الأربعاء يناير 28, 2026

باب الردة

 

   قال المؤلف رحمه الله: فصل. يجب على كل مسلم حفظ إسلامه وصونه عما يفسده ويبطله ويقطعه وهو الردة والعياذ بالله تعالى، قال النووي [في روضة الطالبين] وغيره: الردة أفحش أنواع الكفر.

   الشرح أن الردة أقبح أنواع الكفر لأن الردة تذهب كل الحسنات وتبقى السيئات، ولو رجع إلى الإسلام بعد ذلك لا ترجع له الحسنات التي كان عملها، وتبقى السيئات فإن تاب منها ذهبت. وليس معنى «الردة أفحش أنواع الكفر» أن كل أنواع الردة أشد من كفر الكافر الأصلي لأن كفر الكافر الأصلي قد يكون أشد من كفر المرتد، فليس معنى قول النووي المذكور أن الردة أشد أنواع الكفر كفرا، إنما مراده شدة قبحها في أنها خروج من الإسلام الذي هو الحق إلى الباطل الذي هو الكفر كما يقال «الفسوق أقبح من العالم منه من الجاهل».

   وأشد أنواع الكفر التعطيل وهو قول الشيوعي لا إله والحياة مادة [معناه عندهم طبيعة]، وقول أهل الوحدة إن الله هو جملة العالم، وعقيدة الحلول أي أن الله يحل في غيره كاليشرطية القائلين بأن الله يدخل في كل شخص ذكر أو أنثى حتى قال قائلهم في بعض الأشخاص أنت الله وهذا الجدار الله، وهم فرقة من متأخري الشاذلية انحرفوا عن أصول التوحيد الذي هو عقيدة كل مشايخ أهل الله الذين عملوا الطرق الرفاعي والشيخ عبد القادر والشيخ أبي الحسن الشاذلي وغيرهم.

   قال المؤلف رحمه الله: وقد كثر في هذا الزمان التساهل في الكلام حتى إنه يخرج من بعضهم ألفاظ تخرجهم عن الإسلام ولا يرون ذلك ذنبا فضلا عن كونه كفرا وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا» أي مسافة سبعين عاما في النزول وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار. والحديث رواه الترمذي [في سننه] وحسنه.

   الشرح في هذا الزمان كثير من الناس يطلقون ألسنتهم بالكلام الفاسد المخرج من الإسلام ولا يرون ذلك خروجا من الإسلام [بل ولا يرونه ذنبا ويظنون أنهم بعد مسلمون]، وهذا الذي يحصل من بعض الناس مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا» أي أن الإنسان قد يتكلم بكلمة لا يراها ضارة له ولا يعتبرها معصية يستوجب بها النزول إلى قعر جهنم الذي هو محل الكفار لأنه لا يصل إلى قعر جهنم الذي هو مسافة سبعين عاما في النزول عصاة المسلمين [في المستدرك للحاكم الويل واد في جهنم قعره أربعون خريفا يهوي به الكافر يوم القيامة].

   قال المؤلف رحمه الله: وفي معناه حديث رواه البخاري ومسلم [في صحيحيهما].

   الشرح الحديث هو: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» رواه الشيخان البخاري ومسلم، فحديث الترمذي مفسر لحديث الشيخين.

   قال المؤلف رحمه الله: وهذا الحديث دليل على أنه لا يشترط في الوقوع في الكفر معرفة الحكم ولا شرح الصدر به ولا اعتقاد معنى اللفظ كما يقول كتاب «فقه السنة». وكذلك لا يشترط في الوقوع في الكفر عدم الغضب كما أشار إلى ذلك النووي قال: «لو غضب رجل على ولده أو غلامه فضربه ضربا شديدا فقال له رجل ألست مسلما؟ فقال لا، متعمدا كفر» وقاله غيره من حنفية وغيرهم.

   الشرح هذا معناه أن الإنسان قد يخرج من الإسلام من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يستبدل به دينا غيره كما هو حال كثير ممن يدعون الصوفية وهم يتخبطون في الكفر، أي إن كان الشخص يعرف أن هذا القول الكفري الذي قاله كفر أو لا يعرف يحكم عليه بالكفر، إنما الشرط معرفة معنى اللفظ، وكذلك ليس شرطا أن يعتقد بقلبه معنى هذا اللفظ بل بمجرد أنه قال ذلك بإرادة وهو يفهم المعنى كفر وخرج من الإسلام.

   وقد شذ سيد سابق فإن له كتابا سماه «فقه السنة» [انظر كتابه (2/453)] يقول فيه في كتاب الردة «إن المسلم لا يعتبر خارجا عن الإسلام ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر واطمأن قلبه ودخل في دين غير الإسلام بالفعل»، ويكفي في الرد عليه الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي وقد مر ذكر حديث الترمذي ءانفا وموضع الشاهد فيه قوله صلى الله عليه وسلم «لا يرى بها بأسا»، أي لأنه يدل على أن من الكلام ما يخرج الإنسان من الإسلام من غير فرق بين أن يكون منشرح البال أو أن يكون غير منشرح البال لذلك القول. ويجوز على مقتضى قوله أن يقول الرجل أي قول من أقوال الكفر ويدافع عن نفسه بقوله «أنا ما كنت منشرح البال إنما نطقت بذلك باللسان فقط» فيعفى من الاستتابة ثم ترتب القتل عليه، فيكون ذلك هدما لباب من أبواب الشرع وهو أحكام المرتدين وما يترتب عليها من انقطاع النكاح بين الزوجين وانقطاع التوارث ومن قتلهم بعد الاستتابة إن لم يرجعوا، فإنه يجب على الحاكم ذلك كما قتل أبو بكر امرأة ارتدت [أخرجه البيهقي في سننه]، وكما قتل رجل من أصحاب رسول الله أم ولد له كانت تقع في رسول الله فيزجرها فلا تنزجر، فأخبر رسول الله بقتلها، قال الرجل أنا قتلتها يا رسول الله كانت تقع فيك فأزجرها فلا تنزجر، فقال الرسول «اشهدوا أن دمها هدر» أي لا قيمة له رواهما البيهقي، وروى الأول أيضا الدارقطني [في سننه] وروى الثاني أيضا أبو داود [في سننه].

   وليس في قول الله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيـمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيـمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله﴾ [سورة النحل/106] دليل على ما ادعاه سيد سابق لأن هذا ورد في المكره على كلمة الكفر فإنه لا يكفر إن كان نطقه بالكفر بدون انشراح صدر لذلك الكفر، وإنما يكفر هذا المكره إن انشرح صدره حالة النطق بالكفر لما قاله من الكفر، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمار بن ياسر «هل كنت شارحا صدرك حين قلت ما قلت أم لا؟» فقال لا، رواه الإمام ابن المنذر في كتابه الإشراف، فحرف هذا الرجل سيد سابق كلام الله تعالى وقال ما لم يقله عالم قط. فالضمير في قوله تعالى ﴿ولكن من شرح﴾ يعود إلى المكره الذي انشرح صدره حين النطق فهذا الذي يكفر، فهذا الذي يشترط فيه الانشراح أما غير المكره فليس محل هذه الآية.

   وقد ذكر الفقهاء الحنفيون والشافعيون وغيرهم أمثلة لثبوت الكفر بالقول حين الغضب مما يشهد لعدم اشتراط انشراح الصدر لكلمة الكفر لغير المكره، من ذلك أن إنسانا لو ضرب ابنه أو غلامه – أي عبده- ضربا شديدا فقال له رجل ألست مسلما؟ فقال «لا» متعمدا كفر، ذكره النووي في روضة الطالبين في كتاب الردة، ومعنى قوله «متعمدا» أي بغير سبق لسان، وهذا مثال من كثير من أمثلة تكفير من نطق بلفظ من ألفاظ الردة وهو غضبان غير منشرح البال لما يقوله حيث إنهم كفروه لقوله وهو غاضب «لست مسلما».

   قال المؤلف رحمه الله: والردة ثلاثة أقسام كما قسمها النووي وغيره من شافعية وحنفية وغيرهم اعتقادات وأفعال وأقوال وكل يتشعب شعبا كثيرة.

   الشرح أن الردة هي قطع الإسلام وتحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد كما نص على ذلك الشافعية والحنفية وغيرهم من مالكية وحنابلة، وقد استدلوا على هذا التقسيم بالقرءان الكريم كقوله تعالى ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ [سورة التوبة/74] فإن هذه الآية يفهم منها أن الكفر منه قولي. وقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ [سورة الحجرات/15] أي لم يشكوا يفهم منه أن الكفر منه اعتقادي لأن الارتياب أي الشك يكون بالقلب. وقوله تعالى ﴿ومن ءاياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر﴾ [سورة فصلت/37] يفهم منه أن الكفر منه فعلي. وهذا التقسيم مجمع عليه اتفق عليه علماء المذاهب الأربعة وإنما شذ عن أهل السنة والجماعة سيد قطب الذي كفر الحكام بدعوى أن الحكام يحكمون بغير الشرع، وكفر الرعايا من تابعهم ومن لم يتابعهم لأنهم يعيشون تحت سلطان هذا الحاكم ولم يثوروا عليه، حتى إنه كفر رعاة الغنم والمؤذنين في المساجد، فأخذ جماعته بهذا المنهج فحكموا على كل من سواهم بالكفر وصاروا يقتلون الناس من شيوخ ونساء وأطفال في مصر والجزائر وغيرهما، وهؤلاء يقال لهم حزب الإخوان ويسمون أنفسهم الجماعة الإسلامية ولا يجوز تسميتهم بهذا الاسم لأن الإسلام منهم بريء، وهم يريدون بهذه التسمية أنهم هم المسلمون ومن سواهم فليس كذلك. وقد تبرأ منهم  الشيخ حسن البنا [أي الذين نهج سيد قطب منهجهم] رحمه الله قبل موته بل وحكم بكفرهم كما نقل ذلك عنه الشيخ محمد الغزالي في كتابه معالم الحق حيث قال إنهم ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين وهذا في الطبعة الثانية سنة 1382هـ – 1963ر. ثم أعاد هؤلاء طبع هذا الكتاب لما اطلعوا على كلام الشيخ حسن البنا من تكفيره لهم والتبرؤ منهم طبعوا هذا الكتاب وحذفوا منه هذا الموضع لأن محمدا الغزالي مات. فحزب الإخوان يجب الحذر والتحذير منهم، وهم يموهون على الناس بقولهم نحن نريد أن نثبت حكم القرءان فإنهم في الحقيقة يريدون أن يستقطبوا المسلمين ليركبوا على أكتافهم ليصلوا إلى الحكم، وهم لو حكموا لحكموا بالقانون أيضا [والدليل على ذلك أنهم لما انحلت الوحدة بين مصر وسوريا دخل شخصان من رؤوسهم في لجنة وضع الدستور التي كانت مؤلفة من ثمانية عشر شخصا] وموهوا على الناس بذكر بعض الآيات في غير محلها كقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون﴾ [سورة المائدة/44] وهذه الآية فسرها عبد الله بن عباس ترجمان القرءان الذي ضمه إليه الرسول ودعا له قائلا «اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب» أي تفسير القرءان [أخرجه ابن ماجه في سننه]، فصار هو ترجمان القرءان أي مفسر القرءان وذلك ببركة دعوته عليه الصلاة والسلام، فقال أي ابن عباس «ليس بالكفر الذي يذهبون إليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر» أي معصية كبيرة تشبه الكفر وذلك كقتال المسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» [أخرجه البخاري في صحيحه] وقال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» [أخرجه البخاري في صحيحه] معناه تلك الساعة إيـمانه ليس كاملا ليس معناه كفر وخرج من الإسلام، وهذا كذلك أي كالذي يحكم بغير الشرع لأجل الرشوة أو نحوها لأن المسلم الذي يحكم بغير القرءان لرشوة أو قرابة ذنبه كبير يشبه الكفر هذا معنى الآية. هذه الآية لا تعني الكفر الحقيقي الذي يخرج من الدين بل معناها كفر دون كفر أي كفر أصغر لأن الشرك شرك أكبر وشرك أصغر كذلك الكفر كفر أكبر وكفر أصغر، والحكم بغير الشرع من هذا القسم الذي هو كفر أصغر. وهذا التفسير ذكره عن ابن عباس الحاكم في المستدرك وذكره الإمام أحمد في كتاب أحكام النساء، وإسناد هذا التفسير عند علماء الحديث صحيح.

   فمجرد الحكم بخلاف ما أنزل الله لا يكون كفرا مخرجا من الملة، لأن الكفر درجات وذلك كترك الصلوات الخمس، فقد ورد في الحديث [الذي أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]: «من ترك الصلاة فقد كفر جهارا» وورد: «بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» [أخرجه الترمذي في سننه] لأن المراد بهذا أن ترك الصلوات الخمس شبيه بالكفر في عظم المعصية، وليس المعنى أن المسلم بترك الصلاة يصير كافرا خارجا من الملة، وهكذا الحكم بغير ما أنزل الله فإن كثيرا من القضاة والولاة كانوا يحكمون بما هو جور وظلم من الكبائر ولا سيما في بني أمية ولم يكفروا لمجرد ذلك بل فسقوا فقد روى مسلم [في صحيحه] أن عبد الرحمٰن بن عبد رب الكعبة قال لعبد الله بن عمرو بن العاص إن ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا فسكت عبد الله قليلا ثم قال «أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله»، ولم يرد عبد الرحمٰن بذلك أن معاوية كفر.

   لكن حزب الإخوان تركوا تفسير عبد الله بن عباس للآية وفسروها بتفسير لم يقل به عالم مسلم، فنراهم يقتدون باليهود حيث إن اليهود في أول الأمر ما غيروا ألفاظ التوراة إنما غيروا معانيها، ثم بعد ذلك غيروا اللفظ فلم يبق عندهم من ألفاظ التوراة إلا هذه الكلمات لا تقتل لا تسرق لا تزن وما أشبهها. وحزب الإخوان حرفوا المعنى ولا ندري إن كانوا يحاولون تغيير اللفظ فيما بعد كما غيروا المعنى لكن القرءان محفوظ إلى يوم القيامة لقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر/9]. وأما البراء بن عازب رضي الله عنه صاحب رسول الله فقد فسر قول الله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون﴾ بأنه نزل في الكفار لا في المسلمين [أخرجه مسلم في صحيحه]. والسبب في نزول هذه الآية أن اليهود جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسألوه عن حكم الرجل الذي تزوج ثم زنى فقال لهم «يرجم» فقالوا لا نقبل فأوحى الله إلى نبيه أن هذا الحكم في التوراة، فقال لهم «ايتوا بالتوراة»، فأتوا بها فقرأ واحد منهم فلما وصل إلى حكم رجم الزاني المحصن وضع يده على الموضع وتجاوزه، وكان في المجلس عبد الله بن سلام وكان من علماء اليهود الذين أسلموا وكان أعلمهم، فقال لليهودي ارفع يدك فلما رفعها وقرأ ظهرت الآية التي في التوراة المؤيدة لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآية على تفسير البراء بن عازب معناها من أنكر حكم القرءان فهو كافر لأنه قال هذه الآية والآيتان اللتان بعدها ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الظالمون﴾ ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الفاسقون﴾ كلها نزلت في الكفار، رواه مسلم [في صحيحه].

