمر الدنيا وزاد العقبى (خير مما كثر)، أي: من المال (وألهى)، أي: شغل عن الـمولى (أي: عن طاعته) وحسن الحال وتحسين الـمآل».

[16])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: أولادكم نهايتهم الـموت، ما تلدونه نهايته الـموت، وبناؤكم للخراب، نهايته الخراب».

[17])) الورشان محركة طائر شبه الحمام، قاله الزبيدي في «التاج» (17/449). قال الدميري في حياة الحيوان (2/538): «هو ذكر القماري (جمع قمري). وقيل: إنه طائر يتولد بين الفاختة والحمامة، وبعضهم يسميه الورشين. يوصف بالحنو على أولاده حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رءاها في يد القانص». مختصرا.

[18])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: أولادكم نهايتهم الـموت، ما تلدونه نهايته الـموت، وبناؤكم للخراب، نهايته الخراب».

[19])) قال المناوي في فيض القدير (5/325): «أي: ما نسبة ربيعة إلى مضر وبينهما في الشرف بون بعيد»، ومضر أكثر من ربيعة بكثيرٍ. قال في «تاج العروس» (34/287): «البون بالضم مسافة ما بين الشيئين، ويفتح».

قال السمعاني في الأنساب (12/303): «مضر القبيلة الـمعروفة التي تنسب إليها قريش، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أخو ربيعة بن نزار، وهما القبيلتان العظيمتان اللتان يقال فيهما: أكثر من ربيعة ومضر».

قال المناوي في فيض القدير (5/324): «(أقول ما أقول)، أي: لقنته وعلمته أو ألقي على لساني من الإلهام أو هو وحي حقيقة».