الخميس يناير 29, 2026

باب الصبر على البلاء

  • عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله r وهو يوعك([1]) فجسسته فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال: «أجل كما يوعك رجلان منكم»([2])، قلت: ذاك([3]) أن لك أجرين، قال: «نعم والذي نفسي بيده([4]) ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرضٍ ولا سقمٍ إلا حط الله خطاياه عنه كما تحط الشجرة ورقها». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.
  • عن حمادٍ عن ثابتٍ عن ابن أبي ليلى عن صهيبٍ رضي الله عنه قال: بينما رسول الله r جالس إذ ضحك فقال: «ألا تسألوني مم أضحك؟»، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «عجبا من أمر الـمؤمن إن أمره خير، إن أصابه ما يحب حمد الله عليه فكان له خير، وإن أصابه ما يكره صبر فكان له خير وليس أحد أمره كله خير إلا الـمؤمن». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.
  • عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا تلا هذه الآية: { من يعمل سوٓءا يجز به} [سورة النساء: 123] فقال: إنا لنجزى بكل ما عملنا؟ هلكنا إذا. فبلغ ذلك رسول الله r فقال: «نعم يجزى الـمؤمن بذلك في الدنيا في مصيبته في جسده فما دونه». هذا حديث حسن صحيح أخرجه أحمد.
  • عن يحيى بن سعيدٍ قال: سمعت القاسم بن محمدٍ يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: وا رأساه، فقال رسول الله r: «ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك»، فقالت عائشة: وا ثكلياه([5])، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذاك([6]) لظللتض([7]) ءاخر يومك معرسا([8]) ببعض أزواجك، فقال رسول الله r: «بل أنا وا رأساه»([9]) الحديث. رواه البخاري والبيهقي.
  • عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي.
  • عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «عظم الثواب مع عظم البلاء، وإذا أحب الله قوما([10]) ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط([11])». هذا حديث حسن أخرجه الترمذي.
  • عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم r يقول: «قال الله عز وجل: يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إذا أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا، وإذا أصابهم ما يكرهون حمدوا وصبروا، ولا حلم ولا علم([12])، قال: كيف يكون هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي([13])». هذا حديث حسن أخرجه البخاري في «تاريخه».

وأم الدرداء هي الكبرى الصحابية واسمها خيرة، وأما أم الدرداء الصغرى فهي تابعية اسمها هجيمة، ويقال: جهيمة.

[1])) قال ابن الأثير في النهاية (5/207): «الوعك وهو الحمى، وقيل: ألمها. وقد وعكه المرض وعكا ووعك فهو موعوك».

[2])) قال الملا علي في المرقاة (3/1129): «يعني: مثل ألم وعك رجلين».

[3])) أي: وعك رجلين.

[4])) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

[5])) قال الحافظ العسقلاني في الفتح (10/125): «بضم الـمثلثة وسكون الكاف وفتح اللام وبكسرها مع التحاتنية الخفيفة وبعد الألف هاء للندبة، وأصل الثكل فقد الولد أو من يعز على الفاقد وليست حقيقته هنا مرادة بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول الـمصيبة أو توقعها».

[6])) قال الكرماني في الكواكب الداري (20/194): «أي: موتي، والسياق يدل عليه».

[7])) قال البدر العيني في عمدة القاري (21/223): «بكسر اللام».

[8])) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/125): «بفتح العين والمهملة وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف، يقال: أعرس وعرس إذا بنى على زوجته، ثم استعمل في كل جماع، والأول أشهر».

[9])) قال شيخنا رحمه الله: «روى البخاري أن عائشة قالت: وا رأساه، من شدة ما تحس به من ألم الرأس، فقال النبي r: «بل أنا وا رأساه» لأنه كان كثير الأمراض لكن كان في الصبر جبلا راسخا، قالت عائشة ذلك من دلالها على النبي r، فقال النبي: «لو كان ذاك (أي: وفاتك) وأنا حي لاستغفرت لك ودعوت لك». من قوله عليه السلام: «ودعوت لك» علمنا وفهمنا أن دعاء الشخص يلحق الميت. قوله: «ودعوت» عام لصحة أن يدعو الشخص بعد القراءة لإيصال الثواب إلى الشخص الميت، وفي ذلك رد على الوهابية القائلين بأن الدعاء لا ينفع الميت».

[10])) أي: رضي عنهم، وهم الصالحون من عباده.

قال شيخنا رحمه الله: «معناه: يبتليه في صحته وماله وغير ذلك. الذي يحب الرسول r محبة كاملة بلاؤه يكون شديدا ليناسب علو درجته.. المؤمن الذي يحبه الله يحفظ له دينه ويبتليه في الدنيا كثيرا، يبتليه في ماله يأتي ظالم يتسلط له على ماله أحيانا، ويبتلى في صحته تصيبه أمراض. سيدنا أيوب عليه السلام مرض ثمانية عشر عاما لزم الفراش، وقد قال رسول الله r: «من يرد الله به خيرا يصب منه» رواه البخاري ومسلم وغيرهما، معناه: يبتليه بالـمصائب. الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا كبيرا، أي: مرتبة عالية يبتليه بالمصائب، فإذا صبر ارتقى درجاتٍ عند الله تبارك وتعالى، لذلك الله تعالى جعل الأنبياء عليهم السلام في الدنيا أكثر بلاء حتى يقتدي بهم أممهم. نحن إذا أصابتنا مصائب نقتدي بسيدنا محمد r، هو كان أصيب بكثيرٍ من البلايا في حياته، ابتلي بقلة الـمعيشة وابتلي بأذى الناس له وابتلي بفقدان أعزاء الناس عليه».

[11])) قال شيخنا رحمه الله: «إن كان الـمبتلى من العصاة كان ذلك سببا لتكفير الخطايا، وإن كان تقيا كن ذلك رفعا لدرجاته عند الله، فمن ابتلاه الله فليقل الحمد لله على كل حالٍ، أي: على الرخاء والشدة، ولا يتسخط على الله، من اعترض على الله كفر والعياذ بالله».

[12])) قال المناوي في التيسير (2/188): قال الطيبي: قوله: «لا حلم ولا علم» تأكيد لمفهوم «صبروا واحتسبوا» لأن عنى الاحتساب أن يبعثه على العمل الإخلاص وابتغاء مرضاة الرب لا الحلم ولا العقل».

[13])) ليس ذلك محمولا على معنى الجزئية في صفات الله، حاشا لله، فصفات ذاته عز وجل أزلية أبدية ليست متبعضة ولا متجزئة، فلا يصح اعتبار «من» للتبعيض، ومعنى ما في الحديث أن الله تعالى يعطيهم بفضلٍ منه وفق علمه الأزلي حلما وعلما مخلوقين فيهم.