   ومثل حزب الإخوان في تكفير الأمة الوهابية أتباع محمد بن عبد الوهاب الذي قال من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل في دعوتنا فهو كافر حلال الدم، نقل ذلك عنه مفتي مكة أحمد بن زيني دحلان والعالم العلامة الحنبلي محمد بن عبد الله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة المشرفة في القرن الثالث عشر الهجري في كتابه السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة. ولذلك فإن الوهابية تستحل دماء المسلمين في الشرق والغرب حيث إنهم يعتبرون أن كل من سواهم كافر، فهؤلاء يجب الحذر والتحذير منهم ولا يجوز تسميتهم بالسلفية كما أطلقوا ذلك على أنفسهم تمويها على الناس ليوهموا الناس أنهم متبعون للسلف وهم في الحقيقة ضد السلف.

   وليعلم أن من الاعتقادات ما إذا طرأ للإنسان خرج من الإسلام، فمن الاعتقادات المخرجة من الإسلام اعتقاد أن العالم أزلي بنوعه وتركيبه أو بنوعه فقط، أو اعتقاد ما يوجب الحدوث في الله تعالى كاعتقاد أن مشيئته حادثة تحدث له، أو أنه تحدث له مشيئة شىء بعد أن لم يكن شائيا له، أو أن علمه حادث أو أنه يحدث له علم شىء بعد أن لم يكن عالما به لأن حدوث صفة في الله يستلزم حدوث ذاته والحدوث ينافي الألوهية. وكذلك اعتقاد اللون في الله تعالى، وكذلك اعتقاد الحركة والسكون في الله تعالى لأنه لو كان ساكنا لكان له أمثال لا تحصى ولو كان متحركا لكان له أمثال لا تحصى وهذا ينافي قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/11].

   وليعلم أيضا أن من الأفعال ما يخرج الإنسان من الإسلام ومن ذلك إلقاء المصحف في القاذورات والسجود لصنم أو وثن وهو ما يعبده الكفار من حجر كان أو من حديد أو ذهب أو فضة أو نحو ذلك، فالسجود له كفر ولو كان الشخص مازحا، وكذلك الشمس من سجد لها يكفر، وكذلك القمر، وكذلك يكفر من سجد لمخلوق ءاخر على وجه العبادة له. ومن الأفعال الكفرية كتابة القرءان بالبول، والدوس على الكتب الشرعية مع العلم والتعمد.

   وأما الأقوال التي تخرج صاحبها من الإسلام فهي أكثر وأكثر كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه» رواه الطبراني [في المعجم الكبير] بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود.

   وكل قسم من هؤلاء الثلاثة يخرج من الإسلام بمفرده من غير أن ينضم إليه قسم ءاخر، أي أن الأقوال الكفرية تخرج من الإسلام من دون أن يقترن بها اعتقاد أو فعل، هذا ما اتفق عليه العلماء وأجمعوا عليه فلا التفات إلى ما خالف ذلك. قال الحافظ أبو زرعة العراقي في نكته [أي مسائله] على التنبيه والمنهاج والحاوي ما نصه «كتاب الردة قول المنهاج (هي قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل سواء قاله استهزاء أو عنادا أو اعتقادا) فيه أمور.

   أحدها أن قوله «بنية» ليس في المحرر والروضة والشرحين والحاوي وذكره ليدخل في الضابط العزم على الكفر في المستقبل فإنه كفر في الحال.

   ثانيها كان ينبغي تأخير ذكر القول عن الفعل كما في الحاوي لأن التقسيم فيه.

   ثالثها تعبيره بأو في قوله أو عنادا أو اعتقادا أحسن من تعبير الحاوي بالواو لأن أحدهما كاف.

   وأورد شيخنا الإمام البلقيني عليهما أمورا:

   أحدها أن عبارتهما لا تتناول كفر المنافق فإنه لم يسبق له إسلام صحيح [يعني أن الكافر الأصلي إذا أظهر الإسلام من غير أن يعتقده بقلبه فإن هذا إذا نطق بكلمة الكفر أو فعل فعلا كفريا لا يكون قطع بهذا الإسلام لأنه كان قبل أن يقولها كافرا بالنفاق الذي في قلبه إنما هذا يكون انتقل من كفر إلى كفر ولكنه يعامل معاملة المرتد أخذا له بالظاهر].

   ثانيها أن ذلك لا يتوقف على قطعه الإسلام بنفسه، فولد المرتدين المنعقد في ردتهما صحح النووي أنه مرتد إذا لم يكن له أصل مسلم لكن سيأتي تصحيح أنه مسلم.

   ثالثها أن المنتقل من كفر إلى كفر حكمه حكم المرتد في أنه لا يقبل منه إلا الإسلام فإن لم يفعل قتل» اهـ.

فاليهودي مثلا إن انتقل إلى نصرانية أو إلى مجوسية أو غير ذلك من أصناف الكفر لا يقر بالجزية كما يقر الثابت على نصرانيته أو على يهوديته.

   قال المؤلف رحمه الله: فمن الأول الشك في الله أو في رسوله أو القرءان أو اليوم الآخر أو الجنة أو النار أو الثواب أو العقاب أو نحو ذلك مما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة أو اعتقاد قدم العالم وأزليته بجنسه وتركيبه أو بجنسه فقط، أو نفي صفة من صفات الله الواجبة له إجماعا ككونه عالما.

   الشرح أن من طرأ له الشك في وجود الله كفر، وكذلك يكفر من شك في رسالة رسول من رسل الله رسالته معلومة من الدين بالضرورة، أو شك في نزول القرءان على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو شك في اليوم الآخر أو الجنة أو النار أن هذا هل يكون أم لا، وليس المراد أن مطلق التردد هل الجنة أو النار موجودتان الآن كفر لأن ذلك ليس معلوما من الدين بالضرورة، وأهل الحق على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وشذت المعتزلة فقالت «إنهما الآن ليستا موجودتين ولكنهما ستوجدان فيما بعد» فلم يكفر العلماء من قال ذلك وإنما فسقوهم، والمعتزلة الذين يكفرون يكفرون لغير ذلك من مقالاتهم.

   ويؤخذ من ذلك أن أصول الاعتقاد على قسمين:

  • قسم منها يكفر من شك فيه وهو ما كان معلوما بين المسلمين علمائهم وجهالهم علما ظاهرا.
  • وقسم منها ليس كذلك كالحوض الذي يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة.

   فالأول يكفر الشاك فيه ومنكره والثاني لا يكفر الشاك فيه ومنكره إلا أن يكون عناد.

   ومن الكفر أيضا اعتقاد قدم العالم وأزليته بجنسه وأفراده كما قالت الفلاسفة أو بجنسه فقط كما قال أحمد بن تيمية ووافق فيه الفلاسفة المحدثين. وأجمع المسلمون على كفر الفريقين، نقل ذلك المحدث الفقيه الأصولي الشافعي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع كما تقدم.

   وكذلك يكفر من أنكر صفة من صفات الله تعالى الواجبة له إجماعا ككونه عالما وكونه حيا وكونه سميعا بصيرا وكونه قديرا ولا يعذر أحد بالجهل في ذلك.

   أما ما رواه يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أن لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/11] فمراده بذلك أن صفات الله قسمان قسم يدرك ثبوته لله بالعقل كالصفات الثلاث عشرة «القدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام والحياة والوجود والقدم والوحدانية والمخالفة للحوادث والقيام بنفسه والبقاء»، والقسم الثاني ما لا يدرك بالعقل والروية والفكر. فالقسم الأول يكفر جاحده، والقسم الثاني لا يكفر جاحده قبل العلم بالحجة التي علم بها لأنه يتعلق بالسمع بدليل قوله «لا يدرك بالعقل والروية والفكر».

   وليس مراد الشافعي بقوله «يعذر بالجهل» ما كان من تلك الصفات الثلاث عشرة فإنه يدرك ثبوته لله بالعقل والسمع ولو لم يرد به نص قرءاني أو حديثي فإن العقل يدل على أن الله قادر على كل شىء وعالم بكل شىء بلا استثناء، فمن جهل شيئا منها فنفى فلا عذر له فإنها شرط للألوهية، قال الحافظ ابن الجوزي «من نفى قدرة الله على كل شىء كافر بالاتفاق» أي بلا خلاف.

   فإذا عرف هذا علم فساد قول بعض المدعين للعلم إن الشافعي نفى الكفر عمن جهل صفات الله على وجه يشمل الجهل بقدرة الله على كل شىء والعلم بكل شىء وسائر الصفات الثلاث عشرة فإن هذا تخليط وجهل فظيع، فلا يهولنك أيها الطالب للحق تمويه الجاهل المحرف الذي يزعم أن من جحد قدرة الله على كل شىء وعلمه بكل شىء لا يكفر بل يكون معذورا إن كان جاهلا، فنص الشافعي يرد ما زعمه، فإن كلام الشافعي يبين أن مراده الأسماء والصفات التي لا يستدل على ثبوتها لله بالعقل إلا بالنقل من الكتاب والسنة، فإن العقل لو لم يرد نص بذلك يدرك ثبوت القدرة الشاملة لله والعلم الشامل والإرادة الشاملة ووجوب السمع والبصر له على ما يليق به وهكذا بقية الصفات الثلاث عشرة، أما الوجه واليد والعين ونحوها مما ورد في النصوص إطلاقه على الله صفات لا جوارح فإن ذلك لا يدرك بالعقل ولنضرب لذلك مثالا شخص سمع إضافة العين واليد إلى الله تعالى فأنكر لأنه لم يسمع بأن النص ورد بذلك فإنه لا يكفر بل يعلم أن هذا مما ورد به النص، فإن أنكر بعد علمه بورود النص في ذلك كفر، وكذلك من أنكر أن المؤمن من أسماء الله لأنه لم يعلم أن في القرءان تسمية الله بذلك فلا يكفر بل يقال له هذا ورد شرعا تسميته به في قوله تعالى ﴿هو الله الذى لآ إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن﴾ الآية [سورة الحشر/23]. فإذا قيل لشخص إن لله وجها ويدا وعينا فأنكر وقال لا يجوز هذا غير صحيح لأنه ما ورد إضافة هذا في النصوص الشرعية إلى الله فلا يكفر، إنما يكفر من نفى ذلك بعد علمه بثبوت ذلك في النص، أما إن لم يعلم بذكر ذلك في القرءان فإنه يقال له هذا ورد ذكره في القرءان فيجب عليك أن تصدق بذلك على معنى أن الوجه ليس جارحة كوجه الخلق أي ليس حجما، وعلى أن عين الله ليست جارحة كعين الخلق، وعلى أن يد الله ليست جارحة كيد الخلق، فيعلم بأن وجه الله ويده وعينه ليست جارحة لأن الله منزه عن الجوارح، ومن اعتقد أن لله وجها أو عينا أو يدا بمعنى الجارحة كافر. وقد بلغني أن الشعراوي قال لله جوارح لا كجوارحنا هذه قالها ليرضي الوهابية لأنه كان يتردد إلى الحجاز ويدرس وقد نال منهم مالا كثيرا.

   فهل يعتقد ذو فهم في الشافعي أنه لا يكفر من نفى صفة من تلك الصفات الثلاث عشرة التي يدل العقل عليها، وقد كفر حفصا الفرد لأنه لا يثبت لله الكلام الذاتي الذي هو أحد معنيي القرءان ويطلق القول بمخلوقية القرءان مع ذلك، فقد قال الشافعي رضي الله عنه لحفص بعدما ناظره «لقد كفرت بالله العظيم»، فكيف ينسب للشافعي بعد هذا أنه لا يكفر من نفى قدرة الله أو علمه أو سمعه للمسموعات أو بصره للمبصرات أو صفة الوحدانية أو صفة القدم أو نحو ذلك، وأنه يقول إن كان جاهلا يعذر على وجه الإطلاق. وقد رد ابن الجوزي قول ابن قتيبة «وقد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك»، يعني بذلك قصة الرجل الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه «كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا» [أخرجه البخاري في صحيحه] حيث ظن ابن قتيبة أن هذا الرجل شك في قدرة الله عليه، قال ابن الجوزي [انظر الفتح الباري] «جحده صفة القدرة كفر اتفاقا» وإنما قيل إن معنى قوله «لئن قدر الله علي» أي ضيق فهي كقوله تعالى ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [سورة الطلاق/7] أي ضيق، وأما قوله «لعلي أضل الله» [وهي رواية للحديث الذي فيه أن ذلك الرجل قال: «فوالله لئن قدر الله علي»] فمعناه لعلي أفوته – أي يعفيني من عذابه – ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر – أي سبق لسانه – فقال أنت عبدي وأنا ربك، أو يكون قوله «لئن قدر علي» بتشديد الدال أي قدر علي العذاب ليعذبني. وهذا الحديث رواه البخاري وغيره. وروى ابن حبان أيضا حديثه وقال إنه كان نباشا أي ينبش القبور ليأخذ الكفن وغيره مما يكفن الميت به ويترك معه من ذهب ونحوه.  

   قال الحافظ ابن حجر [في فتح الباري] عند شرحه لهذا الحديث «وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول» اهـ، وتتمة الحديث المذكور «فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت، قال يا رب خشيتك، فغفر له» والحديث أخرجه البخاري وأخرجه ابن حبان [في صحيحه] بلفظ «توفي رجل كان نباشا فقال لولده أحرقوني» الحديث.

   فإذا عرف هذا علم أنه لا يعذر أحد في الجهل بقدرة الله على كل شىء ونحوها من صفاته مهما بلغ الجهل بصاحبه كما زعم ابن قتيبة وهو من المشبهة. وكن على ذكر واستحضار لنقل ابن الجوزي الإجماع؛ والشافعي يجل مقامه عن أن يخرج من الإجماع.

   قال المؤلف رحمه الله: أو نسبة ما يجب تنزيهه عنه إجماعا كالجسم.

   الشرح أن من نسب إلى الله الجسمية واعتقد أنه جسم أو قال ذلك كفر، والجسم هو كل شىء له طول وعرض وعمق كبر كالعرش أو صغر كالخردلة، وكذلك ما كان دون الخردلة كالهباء وهو ما يرى في ضوء الشمس النافذ من الكوة الموجودة في الجدار، وما هو أصغر من ذلك، فمن اعتقد أن الله جسم أو قال بلسانه «إنه جسم» فقد ارتد لأن الله يجب تنزيهه من ذلك لأنه لو كان جسما صغيرا كالهباء لكان له مثل، ولو كان جسما كبيرا كالعرش لكان مثلا له فلم يصلح للألوهية، وكذلك ما بينهما. ولا عبرة بقول بعض المؤلفين إن الذي يعتقد أن الله جسم لا يكفر وذلك لأن الجسمية تنافي الألوهية فإنه لو كان الله جسما لطيفا كالنور والظلام والريح أو جسما كثيفا كالإنسان والنجم والشمس والقمر لم يكن خالقا لهذه الأجسام لأن العقل لا يقبل أن يخلق الجسم جسما، ولو كان يصح أن يخلق الجسم جسما لصح للشمس أن تكون إلها لكن العقل يمنع ذلك، والله تعالى أمر عباده باستعمال العقل قال تعالى ﴿أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء﴾ [سورة الأعراف/185]، وأثنى الله تعالى على احتجاج إبراهيم عليه السلام على عدم صحة الألوهية للكوكب والقمر والشمس بكون الثلاثة جسما يتحول من حال إلى حال، والتحول من أوصاف الجسم فدل ذلك على أن الله ليس جسما ولا يكون متصفا بصفات الجسم كالتحول من حال إلى حال كتحول الشمس من المشرق إلى المغرب، وأيد هذا بما أخبر به عن إبراهيم من استدلاله على إبطال دعوى نمرود في قوله ﴿فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [سورة البقرة/258].

   قال المؤلف رحمه الله: أو تحليل محرم بالإجماع معلوم من الدين بالضرورة مما لا يخفى عليه كالزنى واللواط وقتل المسلم والسرقة والغصب.

   الشرح أنه يكفر من اعتقد حل محرم بإجماع المسلمين معلوم ظاهر بينهم بالضرورة أي من غير تفكير واستدلال فمن أحله كفر، ومن هذه الأشياء الزنى واللواط والقتل والسرقة والغصب، هذا إن لم يكن الشخص معذورا أما إن كان الشخص معذورا كأن كان أسلم من قريب ولم يعلم أن المسلمين يحرمون الزنى [أي كأن كان لم يخالط المسلمين حال كفره] وقال بعدما أسلم إن الزنى ليس حراما فلا نكفره بل نعلمه.

   قال الحافظ أبو زرعة العراقي في نكته على التنبيه والمنهاج والحاوي: «قول المنهاج أو أحل محرما بالإجماع وعكسه أو نفى وجوب مجمع عليه أو عكسه، والحاوي وجحد مجمع، كذا أطلقه الرافعي وقيده النووي في الروضة بأن يعلم من دين الإسلام ضرورة وإن لم يكن فيه نص في الأصح بخلاف ما لو لم يعرفه إلا الخواص ولو كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة فإنه لا يكفر بجحده، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني في التمثيل بنكاح المعتدة لشهرته» اهـ، البلقيني رجح أن من أجاز نكاح المعتدة يكفر وألحقه بما علم من الدين بالضرورة.

   قال أبو زرعة: «وقال شيخنا – يعني البلقيني سراج الدين – أيضا: ينبغي أن يقول «بلا تأويل» ليخرج البغاة والخوارج الذين يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم ويعتقدون تحريم دمائهم على أهل العدل، والذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروهم، قال البارزي: ويشترط أن يكون ممن لا يجوز أن يخفى عليه ذلك الحكم كما لو كان قريب العهد بالإسلام فإنه لا يكفر، وأجيب عن ذلك بأن لفظ الجحد في عبارة الحاوي تخرجه فإنه في اللغة إنكار شىء سبق الاعتراف به» اهـ.

   والخوارج ظاهر النصوص أنهم كفار كما يفهم ذلك من الأحاديث الواردة في حقهم والتي منها حديث البخاري الذي فيه: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه» وحديث «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» وفي لفظ «ثمود»، وكل من القبيلتين أي عاد وثمود إنما هلك بالكفر، هذا الحديث يدل ظاهره على أن الخوارج كفار. الخوارج عقيدتهم أن من ارتكب معصية خرج من الإسلام كبيرة كانت معصيته أو صغيرة ويستحلون قتل من ارتكب المعصية، والمتقدمون منهم كفروا عليا رضي الله عنه لأجل التحكيم قالوا كيف يحكم مخلوقا فهو كافر. ولم يفعل علي رضي الله عنه بالتحكيم معصية.

   ومما يدل ظاهره على كفرهم حديث «هم شر الخلق والخليقة» وحديث «إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى» ولا يوصف بذلك إلا الكفار. والقول الراجح تكفير غلاتهم وعليهم تحمل هذه النصوص.

   قال المؤلف رحمه الله: أو تحريم حلال ظاهر كذلك كالبيع والنكاح.

   الشرح أن من حرم أي جعل موجبا للعذاب في الآخرة شيئا هو حلال عند المسلمين معلوم حله بينهم علما ظاهرا يعرف ذلك العالم والجاهل كالبيع والنكاح أي الزواج فإنه كافر كأبي العلاء المعري فإنه كان يحرم النكاح، وسواء حرم الشخص ذلك ظاهرا أو حقيقة واعتقادا. وليس المراد أن يمنع نفسه من شىء مع اعتقاد حله كقول الرجل لزوجته «أنت حرام علي» فإنه لا يكفر عندئذ لأن معناه الذي يفهمه الناس أنه يمنع نفسه من زوجته كما يقول الرجل حرام علي أكل اللحم على هذا المعنى أي أمنع نفسي منه لأن هذا من قاله لزوجته يترتب عليه كفارة مثل كفارة اليمين، أما من قال ذلك في منع نفسه عن اللحم ونحوه فلا كفارة عليه.

   قال المؤلف رحمه الله: أو نفي وجوب مجمع عليه كذلك كالصلوات الخمس أو سجدة منها والزكاة والصوم والحج والوضوء.

   الشرح أن مما يخرج من الإسلام نفي وجوب ما أجمع المسلمون على وجوبه بظهور ووضوح يشترك في معرفته العالم والجاهل كمنكر الصلوات الخمس، ومنكر سجدة منها، ومنكر الزكاة، ومنكر وجوب صوم رمضان، ومنكر وجوب الحج على المستطيع، ومنكر وجوب الغسل من الجنابة، فهذا ردة وكفر أي بالنسبة لغير المتأول، وأما المتأول فلا يكفر كالذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم في عهد أبي بكر لأنهم أخطأوا في تفسير قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [سورة التوبة/103] لأنهم فهموا من قوله تعالى «خذ» أي يا محمد ففهموا أنه بعد موته ليس عليهم دفعها لأنه قد مات وهو المأمور بأخذها منهم، ولم يفهموا أن هذا الحكم عام في حال حياته وبعد موته. وقتال أبي بكر لهم مع المرتدين ليس لأجل كفرهم بل لأنهم امتنعوا عن دفع حق ولجئوا للقتال وكانوا ذوي شوكة أي قوة. وأما إذا كان الإمام يقدر على أخذ الزكاة من الممتنعين قهرا لا يقاتلهم بل يأخذها هو أو مأذونه منهم قهرا.

   قال المؤلف رحمه الله: أو إيجاب ما لم يجب إجماعا كذلك.

   الشرح أن من أوجب ما لم يجب بإجماع المسلمين وكان أمرا ظاهرا بين المسلمين أنه غير واجب فهو كافر. والإجماع إنما ينعقد باتفاق المجتهدين فقط لا يشترط فيه العامة والعلماء الذين هم دون المجتهدين.

   قال المؤلف رحمه الله: أو نفي مشروعية مجمع عليه كذلك.

   الشرح أن من الكفر الاعتقادي النفي بالقلب مشروعية أمر مجمع عليه مما عرف المسلمون أنه مشروع في الدين بالضرورة [أي بدون تأمل واستدلال] أي معرفة ظاهرة يشترك فيها العالم والجاهل كرواتب الفرائض الخمس والوتر.

   قال المؤلف رحمه الله: أو عزم على الكفر في المستقبل أو على فعل شىء مما ذكر أو تردد فيه.

   الشرح أن من عزم في قلبه على أن يكفر في المستقبل أو على فعل شىء من هذه الأمور التي مر ذكرها فإنه يكفر في الحال، كذلك من تردد هل يفعل ذلك أم لا فإنه يكفر في الحال، وكأن يقول «إن فعلت كذا فأنا بريء من الإسلام» بقصد التعليق فإنه يكفر في الحال، لا إذا قصد أنه بعيد من ذلك الشىء فإنه لا يكفر ولكنه لا يسلم من المعصية التي هي من الكبائر كالذي يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي ومراده أنه بعيد من أن يفعل ذلك الشىء فلا يكفر لكنه تجب عليه التوبة من هذه المعصية الكبيرة.

   قال المؤلف رحمه الله: لا خطوره في البال بدون إرادة.

   الشرح أن من خطر له ذلك في باله – أي قلبه – خطورا بلا إرادة فإنه لا يكفر ولو تكرر هذا الخاطر لأن هذا ليس مما يستطيع الإنسان منعه والله لا يكلف العبد إلا ما هو في وسعه، وهذا عام في كل شىء، فمن خطر له خاطر مما ينافي إثبات وجود الله أو الجنة أو النار وهو معتقد الحق اعتقاد جازما فلا تأثير لهذا الخطور في قطع إيـمانه بل يزداد ثوابا بكراهيته لهذا الذي يخطر له، فالمراد بالخاطر غير الشك والاعتقاد.

   قال المؤلف رحمه الله: أو أنكر صحبة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه.

   الشرح أن من أنكر صحبة سيدنا أبي بكر بالقلب أي اعتقد أن أبا بكر ليس صاحبا لرسول الله فقد كفر. وذلك لأن الله ما نص في القرءان على صحبة عمر أو علي أو عثمان، أما أبو بكر فقد نص الله على صحبته في القرءان فقال تعالى ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [سورة التوبة/40] وقد أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب هنا هو أبو بكر، فمن شك في ذلك وفسر هذا الصاحب بغيره من الصحابة فقد كفر لأن ذلك يتضمن تخوين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتضليلهم وفي ذلك هدم للدين وتكذيب للقرءان والقرءان قال الله تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [سورة التوبة/100].

   قال المؤلف رحمه الله: أو رسالة واحد من الرسل المجمع على رسالته.

   الشرح أن من أنكر رسالة واحد من الرسل الذين اتفق المسلمون على أنه من رسل الله فهو مرتد كافر، والمراد بالرسالة هنا ما يعم النبوة، فمن أنكر نبوة واحد من الأنبياء الذين أجمع المسلمون على أنه من الأنبياء فقد ارتد وكفر، وهنا تفصيل وهو أن الرسل الذين أجمع المسلمون على رسالتهم منهم من عرف جمهور المسلمين أنهم رسل كابراهيم وموسى وعيسى ونوح وهناك قسم كثير لم يشتهر عندهم رسالة واحد منهم، فيقال إن من أنكر رسالة أو نبوة من أجمع المسلمون عليه فقد كفر إلا أن كان لا يعلم ذلك لأنه لم يشتهر عنده فلا نكفره بل نعلمه لأن هذا لا يتوصل إليه عن طريق العقل إنما يعرف عن طريق النقل. وكذلك لو قرأ شخص في القرءان أن هارون وإلياس واليسع أنبياء ثم نسي لطول عهده بالقراءة للقرءان فقال عن واحد منهم إنه ليس بنبي فلا يكفر.

   وأما من اختلف فيه هل هو نبي رسول أم هو نبي فقط أم هو ولي فقط كالخضر عليه السلام فمن قال بواحد من ذلك فلا حرج عليه. لكن القول الراجح فيه أنه نبي.

   قال المؤلف رحمه الله: أو جحد حرفا مجمعا عليه من القرءان، أو زاد حرفا فيه مجمعا على نفيه معتقدا أنه منه عنادا.

   الشرح أن من أنكر حرفا اتفق المسلمون على أنه من القرءان فقد ارتد، وكذلك من زاد فيه حرفا أجمع المسلمون على أنه ليس من القرءان وكان ذلك الحرف الذي زاده زيادته له عنادا لا ظنا منه أنه من القرءان فهذا أيضا يحكم عليه بالردة، أما من زاد حرفا في القراءة جهلا منه أو من أجل الصوت من غير أن يعتقد أنه قرءان فإنه لا يكفر [أي أن زيادة حرف في القرءان بلا اعتقاد أنه منه بل من أجل تحسين الصوت أو مع اعتقاد أنه منه جهلا فليس ذلك بردة].

   قال المؤلف رحمه الله: أو كذب رسولا أو نقصه أو صغر اسمه بقصد تحقيره.

   الشرح أن من كذب نبيا من أنبياء الله فقد ارتد، وكذلك الذي نقصه أي نسب إليه نقصا أو صغر اسمه بقصد التحقير وذلك كأن يسمي عيسى عييسى أو يقول عن موسى مويسى على وجه التحقير، أما من قال ذلك على وجه إظهار المحبة له فلا نكفره لكن يقال له حرام أن تصغر اسم نبي من أنبياء الله.

   قال المؤلف رحمه الله: أو جوز نبوة أحد بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

   الشرح أن من اعتقد أنه يجوز أن يأتي نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم أي أن ينزل وحي بالنبوة على شخص لم ينبأ قبل محمد كفر، وكذا لو شك بأن قال يجوز أن يكون فلان نزلت عليه النبوة.

   وقد ظهر جماعة يقال لها الأحمدية والقاديانية ءامنوا برجل اسمه غلام أحمد كان في الهند توفي منذ نحو قرن ونصف تقريبا يعتقدون أنه نبي مجدد، وأحيانا يقولون نبوته نبوة ظلية أي تحت ظل محمد أي ليس مستقلا إنما هو منتسب إلى سيدنا محمد، وكل هذا كفر، فإنه لا يجوز أن ينبأ شخص بعد محمد استقلالا ولا تجديدا لنبوة محمد. ويموهون على الناس لترويج دعوتهم هذه بقولهم إن معنى ﴿وخاتم النبيين﴾ [سورة الأحزاب/40] زينة النبيين، وينكرون أن معناه ءاخر الأنبياء، وتفسيرهم هذا فاسد لأن قولهم إن محمدا زينة النبيين كما أن الخاتم زينة ليد صاحبه ليس فيه مدح لسيدنا محمد، وهذا الوصف أنزله الله في القرءان تعظيما لسيدنا محمد ليس لخلاف ذلك؛ ثم إن الحديث النبوي الصحيح الذي رواه مسلم وغيره يبطل هذا التفسير ويهدمه فإنه صلى الله عليه وسلم قال «وختم بي النبيون» [أخرجه مسلم في صحيحه] وهذا يزيد معنى ﴿وخاتم النبيين﴾ وضوحا أنه بمعنى ءاخرهم أي بمعنى الآخر الذي لا نبي بعده، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء [أي تحكمهم] كلما هلك نبي [أي مات] خلفه نبي وإني خاتم النبيين فلا نبي بعدي»، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه عند السفر إلى تبوك «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» [رواه البخاري في صحيحه، استخلف موسى هارون عندما ذهب لمناجاة ربه إلى أن يعود. وكانت وفاة هارون قبل موسى]، وقوله صلى الله عليه وسلم «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال «الرؤيا الصالحة» رواه البخاري [في صحيحه، والرؤيا المنامية ثلاثة أقسام رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا أضغاث أحلام. ولا يكون المعبر للرؤيا المنامية إلا وليا وذلك بالإجماع كابن سيرين وقليلين غيره. ولم يشجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأولياء في أمته أبا بكر على تعبير المنام بل قال له لما فعل ذلك أصبت بعضا وأخطأت بعضا. كما روى ذلك البخاري في صحيحه] وقال بعض هؤلاء إن معنى قول النبي «لا نبي بعدي» لا نبي معي، فلا ينفي نبوة من يأتي بعده كغلام أحمد، وهذا يرد بما مضى من الأدلة وبقوله صلى الله عليه وسلم «لو كان بعدي نبي لكان عمر» رواه الترمذي [في سننه]، وبالحديث [الذي أخرجه البخاري في صحيحه] الذي فيه إخبار النبي أنه سيأتي بعده كذابون كل منهم يزعم أنه رسول الله ، فغلام أحمد داخل في هؤلاء لأن الرسول ذكر أنه يكون ثلاثون منهم من غير أن يفيد ذلك انحصارهم في ثلاثين فقط. ولم يدع في حياة رسول الله النبوة إلا الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب.

   قال المؤلف رحمه الله: والقسم الثاني الأفعال كسجود لصنم أو شمس إن قصد عبادتهما أو لم يقصد والسجود لإنسان إن كان على وجه العبادة له كسجود بعض الجهلة لبعض المشايخ المتصوفين على وجه العبادة لهم فإنه يكون عندئذ كفرا وإن لم يكن على وجه العبادة لهم لا يكون كفرا لكنه حرام.

   الشرح أن القسم الثاني من الردة الردة الفعلية وذلك كسجود لصنم وهو ما اتخذ ليعبد من دون الله إن كان من حديد أو جوهر أو خشب أو حجر أو غير ذلك، فمن سجد لصنم اعتقادا أو بغير اعتقاد فقد كفر، كذلك الذي يسجد للشمس ونحوها أو يسجد لأي مخلوق ءاخر لعبادته؛ أما من يسجد لملك أو نحوه على وجه التحية لا على وجه العبادة له فلا يكفر لكنه حرام في شرع نبينا محمد على الإطلاق، وكان جائزا في شرائع من قبله من الأنبياء السجود للإنسان على وجه التعظيم، فقد قال كثير من المفسرين إن سجود إخوة يوسف وأبويه ليوسف كان سجودا بوضع الجبهة على الأرض لأن ذلك كان جائزا في شرع يعقوب، وكذلك سجود الملائكة لآدم على أحد التفسيرين كان هذا السجود المعهود. ودليل تحريمه في شرع محمد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قدم من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «ما هذا؟» قال يا رسول الله رأيت أهل الشام يسجدون لبطارقتهم [وهم القواد في ذلك الزمن] وأساقفتهم [والأسقف من النصارى رئيس منهم والجمع أساقفة] وأنت أولى بذلك قال «لا تفعل، لو كنت ءامر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، هذا الحديث رواه ابن حبان [في صحيحه] وابن ماجه [في سننه] وغيرهما وهو صحيح. وهذا التفصيل في السجود لغير الله هو في سجود إنسان لإنسان أما في سجود الشخص للصنم فإنه لا تفصيل فيه فمن رأيناه يسجد لصنم كفرناه ولا نسأله هل نويت به عبادته أم نويت غير ذلك. والعبادة نهاية التذلل. وهذا هو المراد في نحو قول الله تعالى ﴿إياك نعبد﴾ وكذلك هو المراد في قول المشركين الذين حكى الله قولهم ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر/3] لأن هؤلاء كانوا يتذللون غاية التذلل لأوثانهم وهذه هي العبادة التي هي شرك. وقد تطلق العبادة بمعنى القربة من القرب كالصلاة والذكر وذلك كحديث «الدعاء مخ العبادة» المعنى أن الدعاء أي الرغبة إلى الله في طلب حاجة أو دفع شر من أعظم ما يقرب إلى الله وليس معنى هذا الحديث ما تدعيه الوهابية من أن التوسل بالرسول والولي من عبادة غير الله التي هي شرك. هم يحتجون بهذا الحديث الدعاء مخ العبادة لتحريم قول المسلم يا رسول الله أغثني أو اللهم أسألك بجاه رسول الله كذا وكذا، يقولون هذا كقول المشركين ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ وكذبوا فإن أولئك كانوا يتذللون للأوثان غاية التذلل ويقولون نحن نعبد هؤلاء أي نخضع لهم ونتذلل غاية التذلل ليقربونا إلى الله وفرق كبير بينهم وبين المسلم الذي لا يتذلل غاية التذلل إلا لله ويستغيث بالأنبياء والأولياء ليقضي الله حاجاته أو يدفع عنه الكرب، لأن هؤلاء ما تذللوا غاية التذلل للأنبياء والأولياء إنما يتشفعون بهم إلى الله. ولو عرفت الوهابية معنى العبادة في لغة العرب لما قالوا ذلك لكنهم جاهلون، لأن زعيمهم محمد بن عبد الوهاب لم يكن عالما فقيها ولا محدثا ولا مفسرا بل كان أبوه غاضبا عليه لأنه لم يشتغل بالعلم كعادة أسلافه، لأن أباه وجده كانا عالمين بالمذهب الحنبلي ولا يشهد له أحد من علماء الحنابلة في عصره بالعلم ولا أدخله أحد في طبقات فقهاء الحنابلة؛ وقد ألف العالم الجليل الحنبلي محمد بن حميد مفتي الحنابلة بمكة المكرمة كتابا في طبقات الحنابلة من رجال ونساء جمع ثمانمائة عالم وعالمة في كتاب سماه «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» وذكر فيه أباه عبد الوهاب وأخاه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب. وكانت وفاة الشيخ محمد بن حميد بعد ابن عبد الوهاب بنحو ثمانين سنة، وأما وصف بعض أتباعه له بالعالمية فلا اعتداد به.

   هذا وإني لأعجب من هؤلاء الذين يكفرون المسلمين لمجرد التمسح بقبر ولي أو قولهم يا رسول الله المدد، فإذا كان الرسول لم يكفر معاذا حين سجد له والسجود من أعظم مظاهر التعظيم فكيف يكون ذلك كفرا عندهم، سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومن الكفر الفعلي إلقاء المصحف أو نحوه مما فيه شىء من القرءان أو رمي اسم معظم أي كاسم محمد مرادا به الرسول واسم عيسى مرادا به المسيح ابن مريم عليه السلام أو من الحديث أو من علم شرعي بقاذورة أو قذر طاهر كمخاط أو بزاق لأن فيه استخفافا بالدين، ومماسته بشىء من ذلك كفر أيضا. وليس الحكم كذلك إذا كان هذا الاسم المعظم من نحو محمد مرادا به غير اسم النبي فإنه لا يكون إلقاؤه في القاذورة كفرا ولا حراما إلا أنه مكروه [لأن فيه امتهانا لحروف اللغة العربية] كمحمد بن أبي بكر وعيسى بن عمر هذا لو رماه الشخص في القاذورة لا يحرم.

   وفي شرح الرملي [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج] مع المتن: «(كإلقاء مصحف) أو نحوه مما فيه شىء من القرءان بل أو اسم معظم أو من الحديث، قال الروياني: أو من علم شرعي (بقاذورة) أو قذر طاهر كمخاط أو بزاق أو مني لأن فيه استخفافا بالدين، وقضية إتيانه بالكاف في الإلقاء أن الإلقاء ليس بشرط وأن مماسته بشىء من ذلك القذر كفر أيضا، وفي هذا الإطلاق وقفة، فلو قيل تعتبر قرينة دالة على الاستهزاء لم يبعد» اهـ. ثم ذكر الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته عدم التكفير لمن بصق على لوح فيه قرءان ليمحوه نظرا إلى أنه ليس فيه قصد استخفاف وذلك لأن هناك قرينة ظاهرة على عدم قصد الاستخفاف، وهذا محمول على ما إذا لم يتعمد البصاق على لفظ الجلالة. وذلك لأن المعتاد في كثير من البلدان في الكتاب أن متعلمي القرءان يكتبون درسا منه في اللوح ثم يحفظونه ثم يمحون هذا بخرقة يبصقون بها بقصد أن يكتبوا درسا جديدا من القرءان وهذا بعيد من الاستخفاف ولكنه حرام. عندنا في بلادنا في الكتاب كنا نمحو الدرس الذي على اللوح بالماء ويمكن في بعض البلاد التلاميذ كانوا يبصقون على اللوح ليمحوا الكلمات القرءانية التي في اللوح لأجل أن يكتبوا الدرس الجديد.

   وأما إلقاء موسى عليه السلام لألواح التوراة فإنه كان ناسيا حين ألقاها أنها في يده، وهو لم يلقها على وجه الاستهزاء بها ولم يلقها على مستقذر.

   وأما ما يفعله بعض الناس عند قلب أوراق المصحف من بل الإصبع بريق خفيف وقلب أوراق المصحف فإن كان مجرد أثر بلل يساعد على قلب الورقة من غير أن يلصق بأوراق المصحف شىء من جرم الريق فليس حراما، أما إن كان يلصق بأوراق المصحف شىء فحرام.

   قال المؤلف رحمه الله: والقسم الثالث الأقوال وهي كثيرة جدا لا تنحصر منها أن يقول لمسلم يا كافر أو يا يهودي أو يا نصراني أو يا عديم الدين مريدا بذلك أن الذي عليه المخاطب من الدين كفر أو يهودية أو نصرانية أو ليس بدين لا على قصد التشبيه.

   الشرح أن الألفاظ التي يكفر من قالها ولو لم يكن معتقدا معاني تلك الألفاظ كثيرة كقول الشخص لمسلم يا كافر أو يا نصراني أو يا يهودي أو يا عديم الدين مريدا بذلك أنه ليس على دين الإسلام، فذلك ردة تخرج قائلها من الدين، وأما من قال هذه الكلمات الأربع متأولا أي أنك تشبه الكافر في خساسة أعمالك أو أنك تشبه اليهود أو النصارى لسوء عملك أو أنك تعامل المسلمين كأنك كافر أو أنك كمن لا دين له أي أنه ليس عاملا بالدين كما ينبغي لأن المسلم الكامل هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فلا يكفر لكن هذا حرام يفسق قائله.

   قال المؤلف رحمه الله: وكالسخرية باسم من أسمائه تعالى أو وعده أو وعيده ممن لا يخفى عليه نسبة ذلك إليه سبحانه.

   الشرح أن من سخر باسم من أسماء الله أي استهزأ أو سخر بوعد الله تعالى للمؤمنين بالجنة وما أعد فيها، أو سخر بوعيد الله للكافرين والعصاة بعذاب الآخرة وكان ذلك الوعد أو الوعيد الذي سخر به شيئا ليس خافيا على الذي يسخر بل هو عالم بوروده في دين الإسلام فقد كفر، وذلك كقول بعض السفهاء عند ذكر جهنم «نتدفأ بها في ذلك اليوم» لأن هذا يتضمن تكذيب الله تعالى فيما أخبر به من شدة نار جهنم. وأما من أنكر أو سخر بنوع من الوعيد يجهله مما هو غير ظاهر بحيث يشترك في معرفته العالم والجاهل فلا نكفره، كأن أنكر وجود عقارب في جهنم. وكذلك لا يكفر من كان قريب عهد بإسلام فأنكر جهنم أي ما كان يسمع بأن المسلمين يعتقدون بوجود جهنم دينا لهم، أما الذي كان يسمع بأن المسلمين يعتقدون بوجود جهنم ومع ذلك أنكرها فهذا يكفر.

   تنبيه ليس من الاستخفاف بوعيد الله سب جهنم لأن جهنم ليست معظمة إنما هي شىء شديد، ولو كانت معظمة ما كنا نقول اللهم أجرنا من النار بل يجوز أن يقال عن جهنم إنها خبيثة، إنما الكفر أن يقال عنها ليست بشىء أو هي شىء خفيف. جهنم يستعاذ بالله منها فإن من جملة ما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته أن يقولوه في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم. والله عز وجل ذم جهنم بقوله ﴿وبئس القرار﴾ [سورة إبراهيم/29] وبقوله ﴿وسآءت مصيرا﴾ [سورة النساء/97] فلا يجوز أن يقال مثلا وحق جهنم لأنها ليس لها شرف وكلمة «وحق كذا» تشعر بشرف الشىء المذكور، وأما الحلف بحق النبي أو بحق الولي الفلاني فيكره كراهة شديدة على قول ويحرم على قول وإن كان يجوز التوسل بحق النبي وحق الولي لصحة حديث السؤال بحق السائلين.

   قال المؤلف رحمه الله: وكأن يقول: لو أمرني الله بكذا لم أفعله أو لو صارت القبلة في جهة كذا ما صليت إليها أو لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها مستخفا أو مظهرا للعناد في الكل.

   الشرح أن قائل هذه الألفاظ يكفر إن قالها على وجه الاستخفاف بأمر الله الذي أمر به عباده أو على وجه الاستخفاف بالقبلة أو على وجه الاستخفاف بالجنة أو على وجه العناد. وفي الغالب هذه العبارات لا تكون إلا للاستخفاف لكن قد يقولها بعضهم ولا يفهم منها الاستخفاف [وكذلك من أمره شخص بالصلاة فقال لو كانت القبلة في جهة كذا ما صليت إليها يريد بذلك أنه من شدة كسله لا يصلي مهما كان ذلك سهلا من غير قصد الاستخفاف ولا العناد ومع كونه يحب أمر الله فإنه لا يكفر وأما الذي يقول أي لفظ من هذه الألفاظ الثلاثة استخفافا بأمر الله وشرعه أو عنادا فإنه يكفر بلا شك].

   قال المؤلف رحمه الله: وكأن يقول: لو ءاخذني الله بترك الصلاة مع ما أنا فيه من المرض ظلمني.

   الشرح لو أن شخصا مريضا ضجر من مرضه فقيل له صل لا تترك الصلاة فإنها فرض عليك فقال «لو ءاخذني الله على ترك الصلاة وأنا على هذه الحال لكان ظالما» كفر لأن في ذلك استخفافا بالله تعالى وتكذيبا لقول الله ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [سورة فصلت/46].

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال لفعل حدث هذا بغير تقدير الله، أو لو شهد عندي الأنبياء أو الملائكة أو جميع المسلمين بكذا ما قبلتهم، أو قال لا أفعل كذا وإن كان سنة بقصد الاستهزاء، أو لو كان فلان نبيا ما ءامنت به.

   الشرح أنه لو قيل لشخص حدث هذا بتقدير الله كل شىء بتقدير الله فقال «أنا فعلته بغير تقدير الله أنا فعلته ولم يقدره الله تعالى» فقد كفر، وهذا عام للفعل الذي هو خير والذي هو شر لأن كل ما يعمله العبد بتقدير الله تعالى. وتقدير الله للشر ليس شرا إنما الشر هذا المقدر وهو فعل العبد لما نهاه الله عنه، فالعبد يلام وأما الله تعالى فلا يلام ولا يعترض على الله لتقديره لذلك الفعل. وكذلك خلق الله للشر ليس شرا قبيحا من الله إنما فعل القبيح قبيح من العبد. الله تعالى هو يخلق الشر كما يخلق الخير من أفعال العباد فخلق الله للشر الكفر والمعاصي والمكروه ليس شرا منه قبيحا بل يدل على كمال قدرة الله. خلق الله للشر كخلقه للخير إنما المقدور والمخلوق الذي قدره الله وخلقه الذي هو شر أي معصية أو مكروه قبيح من العبد فعله لأن خلق المتقابلات دليل على كمال قدرة الله كما أن خلقه للأدوية والسموم القتالة ليس قبيحا من الله بل دليل على كمال قدرة الله. فتقدير الله للشر ليس قبيحا بل حسن كما أن تقديره لعمل الخير حسن. وعلى هذا يفسر حديث [مسلم في صحيحه] «الإيـمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره» خيره وشره هنا وصف للمقدور ليس وصفا لقدر الله بمعنى تقديره لأن تقديره للخير والشر حسن ليس قبيحا منه إنما المقدور الذي هو شر قبيح من العبد فعله. وهكذا يقال في القضاء قضاء الله حسن ليس منه قبيحا كذلك خلق الله للشر الكفر والمعصية والمكروه ليس قبيحا من الله إنما فعل المخلوق ما هو شر قبيح من العبد أما من الله فليس قبيحا بل دليل على كمال قدرته حيث إنه خلق المتقابلات ولم يختص خلقه بنوع من المتقابلات دون مقابلها. كذلك جعل بعض خلقه كافرا وبعض مؤمنا، خلقه للكافر ليس قبيحا منه بل منه حسن كما أن خلقه للمؤمن حسن منه، فالمقدور والمقضي والمخلوق الذي هو شر هو القبيح، أما تقدير الله وقضاؤه وخلقه لذلك فليس قبيحا لأن ذلك فعل الله. هذا خلاف قول المجوس والثنوية فإنهم جعلوا مدبرين للعالم مدبر الخير وهو الله ومدبر الشر وهو الشيطان على قول أحد الفريقين والظلمة على قول الفريق الآخر. الله أبطل هذا بقوله ﴿الله خالق كل شىء﴾ [سورة الزمر/62]، وقوله ﴿قل الله خالق كل شىء﴾ [سورة الرعد/16].

   وكذلك من قال «لو شهد عندي الأنبياء أو الملائكة أو جميع المسلمين بكذا ما قبلتهم» هو كافر مرتد بلا تفصيل لأن كلامه يشمل المسلمين السابقين واللاحقين.

   وكذلك يكفر من قال «لا أفعل كذا وإن كان سنة» بقصد الاستخفاف بسنة رسول الله، وأما من لم يقصد الاستخفاف بالسنة بل يقصد أنه لا يفعل لأجل قول شخص له «افعل كذا» أي أنه لا ينفذ أمر هذا الشخص فلا يكفر، كما لو قيل لشخص «لم تترك رواتب الفرائض ولا تصليها وتقتصر على الفرائض»؟ فقال «لا أصليها وإن كانت سنة» ولم يقصد بذلك الاستخفاف بها فلا يكفر.

   ومثل ذلك لو قيل لشخص «لم لا تستعمل السواك أو لم لا تقلم أظفارك فإنه سنة»؟ فقال «أنا لا أفعل ذلك وإن كان سنة» ولم يقصد الاستخفاف فإنه لا يكفر.

   ويكفر من قال «لو كان فلان نبيا ما ءامنت به» [لأنه استخفاف بمنصب النبوة].

   قال المؤلف رحمه الله: أو أعطاه عالم فتوى فقال: أيش هذا الشرع مريدا الاستخفاف بحكم الشرع.

   الشرح أن من قال هذه الكلمة بقصد الاستخفاف بحكم الشرع كفر، أما من لم يقصد الاستخفاف بحكم الشرع إنما قصد الإنكار على هذا المفتي الذي أفتى فتوى باطلة لأنه أراد أن ينسبه إلى أنه غير موافق لشرع الله في فتواه فقال هذه الكلمة بقصد الاستخفاف بكلام هذا المفتي كأنه يقول: أيش هذا الذي تزعمه شرعا وليس بشرع فلا يكفر، وباطن كلامه أن هذا ليس شرع الله إنما رأيك يا أيها المفتي. وكلمة أيش أصلها أي شىء.

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال لعنة الله على كل عالم مريدا الاستغراق الشامل، أما من لم يرد الاستغراق الشامل لجميع العلماء بل أراد لعن علماء زمانه وكانت هناك قرينة تدل على ذلك لما يظن بهم من فساد أحوالهم فإنه لا يكفر وإن كان كلامه لا يخلو من المعصية.

   الشرح هذه الكلمة ردة إذا فهم منها الشمول والاستغراق، والاستغراق معناه التعميم. أما من لم يرد الاستغراق الشامل لجميع العلماء بل أراد لعن علماء زمانه أو أهل ناحيته أو طائفة من العلماء لأنه لا يعلم فيهم خيرا وكانت هناك قرينة تدل على ذلك فإنه لا يكفر حتى لو قال «لعنة الله على كل عالم في هذا الزمن» لأنه يعتقدهم فاسدين وإن كان كلامه لا يخلو من المعصية، فالذي يقول لعنة الله على كل عالم مع وجود قرينة تدل على أنه ما أراد الشمول كأن كان ذكر هو أو غيره علماء فاسدين فقال لعنة الله على كل عالم فيحمل كلامه على كل عالم يكون من هذا الصنف فلا يكفر، وأما إذا قال هذه الكلمة من غير قرينة ما فإنه يكفر، والقصد وحده عندئذ بلا قرينة لا يدفع عنه التكفير، والذي لا يكفره في هذه الحال هو يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال أنا برىء من الله أو من الملائكة أو من النبي أو من الشريعة أو من الإسلام.

   الشرح أن قائل هذه الكلمات يكفر ولو كان في حال الغضب لأن الغضب ليس عذرا كما تقدم ولو لم يقصد المعنى، ولكن من قال أنا برىء من النبي إذا قال أنا أردت الأرض المرتفعة ما أردت نبينا محمدا لا نكفره إن كان صادقا فيما يقول.

   والشريعة هي ما شرعه الله للأنبياء وهي الأحكام التي تنزل بالوحي، ثم تختلف باختلاف مصالح العباد على حسب ما أراد الله فهو تعالى يغيرها. وأما الدين فهو العقيدة ودين الأنبياء واحد هو الإسلام. وكذلك الكليات الخمس [والكليات معناه قواعد شاملة] لا تختلف فيها شرائع الأنبياء وهي: حفظ المال والنسب والعقل والدين والنفس.

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال لا أعرف الحكم مستهزئا بحكم الله.

   الشرح أن من قال لا أعرف الحكم بعدما يحكم عليه قاض شرعي مثلا بحكم شرعي وكان قصده الاستخفاف بالشرع وأن هذا الحكم لا يعتبره فإنه كافر مرتد.

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال وقد ملأ وعاء ﴿وكأسا دهاقا﴾ [سورة النبإ/34].

   الشرح أن من قال وهو يملأ وعاء شرابا ﴿وكأسا دهاقا﴾ بقصد الاستخفاف بما وعد الله به المؤمنين في الجنة من الكأس الممتلئة شرابا هنيئا فقد كفر لأن معنى كلامه أن ذاك الذي ذكره الله مثل هذا الذي أنا أملؤه.

   ومعنى ﴿وكأسا دهاقا﴾ أي كأسا ممتلئة بالشراب [الوعاء إذا كان فيه شراب يقال له كأس، وإذا لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا بل يقال له قدح أو إناء].

    قال المؤلف رحمه الله: أو أفرغ شرابا فقال ﴿فكانت سرابا﴾ [سورة النبإ/20].

   الشرح أن من قال وهو يفرغ شرابا كأن كان هناك شراب في إناء ثم حوله إلى إناء ءاخر فقال ﴿فكانت سرابا﴾ استخفافا بالآية كفر. وهذه الآية معناها الجبال عندما تسير يوم القيامة تكون كالسراب معناه تمر مرورا سريعا كما أن السراب كلما اقتربت منه يبعد. فمن أورد هذه الآية عند إفراغ الشراب وقصد بذلك أن هذا الذي يحصل يوم القيامة ما له شأن يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: أو عند وزن أو كيل ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [سورة المطففين/3].

   الشرح أن من قال عندما يزن شيئا أو يكيل شيئا ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ بقصد الاستخفاف بمعنى الآية كفر. وهذه الآية معناها ذم للذين إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون عليهم.

   قال المؤلف رحمه الله: أو عند رؤية جمع ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ [سورة الكهف/47].

   الشرح أنه كذلك الذي يقول عند رؤية جمع من الناس كثير ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ بقصد الاستخفاف بهذه الآية فقد كفر. وهذه الآية معناها حشر الناس يوم القيامة فقد أخبر الله تعالى أنهم يحشرون ولا يترك منهم أحد أي كلهم يحشرون.

   قال المؤلف رحمه الله: بقصد الاستخفاف في الكل بمعنى هذه الآيات، وكذا كل موضع استعمل فيه القرءان بذلك القصد فإن كان بغير ذلك القصد فلا يكفر لكن قال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي: لا تبعد حرمته.

   الشرح يقول الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي [في الإعلام بقواطع الإسلام]: إيراد الآيات في هذه المواضع لو لم يكن على وجه الاستخفاف لا يبعد أن نحكم عليه بالحرمة [أي الحكم عليه أنه حرام قريب] لأنه إساءة أدب مع القرءان، فإن كان على وجه الاستخفاف فهو كفر.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذا يكفر من شتم نبيا أو ملكا أو قال: أكون قوادا إن صليت أو ما أصبت خيرا منذ صليت أو الصلاة لا تصلح لي بقصد الاستهزاء.

   الشرح أن قائل هذه الكلمات يخرج من الإسلام ولا فرق في سب الملك بين أن يكون ذلك الملك جبريل أو عزرائيل أو غيرهما.

ومثله الذي يقول «أكون قوادا إن صليت» فإنه استهزأ بالصلاة واستخف بها ولذلك يكفر [والقواد هو الذي يجلب الزبائن للزانيات، أما رجلة النساء فهي التي تتشبه بالرجال، وأما الديوث فهو الذي يعرف الزنى في أهله ويسكت عليه مع استطاعته على منع ذلك]. وكذلك الذي يقول «ما أصبت خيرا منذ صليت»، ومثل ذلك قول بعض العوام: صم وصل تركبك القلة إن أراد بذلك الاستهزاء بالصلاة وهذا حال أكثر من يلهج بهذه الكلمة هذه الأيام [أما إن أراد أن المؤمن كلما اجتهد في العبادة يكثر عليه البلاء فهذا لا يكفر].

   وكذلك الذي يقول «الصلاة لا تصلح لي» بقصد الاستهزاء، أما لو قالت امرأة حائض «الصلاة لا تصلح لي» وقصدها أنه لا تجوز لها الصلاة في أيام الحيض فإن ذلك ليس ردة، وكذلك لو قال ذلك إنسان مبتلى بسلس البول جاهل لا يعرف أحكام السلس يظن أنه لا يصلي في حكم الشرع حتى يذهب عنه السلس فلا نكفره.

   قال المؤلف رحمه الله: أو قال لمسلم: أنا عدوك وعدو نبيك، أو لشريف أنا عدوك وعدو جدك مريدا النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول شيئا من نحو هذه الألفاظ البشعة الشنيعة.

   الشرح أن من ألفاظ الكفر المثبتة للردة أن يقول شخص لمسلم «أنا عدوك وعدو نبيك»، والاستخفاف في هذا ظاهر فلذلك يكفر قائله. وقد قال العلماء منهم أبو يوسف القاضي وابن سحنون المالكي بكفر ساب النبي قال ابن سحنون: «من شك في كفره وعذابه كفر» اهـ بل نقل الإجماع على ذلك، فإن كان هذا في ساب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف في ساب الله تعالى.

   وكذلك يكفر الذي قال لشريف أي لإنسان حسني أو حسيني أي المنسوب إلى الحسن أو الحسين اللذين هما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ابنا بنته فاطمة «أنا عدوك وعدو جدك» هذا إذا أراد النبي بقوله «جدك» عندئذ يكون كفرا، أما إذا أراد جدا له أدنى ولم يرد النبي فلا نكفره.

   وكذلك كل لفظ يدل على الاستخفاف بالنبي أو إلحاق نقص به عليه الصلاة والسلام أو بالله كالألفاظ التي تدل على تغير مشيئة الله الأزلية كأن تدل على أن الله شاء في الأزل حدوث شىء ثم فيما بعد غير تلك المشيئة، أو تدل على أن الله كان علم أن هذا الأمر كذا ثم علمه على خلاف ذلك فهذا كله كفر.

   مسئلة ما ذكر في حديث فترة الوحي من أن الرسول كان أراد أكثر من مرة أن يطلع على رأس جبل من جبال مكة فيلقي بنفسه فيبدو له جبريل فيقول يا محمد أنت رسول الله حقا، فمن زعم أنه كان أراد أن ينتحر جهلا منه بمعنى الحديث فهذا كافر. وهذا الحديث من مرسلات الزهري وليس معناه أن الرسول كان يريد أن يقتل نفسه بإلقاء نفسه من ذروة الجبل إنما مراده أن يخف عنه الوجد الذي لحقه بفتور الوحي عنه تلك المدة وهو يعلم أنه لا ينضر بذلك الإلقاء؛ فمن رأى هذا الحديث في كتاب من الكتب مؤولا على هذا التأويل الفاسد المذكور ءانفا فليحذر، فقد نقل ذلك التأويل الفاسد الحافظ ابن حجر عن بعض المحدثين، واعتقاد هذا المعنى الفاسد كفر وإلحاد لأن الانتحار أكبر المعاصي بعد الكفر فلا يتصور حصوله من الرسول لا سيما وأن جبريل يقول له يا محمد أنت رسول الله حقا. حصل من شاب طرابلسي يسكن فرنسا كان يتردد إلى بعض مجالس العلم أياما قلائل ثم صار يطالع في بعض الكتب من غير تأهل لذلك فوجد هذا الحديث ففسره بالانتحار فقال لبعض جماعتنا كيف تقولون الانتحار حرام والرسول أراد أن ينتحر؟ تهوره أوقعه في الكفر.

   ومن الألفاظ الكفرية قول بعضهم: كان الله يريد أن يخلق فلانة ذكرا ثم خلقها أنثى وعكسه، فإن في ذلك نسبة الجهل إلى الله ونسبة تغير المشيئة الأزلية، والله لا يجوز عليه التغير في ذاته أو في صفة من صفاته لأن التغير علامة الحدوث والحدوث ينافي الألوهية، وما يوهم ظاهره من النصوص خلاف ذلك هو متأول لا يراد به ذلك الظاهر وذلك كقوله تعالى ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [سورة الأنفال/66] فليس مراد الله به أنه لم يكن يعلم في الأزل أنه سيلحقهم ضعف إنما حدث له بعد ذلك علم ذلك لأن هذا فيه نسبة الجهل إلى الله، إنما قوله ﴿وعلم أن فيكم ضعفا﴾ أي لأنه علم بعلمه الأزلي أن فيكم ضعفا فقوله «وعلم» ليس مرتبطا بالآن الذي هو الوقت الحاضر، فمعنى الآية أنه نسخ ما كان واجبا عليهم من مقاومة واحد من المسلمين عشرة من الكفار بإيجاب مقاومة واحد اثنين من الكفار رحمة بهم للضعف الذي فيهم. وهكذا كل ءاية ظاهرها يوهم حدوث صفة لله تعالى لم تكن في الأزل ليس المراد بها ظاهرها. أي ليس المعنى أن الله علم الآن فخفف عنكم لضعفكم كما قد يتوهم متوهم من ظاهر اللفظ إنما الآن مرتبط بخفف فيكون المعنى أن الله علم بعلمه الأزلي أنكم تضعفون عن المثابرة أي عن المداومة على مقاتلة الواحد عشرة من الكفار وجوبا فخفف الآن ذلك فصار الواجب مقاومة الواحد لاثنين من الكفار وجوبا وفرضا. والحكم إلى الآن على هذا، المسلم يحرم عليه أن يفر من اثنين من الكفار بشرط أن يكون معه من السلاح ما يقاوم به الاثنين، أما الثلاثة فما فوقهم يجوز للمسلم أن يفر منهم أما إذا لم يكن مع هذا الواحد من السلاح ما يقاوم به الاثنين من الكفرة فلا يجب عليه الثبات في قتالهما. فتعلق التخفيف في ذلك الوقت معناه عند الأشاعرة الآن وقت تعلق أثر إرادة الله تعالى لوجود الخفة عليكم، لأن التخفيف عند الأشاعرة ليس صفة ذاتية لله إنما هي من متعلقات الإرادة لأن صفات المعاني الأزلية القائمة بذات الله عند الأشاعرة هي الصفات الثمانية القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والعلم والحياة والبقاء وهذا ما عليه الإمام أبو الحسن الأشعري والأكثرون من الأشاعرة، أما بعض المتأخرين من الأشاعرة فجعلوا البقاء من الصفات السلبية ولم يعدوه من صفات المعاني القائمة بذات الله. الأشاعرة اصطلحوا على أن هذه الثمانية صفات قائمة بذات الله وهي أزلية أبدية وما سوى ذلك من الإحياء والإماتة والرزق والإسعاد والإشقاء ليست صفات أزلية قائمة بذات الله ويسمونها صفات الأفعال. وأما عند الماتريدية فصفات الله القائمة بذات الله لا تحصى فالإسعاد والإشقاء والإماتة والإحياء والرزق والتخفيف والإبداع والتكوين ونحو ذلك صفات قديـمة أبدية إنما متعلقها حادث وعلى هذا البخاري، قال البخاري في كتاب التوحيد «الفعل صفته في الأزل والمفعول حادث»، وعلى هذا كان بعض قدماء الأشاعرة، فعلى مذهب الماتريدية يقال صفات الله لا تدخل تحت حصر، ومن أخذ بأي من المذهبين فهو من أهل الحق ليس على بدعة ولا ضلالة.

   قال صاحب بدء الأمالي من الحنفية الماتريدية: [الوافر]

صفات الذات والأفعال              طرا قديـمات مصونات الزوال

   هذا التعبير بمصونات الزوال فيه بشاعة فلو قيل محل «مصونات الزوال» «تنزه عن زوال» لكانت العبارة صحيحة سالمة عن البشاعة، لأن مصونات يوهم أنها ممكنة الزوال، لكن تصان عن الزوال، وأما تنزه عن زوال فالمعنى نحن ننزهها عن الزوال أي نقول أبدية لا تفنى. وهذه المنظومة مشهورة عند الحنفية يقال لها قصيدة بدء الأمالي أولها:

يقول العبد في بدء الأمالي                     بتوحيد كنظم من لآلي

   أي قصيدة منظومة تشبه اللآلئ.

   قال المؤلف رحمه الله: وقد عد كثير من الفقهاء كالفقيه الحنفي بدر الرشيد، والقاضي عياض المالكي رحمهما الله أشياء كثيرة فينبغي الاطلاع عليها فإن من لم يعرف الشر يقع فيه.

   الشرح أن بعض الفقهاء من شافعيين ومالكية وغيرهم ذكروا كثيرا مما هو ردة وأكثرهم تعدادا الحنفية، أما بدر الرشيد فهو فقيه حنفي من أهل القرن الثامن الهجري ألف رسالة في ألفاظ الكفر، وأما القاضي عياض فهو مالكي توفي في القرن السادس، وقال الحافظ الفقيه اللغوي الحنفي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه: «وقد ألف فيها غير واحد من الأئمة من المذاهب الأربعة رسائل وأكثروا في أحكامها» اهـ. كل من المذاهب الأربعة ألف بعض فقهائه رسائل في بيان الكفريات لأنه كان ظهر في عصورهم كلمات بين الناس هي كفر، فأرادوا إنقاذ الناس من خطرها فألفوا تلك الرسائل، وهذا من أفضل الأعمال لأن في ذلك إنقاذا لمن حصلت منه تلك الكلمات من الكفر إلى الإيـمان وتحذيرا لمن لم يقع فيها حتى لا يقع فيها. وقد أكثر يوسف الأردبيلي الشافعي في كتابه «الأنوار لأعمال الأبرار» من تعداد الألفاظ المكفرة بعضها بالعربية وبعضها بالفارسية لأن كثيرا من الشافعية فارسيون. وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان «لو كان العلم معلقا بالثريا لناله رجال من فارس». فأكثر الفقهاء والمحدثين ممن سوى العرب هم من فارس، وظهر فيهم في الماضي شموس علم وبدور.

   قال المؤلف رحمه الله: والقاعدة أن كل عقد أو فعل أو قول يدل على استخفاف بالله أو كتبه أو رسله أو ملائكته أو شعائره أو معالم دينه أو أحكامه أو وعده أو وعيده كفر، فليحذر الإنسان من ذلك جهده على أي حال.

   الشرح أن ما كان دالا على الاستخفاف والاستهزاء بالله وأمور الدين هو كفر، أما ما كان دالا على الاستهانة التي هي دون الاستخفاف أي ما كان فيه إخلال بالتعظيم والأدب فإنه حرام كمن يمس المصحف وهو على غير وضوء.

   وهذا المذكور هنا من التفريق بين الاستخفاف والاستهانة لا يتمشى مع تفسير صاحب القاموس للاستهانة وكذلك شارحه بأنها الاستخفاف فهما مترادفان على قولهما، لكنه يتمشى مع قول بعض كالنووي فليعلم ذلك.

   والعقد معناه الاعتقاد، والشعائر والمعالم بمعنى واحد. المعالم جمع معلم، والمعلم بمعنى الشعيرة وهو ما كان مشهورا من أمور الدين كالصلاة والحج والزكاة والأذان والمساجد وعيد الأضحى وعيد الفطر. وكل ذلك يسمى شعيرة من شعائر الدين.

   وقال الفقهاء: يستثنى من الكفر القولي

حالة سبق اللسان: أي أن يتكلم الشخص بشىء من ذلك من غير إرادة بل جرى على لسانه ولم يقصد قوله بالمرة.

وحالة غيبوبة العقل: أي عدم صحو العقل.

وحالة الإكراه: فمن نطق بالكفر بلسانه مكرها بالقتل ونحوه [أي ما كان مفضيا إلى الموت عادة] وقلبه مطمئن بالإيـمان غير شارح صدره بالكفر الذي يجري على لسانه فلا يكفر.

   تنبيه ينبغي أن يضاف إلى قولهم: مستثنى من الحكم بالتكفير من نطق بكلمة الردة حالة الإكراه وحالة سبق اللسان وحالة غيبوبة العقل كلمات وهي: تستثنى حالة الحكاية لكفر الغير فلا يكفر الحاكي كفر غيره ومستندنا في هذا أي في استثناء مسئلة الحكاية قول الله تعالى ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [سورة التوبة/30]. وقوله ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ [سورة المائدة/64] نسبوا إلى الله البخل فرد الله عليهم بقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [سورة المائدة/64] أي واسع الكرم.

  ثم الحكاية المانعة لكفر حاكي الكفر إما أن تكون في أول الكلمة التي يحكيها عمن كفر أو بعد ذكره الكلمة عقبها أي وكان في نيته أن يؤخر أداة الحكاية من الابتداء، فلو قال المسيح ابن الله قول النصارى أو قالته النصارى فهي حكاية مانعة للكفر عن الحاكي، فأداة الحكاية لكلمة الكفر إن قدمت فهي أحسن وإن أخرت نفعت لدفع الكفر عن الحاكي. وهكذا الحكم في الكتابة فمن كتب كلاما فيه كفر مع أداة الحكاية قبل الكلام الذي هو كفر أو بعده متصلا به وكان ناويا قبل أن يكتب كلام الكفر أن يتبعه بالحكاية فلا يكفر [قد تكون أداة الحكاية تقديرية كالذي يقول ماذا تقول اليهود في عزير؟ فقال: ابن الله، فلا يشترط أن يقول يقولون ابن الله لأن الحكاية هنا تقديرية].

وتستثنى حالة كون الشخص متأولا باجتهاده في فهم الشرع فإنه لا يكفر المتأول كتأول الذين منعوا الزكاة في عهد أبي بكر بأن الزكاة وجبت في عهد الرسول لأن صلاته عليهم عند دفع الزكاة إليه كانت سكنا لهم وطهرة وأن ذلك انقطع بموته، فإن الصحابة لم يكفروهم لذلك إنما كفروا الآخرين الذين ارتدوا عن الإسلام لطاعتهم لمسيلمة الكذاب الذي ادعى الرسالة، فمقاتلتهم لهؤلاء الذين تأولوا منع الزكاة على هذا الوجه كان لأخذ الحق الواجب عليهم في أموالهم، فقد كان لهم شوكة ولجأوا إلى القتال، فاضطر أبو بكر إلى أن يقاتلهم ليأخذ الزكاة من أموالهم لا لأنه كفرهم، وذلك كقتال البغاة فإنهم لا يقاتلون لكفرهم بل يقاتلون لردهم إلى طاعة الخليفة كالذين قاتلهم سيدنا علي في الوقائع الثلاث وقعة الجمل ووقعة صفين ووقعة النهروان، على أن من الخوارج صنفا هم كفار حقيقة فأولئك لهم حكمهم الخاص.

   قال الحافظ أبو زرعة العراقي في نكته »وقال شيخنا – يعني البلقيني – أيضا: ينبغي أن يقال بلا تأويل ليخرج البغاة والخوارج الذين يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم ويعتقدون تحريم دمائهم على أهل العدل والذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروهم« اهـ، وهذا شاهد من منقول المذهب لمسئلة التأويل بالاجتهاد. أولئك الذين ظهروا في الصدر الأول كانوا على قسمين قسم يكفرون أهل السنة قاطبة ويستحلون دماءهم كالخوارج الذين يكفرون كل من عداهم فهؤلاء كفار، وقسم كالخوارج الذين يكتفون بتكفير مرتكب الكبيرة فهؤلاء الذين لم يكفرهم الصحابة وإنما فسقوهم [ومن هؤلاء الخوارج قاتل سيدنا علي رضي الله عنه وقد مدحه رجل ءاخر من الخوارج فقال:

يا ضربة من تقي ما أراد بها                   إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

   فلعنة الله على القاتل وعلى هذا الذي مدحه، هذا المادح يسمى عمران بن حطان كان ظاهره حسنا ثم كفر، الله يحسن عاقبتنا].

   فالخارجي الذي يكفر أهل السنة قاطبة ويستحل دمهم فهو كافر، وأما الخارجي الذي يكفر مرتكب الكبيرة فهذا الذي لم يكفروه ولكن فسقوه.

   وقولنا في الخوارج باستثناء بعضهم من الذين لم يكفروا لثبوت ما يقتضي التكفير في بعضهم كما يؤيده قول بعض الصحابة الذين رووا أحاديث الخوارج.

   وأما ما يروى عن سيدنا علي من أنه قال: «إخواننا بغوا علينا» فليس فيه حجة للحكم على جميعهم بالإسلام لأنه لم يثبت إسنادا عن علي، وقد قطع الحافظ المجتهد ابن جرير الطبري وغيره بتكفيرهم [انظر فتح الباري]، وحمل ذلك على اختلاف أحوال الخوارج بأن منهم من وصل إلى حد الكفر ومنهم من لم يصل.       

   ومما يشهد من المنقول في مسئلة الاجتهاد بالتأويل وحكاية الكفر قول شمس الدين الرملي في شرحه على منهاج الطالبين في أوائل كتاب الردة في شرح قول النووي: «الردة قطع الإسلام بنية أو قول كفر» [لأن اجتماع القول مع النية ليس شرطا بل كل واحد منهما كاف] ما نصه: «فلا أثر لسبق لسان، أو إكراه، واجتهاد، وحكاية كفر» اهـ. وقول المحشي نور الدين علي الشبراملسي المتوفى سنة ألف وسبع وثمانين عند قول الرملي «واجتهاد» ما نصه «أي لا مطلقا كما هو ظاهر لما سيأتي من نحو كفر القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد والاستدلال» اهـ.

   وقال المحشي الآخر على الرملي أحمد بن عبد الرزاق المعروف بالمغربي الرشيدي المتوفى سنة ألف وست وتسعين «قوله «واجتهاد» أي فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه بدليل كفر نحو القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد» اهـ [والمحشي معناه الذي عمل الحاشية والحاشية كالشرح لكن الحاشية لا تستوعب حل ألفاظ المتن جميعها إنما تحل بعض الألفاظ فيقال لمن عمل حاشية على كتاب محش، شرح الرملي على منهاج الطالبين عمل عليه حاشيتان مطبوعتان مع الكتاب].

   المراد أن الاجتهاد ليس في كل موضع عذرا يمنع التكفير بل شرطه أن لا يكون في القطعيات فالاجتهاد في القطعيات إذا أدى بصاحبه إلى الكفر لا يعذر أي لا يقال اجتهد فأخطأ فلا يكفر، لأن كثيرين من المنتسبين إلى الإسلام اجتهدوا في القطعيات فدخلوا في الكفر فلا يعذرون بل يكفرون ويجرى عليهم أحكام المرتد كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام وهم خارجون من الإسلام كأبي علي بن سينا والفارابي وابن رشد الحفيد، هؤلاء مالوا إلى القول بقدم العالم فلا يعذرون بل يجرى عليهم أحكام المرتد، ومعنى تسميتهم الإسلاميين ادعاء الإسلام منهم لأنهم لم يعلنوا عن أنفسهم أنهم ينتمون إلى دين غير الإسلام، وقد أوقعهم في الكفر اجتهادهم الفاسد. وقد كفرهم أبو حامد الغزالي في ثلاثة أشياء لقولهم بأزلية العالم ولإنكارهم حشر الأجساد يوم القيامة ولقولهم الله لا يعلم الجزئيات إلا الكليات فمن خالف أصلا من أصول الدين كهذه المسائل الثلاث فهو كافر ولو كان يصلي ويصوم ويقول الشهادتين بلسانه.

   والعجب من الوهابية يكفرون ابن سينا ولا يكفرون ابن تيمية وهو أخوه، فكلاهما اتفقا على أن العالم أزلي غير أن الفرق بينهما أن ابن سينا يقول العالم أزلي بمادته وصورته أي تركيبه وابن تيمية يقول العالم جنسه أزلي والأفراد المعينة حادثة. ابن سينا كان يظهر انتماءه إلى الفلاسفة أما ابن تيمية لا يظهر بل ينسب رأيه هذا الذي هو رأي الفلاسفة المحدثين إلى أهل الحديث.

   فابن سينا ومثله الفارابي اجتهدا لكنه اجتهاد باطل لأنه اجتهاد مع وجود الدليل القاطع ولا يعتبر الاجتهاد مع قيام الدليل القاطع لأن حدوث العالم قامت عليه الدلائل القطعية من الكتاب والسنة والدليل العقلي فاجتهاد ابن سينا والفارابي وأمثالهما ممن يسمونهم الفلاسفة الإسلاميين ليس اجتهادا معتبرا فلا يعذرون بل يكفرون، وعلى وفق هذا يحمل الكلام الذي نقله إمام الحرمين عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا، يعني التورية البعيدة أما التورية القريبة لا يكفر مريدها. وممن نقل أن التأويل البعيد لا يقبل الحافظ السبكي في فتاويه والقاضي عياض المالكي. ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: «أيها الناس إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله وإن الوحي قد انقطع [أي وحي التشريع]، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وصدقناه وقربناه، ومن أظهر لنا غير ذلك لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة» اهـ معنى ذلك أن من كان له تأويل قريب قبلناه أما التأويل البعيد فلا نقبله.

   وقال الفقيه المشهور عند المالكية حبيب بن الربيع: «ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل».

   ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول يمنع عنه تأويله التكفير. فليجعل طالب العلم قول الرشيدي المذكور فيما لم يقم الدليل القاطع على ذكر، يعني أنه ينبغي أن يكون مستحضرا لهذه الكلمة في قلبه لأنها مهمة لأن التأول مع قيام الدليل القاطع لا يمنع التكفير عن صاحبه وإلا للزم ترك تكفير النصارى لأنهم على حسب زعمهم اجتهدوا، والبوذيون أيضا اجتهدوا على حسب زعمهم فرأوا أن ما هم عليه حق فدانوا به، فالذي يعتقد أن كل متأول يعذر مهما كان تأوله فقد كذب الشريعة.

   وهذه المسئلة بعضهم عبر عنها بالاجتهاد وبعضهم عبر عنها بالتأويل، فممن عبر بالتأويل الحافظ الفقيه سراج الدين البلقيني الذي قال فيه صاحب القاموس: «صديقنا علامة الدنيا»، وعبر بعض شراح منهاج الطالبين بالاجتهاد وكلتا العبارتين لا بد لهما من قيد ملحوظ، فلا يظن ظان أن ذلك مطلق لأن الإطلاق في ذلك انحلال ومروق من الدين. ألا ترى أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام والمشتغلين بالفلسفة مرقوا من الدين باعتقادهم القول بأزلية العالم اجتهادا منهم ومع ذلك أجمع المسلمون على تكفيرهم كما ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع، فإنه قال بعد أن ذكر الفريقين الفريق القائل بأزلية العالم بمادته وصورته والفريق القائل بأزلية العالم بمادته أي بجنسه فقط «وقد ضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم». وكذلك المرجئة القائلون بأنه لا يضر مع الإيـمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر حسنة إنما قالوا ذلك اجتهادا وتأويلا لبعض النصوص على غير وجهها فلم يعذروا.

   وكذلك ضل فرق غيرهم وهم منتسبون إلى الإسلام كان زيغهم بطريق الاجتهاد بالتأويل، نسأل الله الثبات على الحق.

   واحتج المرجئة بهذه الآية ﴿وهل نجازى إلا الكفور﴾ [سورة سبإ/17] فقالوا المسلم لا يعاقب مهما عمل إنما المجازاة بالنار للكافر فقط والآية معناها وهل نجازي أي بذلك العذاب الذي هو خاص بالكفار إلا الكفور.

   وهكذا كل الفرق الضالة المنتسبة للإسلام تحتج بآية من القرءان أو أكثر، الوهابية المشبهة يحتجون بآية الاستواء على العرش وأمثالها، والمعتزلة تحتج بآيات وهذه الفرقة الثالثة المرجئة كذلك تحتج بتلك الآية المذكورة وغيرها. القرءان حجة ونجاة وبرهان لمن وضعه في موضعه وحجة على من وضعه في غير محله.

   ومعنى «فليحذر الإنسان من ذلك جهده على أي حال» أي ليعمل الإنسان على تجنب ذلك كله غاية مستطاعه.

 

 

 

أحكام المرتد

 

   قال المؤلف رحمه الله: فصل: يجب على من وقع في الردة العود فورا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين والإقلاع عما وقعت به الردة، ويجب عليه الندم على ما صدر منه والعزم على أن لا يعود لمثله.

   الشرح أن الحكم الشرعي لمن وقع في ردة أنه يجب عليه الرجوع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين مع ترك ما هو سبب الردة أي الأمر الذي حصلت به الردة. والأمران الأخيران أي الندم والعزم ليسا شرطا لصحة الرجوع إلى الإسلام بشرط أن لا يعزم على الكفر في المستقبل [ولا يتردد في ذلك]، فإنه إن نوى أن يعود إلى ذلك فلا تنفعه الشهادة لأن العزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال. فلو لم يخطر بباله أنه لا يعود بعد هذا ولا نوى الرجوع إلى الكفر أو تردد في ذلك ولا استحضر الندم إنما ترك ذلك الشىء الذي هو ردة وتشهد صح إسلامه، لكن يبقى عليه شرطان واجبان للتوبة أحدهما: الندم، والشرط الثاني: العزم على أن لا يعود لمثله، هذان واجبان لكن ليسا شرطا لصحة الرجوع إلى الإسلام وذلك شأن كل معصية فإنه يجب الإقلاع عنها والعزم على ترك العود إليها والندم على فعلها.

   فائدة إذا رجع الشخص عن الكفر لا يشترط أن يجري على قلبه عبارة نويت الدخول في الإسلام عندما يتشهد إنما الشرط أن يكون أقلع عن ذلك الكفر، فإذا عرف أن هذا الذي حصل منه كفر فتشهد فهذا التشهد على وجه الخلاص منه هو نية الدخول في الإسلام فلا يشترط إجراء هذه العبارة في القلب أي عبارة نويت الدخول في الإسلام لأن اشتراطها لا معنى له. ومن حصل منه كفر ولم يتشهد فورا للخلاص منه فإنه يكون قد ازداد كفرا بذلك لرضاه لنفسه البقاء على الكفر هذه المدة. ومن الكفر أيضا أن يتمنى الشخص حل شىء كان محرما في جميع الشرائع مع علمه بذلك كأن يقول يا ليت أكل لحم الخنزير لم يكن حراما.

   تنبيه إذا كان شخص يصلي فجاءه كافر وقال له أريد الدخول في الإسلام فإن كان المصلي يعتقد ويعلم أنه إن قال وهو يصلي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يفهم أن هذا هو الطريق للدخول في الإسلام اكتفى بذلك وإلا يجب على الذي يصلي أن يقطع الصلاة فورا ويلقنه الشهادتين، ومن قال لا يجب عليه كفر. وكذلك إذا كان الخطيب على المنبر وقال له شخص: أريد الدخول في الإسلام يجب عليه قطع الخطبة [أي إيقاف ما كان يقوله ليأمره بالشهادتين ولا تبطل الخطبة بذلك] وتلقينه الشهادتين فورا ولا يجوز له أن يقول له انتظر حتى أنتهي من الخطبة لأن في ذلك الرضا له بالبقاء على الكفر هذه المدة. أما لو قال شخص لمسلم أريد الدخول في الإسلام فسكت ولم يرد عليه ولم يشر إليه بالتأخير فإنه لا يكفر ولكنه أثم إثما كبيرا.

   قال المؤلف رحمه الله: فإن لم يرجع عن كفره بالشهادة وجبت استتابته ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل به [أي بالكفر] ينفذه عليه الخليفة بعد أن يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام، ويعتمد الخليفة في ذلك على شهادة شاهدين عدلين أو على اعترافه وذلك لحديث البخاري: «من بدل دينه فاقتلوه».

   الشرح أن من حصلت منه الردة ولم يتبعها بالتوبة أي لم يرجع عن ردته وجبت استتابته أي أن يطلب منه الرجوع إلى الإسلام، فيجب على الإمام أي الخليفة أو من يقوم مقامه أن يطلب منه الرجوع إلى الإسلام، ثم لا يقبل منه الإمام إلا الإسلام، فإن أسلم تركه من القتل وإلا قتله سواء كان ذكرا أو أنثى، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري [في صحيحه] أي من خرج من الإسلام إلى غيره فاقتلوه إن لم يرجع، ومن قتله دون الاستتابة فعليه ذنب لكنه لا يقتص منه أي لا يقتل بهذا المرتد. وقد حارب أبو بكر رضي الله عنه المرتدين الذين ارتدوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وثبت أنه قتل امرأة ارتدت كما تقدم، وهذا ليس متوقفا على الحرابة من المرتدين، وكذلك في سائر الكفار ليس شرطا أن يكونوا محاربين للإسلام بل يجب الجهاد لكن يطلب منهم قبل القتال أن يسلموا فإن أسلموا فذاك الأمر وإن لم يقبلوا تعرض عليهم الجزية فإن وافقوا تركوا ولا يقاتلون وإن أبوا الأمرين قوتلوا، لكن هذا في الكفار الأصليين وأما المرتد فيطلب منه الرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتل وهذا بالإجماع. وهذا الحكم المذكور في الكفار الأصليين ورد في حديث في مسلم وغيره لكن أمر الجزية عند الشافعي لأهل الكتاب ومن له شبهة كتاب كالمجوس أما غيرهم فلا يعرض عليهم الجزية.

   واستتابة المرتد تكون ثلاث مرات في ثلاثة أيام، وفي ذلك أقوال أخرى.

   ويعتمد الخليفة في الحكم على المرتد بالردة بأحد أمرين: إما أن يعترف هو بأنه قال كلمة الكفر أو فعل فعل الكفر، وإما أن يشهد عليه شاهدان عدلان. فيعلم من هذا أنه لا يحكم على الشخص بالردة لمجرد شهادة واحد عليه بذلك ولو كان عدلا، وكذلك لا يحكم عليه بذلك إذا شهدت عليه امرأتان.

   وكذلك لا يحكم عليه بالردة لمجرد الشك أنه حصل منه ذلك أم لا، وقد نص الفقهاء بأن المرتد إذا رؤي يصلي في دار الحرب أو سمعناه يتشهد في الصلاة ولو في دار الإسلام نحكم عليه بالإسلام، وذلك محمول على أنه تشهد بنية الدخول في الإسلام قبل أن يصلي فنقول إنه ما صلى إلا لأنه قد تشهد قبل ذلك. وأما إن صلى في دار الإسلام ولم تسمع منه الشهادتان فلا يحكم بإسلامه، وأما الكافر الأصلي فلا يحكم بإسلامه بمجرد الصلاة سواء صلى في دارنا أو في دارهم، وقيل إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه كالمرتد.

   وأما إذا سمعنا من شخص كفرا ثم تراجع عن كفره ولم نسمع منه الشهادة فلا نجري أحكام الإسلام عليه، لكن إن صدق القلب بأنه رجع عن كفره وتشهد أي اعتقدنا أنه ترك ما كان عليه من الكفر وتشهد قبل الموت يجوز إن مات أن نستغفر له ونترحم عليه، ولكن لا يجوز لنا تزويجه بمسلمة ولا توريثه ما لم نسمع منه الشهادتين أو يشهد رجلان ثقتان برجوعه للإسلام.

   وأما الدليل على أن الدخول في الإسلام يكون بالنطق بالشهادتين فمأخوذ من حديث رسول الله [الذي أخرجه البخاري في صحيحه] «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، وقد نص على ذلك أيضا فقهاء المذاهب الأربعة كالنووي في «روضة الطالبين» والبهوتي من الحنابلة في «كشاف القناع» وغيرهما.

   فائدة أخرى قال الحافظ أبو زرعة في نكته على الكتب الثلاثة التنبيه والحاوي والمنهاج ناقلا عن التنبيه «فإن أقام – يعني المرتد – على الردة وجب قتله»: مقتضاه أنه لو قال: لي شبهة فأزيلوها لم يلتفت لكلامه وهو الأصح عند الغزالي وعليه مشى الحاوي وقال بلا مناظرة بل يسلم وتحل شبهته، وحكى الروياني عن النص [أي نص الشافعي] مناظرته كذا في الرافعي، وعكسه في الروضة وجعل الأصح عند الغزالي المناظرة، والمحكي عن النص عدمها، واختار السبكي المناظرة ما لم يظهر منه التسويف والمماطلة» اهـ. أي إن لم يكن يريد بذلك الاحتيال حتى لا يعجل بقتله، أما إن كان يظن به أنه يريد التسويف أي التأخير أي لا يريد الإسلام بقوله ناظروني حتى تذهب عني الشبهة فأسلم فلا يناظر بل يجبر على النطق بالشهادة ثم تحل شبهته بعد أن يتشهد.

   ثم نقل أبو زرعة عن التنبيه «فإن كان [يعني المرتد] حرا لم يقتله إلا الإمام» فقال: «كذا نائبه في ذلك، نعم إن قاتل في منعة [أي في عز قومه بحيث لا يقدر عليه من يريده] قال الماوردي: جاز أن يقتله كل من قدر عليه كالحربي قوله «وإن قتله [أي قتل المرتد الذي لم يقاتل في منعة] غيره بغير إذنه عزر» ومحله ما إذا لم يكافئه فإن قتله مثله – أي في الردة – فالمذهب وجوب القصاص، قوله: «وإن قتله إنسان [بغير علم الحاكم وإذنه] ثم قامت البينة أنه قد كان رجع إلى الإسلام ففيه قولان:

   أحدهما يجب عليه القود.

   والثاني لا تجب عليه إلا الدية» والأظهر الأول» اهـ.

   ثم قال: «قوله – يعني التنبيه – «وإن كان عبدا فقد قيل يجوز للسيد قتله وقيل لا يجوز» والأصح الأول» اهـ.

   ثم قال: «قول المنهاج «فإن أسلم صح وترك» كان ينبغي أن يقول فإن أسلما أي المرتد والمرتدة كما فعل في قوله «فإن أصرا قتلا». قول التنبيه «وإن تكرر منه ثم أسلم عزر» نص عليه الشافعي رحمه الله وقال «إلا أني أرى إذا فعل هذا مرة بعد أخرى أن يعزر». ومقتضاه أنه لا يعزر بفعله مرة واحدة. وقد حكى ابن يونس الإجماع عليه فلا يغتر بمن يفعله من القضاة».

«قول الحاوي في قاذف النبي «فلا شىء إن أسلم» قاله أبو إسحاق ورجحه في الوجيز [أي الغزالي] وأقره في التعليقة [التعليقة للقاضي حسين] قال: حتى لو كان القذف بما يوجب الحد لا يجب. وقال الفارسي يقتل حدا. قال الصيدلاني يجلد ثمانين [أي إذا رجع إلى الإسلام]. ولو عرض بالقذف فهو كالصريح قاله الإمام وغيره» اهـ.

   وعند المالكية الذي عرض بقذف النبي حكمه حكم الصريح يقتل حتما ولو بعد إسلامه بلا تفصيل.

   قال المؤلف رحمه الله: ويبطل بها صومه وتيممه ونكاحه قبل الدخول وكذا بعده إن لم يعد إلى الإسلام في العدة ولا يصح عقد نكاحه على مسلمة وغيرها.

   الشرح هذه المذكورات بعض ما يتعلق بالمرتد من الأحكام.

   فمن ذلك أن الردة تبطل الصيام والتيمم، أما الوضوء فلا ينتقض بالردة.

   ومن ذلك أن نكاحه بطل بمجرد الردة من أحد الزوجين قبل الدخول بالزوجة، فالردة قبل الدخول تقطع النكاح ولا تحل له ولو عاد إلى الإسلام أو عادت هي إلى الإسلام إلا بنكاح جديد، وأما إذا كانت الردة بعد الدخول بها فإن عاد إلى الإسلام قبل انتهاء العدة – وهي ثلاثة أطهار وللحامل حتى تضع حملها – تبين عدم بطلان النكاح فلا يحتاج إلى تجديد، وإن انتهت العدة قبل عود الذي ارتد منهما إلى الإسلام لا يعود النكاح إلا بعقد جديد.

   ومنها أنه لا يصح عقد النكاح لمرتد لا على مرتدة مثله ولا على مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو وثنية، ومن هنا يعلم أن هؤلاء الشباب الذين هم من أبناء المسلمين الذين يرتدون بتغير العقيدة أو بإطلاق الألفاظ التي هي ردة أو بالفعل الذي هو ردة لا يصح لهم الزواج ما لم يتخلوا عن ردتهم ولا يكفيهم الانتساب اللفظي إلى الإسلام.

   قال المؤلف رحمه الله: وتحرم ذبيحته ولا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه ولا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين، وماله فىء أي لبيت المال إن كان بيت مال مستقيم أما إن لم يكن فإن تمكن رجل صالح من أخذه وصرفه في مصالح المسلمين فعل ذلك واليوم لا يوجد بيت مال مستقيم.

   الشرح أن من جملة أحكام المرتد أنه تحرم ذبيحته فلو ذبح ذبيحة فهي ميتة يحرم أكلها.

   ومنها أنه لا يرث أي لا يرث قريبه المسلم إذا مات بالإجماع، ولا يورث أي لا يرثه قريبه المسلم إذا مات هذا المرتد.

   ومنها أنه لا يصلى عليه أي لا تجوز الصلاة عليه إن مات، ولا يغسل أي لا يجب غسله فلو غسل لم يكن في ذلك إثم، ولا يكفن فلو كفن لم يحرم، ولا يدفن في مقابر المسلمين أي لا يجوز ذلك فمن دفنه في مقابر المسلمين أثم.

   ومنها أن ماله فىء أي أن مال المرتد بعد موته بقتل أو غيره فىء يكون لمصالح المسلمين أي لبيت المال إن كان بيت مال مستقيم قال الفقهاء أما إن لم يكن بيت مال للمسلمين فيتولى رجل صالح صرفه في مصالح المسلمين.

   فائدة الولد الذي هو دون البلوغ إن حصل منه فعل كفري أو اعتقاد كفري أو قول كفري ثم بين له الصواب فاعتقده وبلغ على الاعتقاد الصحيح الذي هو الحق فهو مسلم لو لم يتشهد، وهذا هو معنى قول الفقهاء: «ردة الصبي لا تصح». ومعنى قول الفقهاء: «ردة الصبي لا تصح» أنه لو نطق بالكفر ومات – أي وهو صبي، أي دون البلوغ، أي مات قبل أن يرجع عن الكفر – يعامل معاملة المسلمين فيصلى عليه ويغسل ويدفن في مقابر المسلمين، ويجب على الولي ونحوه نهيه وأمره بالشهادة ليتعود على الشهادة إذا حصل له فيما بعد البلوغ.

   وأما الولد الذي هو دون البلوغ إن حصل منه فعل كفري أو اعتقاد كفري أو قول كفري ولم يعتقد الصواب حتى بلغ على هذا الكفر فهو كافر ويلزمه التشهد للدخول في الإسلام بعد بلوغه.

   تنبيه الطفل الذي هو ابن يومه الذي ولد من أبوين كافرين نسميه كافرا وتسميته كافرا إنما هي باعتبار معاملته في الدنيا فيطبق عليه أحكام الكافرين في الدنيا فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه المسلمون، والذي يسميه مسلما ويعني به أنه كان يوم ألست بربكم اعتقد التوحيد ولم يزل على موجب ذلك من حيث الباطن فلا ضرر عليه في العقيدة ومن سماه كافرا حقيقة متأولا بأن بعض الأرواح ما اعتقدت التوحيد يوم ألست بربكم فلا نكفره وأما من اعتقد أن الأرواح كلها اعتقدت التوحيد يوم ألست بربكم واستمرت على ذلك إلى حين أصبح طفلا فسماه كافرا ومراده حقيقة فهذا يكفر.

   وأما حديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» رواه البخاري [في صحيحه] وغيره فمعنى يولد على الفطرة أي يكون مستعدا متهيئا لقبول دين الإسلام، على الفطرة أي على فطرة الإسلام لأنهم يولدون على مقتضى اعترافهم وتوحيدهم الذي حصل يوم أخرجت الأرواح من ظهر ءادم بنعمان الأراك فإنهم سئلوا ألست بربكم قالوا: بلى لا إله لنا غيرك، اعترفوا كلهم بألوهية الله. ثم لما دخلت الروح في جسد الولد نسي هذا ويبقى ناسيا إلى أن يسمع من أبويه أو من غيرهما الإسلام فيعود إلى ما كان عليه أو يسمع من أبويه أو من غيرهما الكفر فيعتقده فيكون الآن كفر بالفعل. هذا معنى الحديث وليس معناه أن كل مولود يعرف أول ما خرج من بطن أمه الإسلام تفصيلا فإنه أول ما يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا وهو صريح الآية ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [سورة النحل/78].

   قال المؤلف رحمه الله: (فصل) يجب على كل مكلف أداء جميع ما أوجبه الله عليه.

   الشرح قال العلماء: الصبي إذا بلغ وجب عليه أن ينوي أداء ما أوجب الله عليه من ترك المعاصي وأداء الفرائض أي أول ما يبلغ ينوي في قلبه يقول أعمل ما فرضه الله علي فأؤدي الواجبات وأجتنب المحرمات.

   قال المؤلف رحمه الله: ويجب عليه أن يؤديه على ما أمره الله به من الإتيان بأركانه وشروطه ويجتنب مبطلاته.

   الشرح أنه يجب أداء الفرائض التي فرضها الله على عباده من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك على الوجه الذي أمر الله به أن تفعل هذه الفرائض من تطبيق الأركان والشروط، ولا يكفي مجرد القيام بصور الأعمال كما هو الشأن اليوم باعتبار أحوال أكثر الناس لأنهم ينظرون إلى صور الأعمال، فأحدهم يذهب إلى الحج من غير أن يتعلم أحكام الحج ويكتفي بأن يقلد الناس في أعمالهم، هؤلاء يدخلون تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» رواه ابن حبان [في صحيحه].

   وقوله: «ويجتنب مبطلاته»  يفهم منه أنه يجب على المرء أن يعرف ما يبطل هذه الفرائض حتى يجتنبها.

   قال المؤلف رحمه الله: ويجب عليه أمر من رءاه تارك شىء منها أو يأتي بها على غير وجهها بالإتيان بها على وجهها.

   الشرح يجب على الشخص المكلف أن يأمر من رءاه تارك شىء من فرائض الله بأدائها، ويأمر من رءاه يأتي بشىء من هذه الفرائض على غير وجهها أن يأتي بها على الوجه الذي تصح به، هذا إن كان يخل بفرض أو يأتي بمبطل مجمع عليه عند الأئمة، أما من رءاه يخل بمختلف فيه لا ينكر عليه إلا أن يكون فعل ما يعتقده مخلا بصحة الفرض فينكر عليه كما ينكر على من أتى بمخل متفق عليه بين الأئمة. وعلى هذا فمن رأى رجلا كاشفا فخذيه في الصلاة أو غيرها لا ينكر عليه إلا أن يعلم أنه يعتقد أن هذا حرام بأن يكون هذا الشخص الذي كشف فخذه يعتقد بأن كشف الفخذ على الرجل حرام حينئذ يجب الإنكار عليه لأن فخذ الرجل اختلف الأئمة في حكمه فقال الشافعي وأبو حنيفة إن الفخذ عورة قولا واحدا وقال مالك وأحمد بن حنبل في أحد قوليهما الفخذ ليس عورة وقال بذلك ءاخرون من المجتهدين منهم داود وابن أبي ذئب وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري.

   قال المؤلف رحمه الله: ويجب عليه قهره على ذلك إن قدر عليه.

   الشرح أن من علم أن إنسانا لا يؤدي هذه الفرائض صحيحة أو يتركها بالمرة وكان لا يمتثل إلا بالقهر يجب أن يقهره على ذلك أي أن يرغمه إن استطاع.

   قال المؤلف رحمه الله: وإلا وجب عليه الإنكار بقلبه إن عجز عن القهر والأمر وذلك أضعف الإيـمان أي أقل ما يلزم الإنسان عند العجز.

   الشرح أن الذي لا يستطيع أن يقهر أو ينهى الشخص الذي يترك بعض الفرائض أو يأتي بها على غير وجهها بأن علم أنه يصلي صلاة فاسدة أو يصوم صياما فاسدا أو يحج حجا فاسدا وجب عليه الإنكار بالقلب أي الكراهية لفعل هذا الإنسان المخالف للشرع بقلبه فإن أنكر بقلبه سلم من المعصية وهذا أضعف الإيـمان أي أقله ثمرة أي فائدة.

   والمراد بالرؤية في حديث «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» إلى ءاخره [أخرجه مسلم في صحيحه] العلم بوجود المنكر لا خصوص الرؤية بالبصر فإن العرب يطلقون الرؤية ويريدون بها العلم في بعض الأحوال.

   ويفهم من هذا أنه يجب على الإنسان إذا علم بمعصية من إنسان ولو كان غائبا أن يكره بقلبه فعل ذلك الإنسان لهذه المعصية.

   أما إن كان يستطيع الإنكار باليد أو القول فلا يكفيه الإنكار بالقلب، فهذه الكراهية لا تخلصه من معصية الله. فالذي يحضر المعصية ولا ينكرها والذي يعلم بها ولا يحضرها فلا ينكرها بالقلب سواء في الوقوع في المعصية، والسالم من أنكر إن استطاع بيده فإن عجز فبلسانه فإن عجز فبقلبه.

   ومن المنكر الذي يجب إزالته الكفر فلذلك فرض الله على المؤمنين الجهاد قال الله تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ [سورة البقرة/193]، وروى البخاري [في صحيحه] عن المغيرة بن شعبة أنه قال لكفار الفرس «أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية». وهذا على الترتيب وليس تخييرا فإنه تجب دعوة الكفار إلى الإسلام فإن قبلوا فذاك الأمر وإن لم يقبلوا يعرض عليهم دفع الجزية فإن قبلوا تركوا وإلا وجب قتالهم هذا إن استطاع المسلمون.

   وإزالة المنكرات الفعلية فرض كفاية بإجماع علماء الإسلام للحديث الصحيح الذي رواه مسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده… » إلى ءاخره ولم يزل الأئمة الذين كانوا قبل الأشعري والماتريدي ومن بعدهم ينكرون على أهل البدع الاعتقادية من معتزلة ومشبهة وغيرهم فقد رد عليهم الأئمة الأربعة وصنف عمر بن عبد العزيز وغيره من السلف في الرد عليهم رسائل.

   وزاد المؤلف إيضاحا لذلك قوله:

   ويجب ترك جميع المحرمات ونهي مرتكبها ومنعه قهرا منها إن قدر عليه وإلا وجب عليه أن ينكر ذلك بقلبه.

   الشرح أن ذلك فيما إذا كانت المنكرات نحو ءالات الملاهي والصور المجسمة فبتكسيرها لمن استطاع وإن كانت خمورا فبإراقتها، وكل ذلك يشترط فيه أن لا يؤدي فعله إلى منكر أعظم من ذلك المنكر وإلا فلا يجوز لأنه يكون عدولا عن الفساد إلى الأفسد، وهذا معنى قوله «وإلا وجب عليه أن ينكر ذلك بقلبه». وقد حصل في أوائل القرن الرابع الهجري بناحية نيسابور في بلاد فارس الإسلامية أن طائفة من المبتدعة وهم سلف الوهابية المشبهة ظهرت وقوي أمرها حتى صار بعض العلماء يهربون من فتنتهم إلى الجبال فتصدى لإطفاء هذه الثائرة بعض المحققين من علماء أهل السنة والجماعة منهم أبو إسحاق الأسفراييني الذي كان من أكابر علماء أهل السنة جبلا من جبال العلم ولا سيما في علم العقيدة والنضال عنها فصار يقول لهؤلاء الذين أووا إلى الجبال: «يا أكلة الحشيش تتركون دين محمد تلعب به الذئاب»، صار يوبخهم ويعيرهم معناه لم لم تثبتوا بين الناس حتى تدافعوا عن الإسلام.      

   وممن كان له عناية ظاهرة في تقرير عقائد أهل السنة والجماعة بالأدلة العقلية والنقلية أبو حنيفة رضي الله عنه فقد كان مشهورا بذلك. كان يتصدى لكسر الملحدين من المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم بالأدلة العقلية حتى شهر وعرف بذلك وصار كنار على علم، وكان من شدة عنايته بالنضال عن الدين يسافر من الكوفة إلى البصرة سافر أكثر من عشرين مرة لكسر هؤلاء، لذلك كثرت العناية في أتباعه بعلم العقيدة. ثم بعد انتشار بدعة المعتزلة وغيرهم قيض الله تعالى للأمة إمامين جليلين هما أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي رضي الله عنهما فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة وهم فرق عديدة بلغ عددهم عشرين فرقة، فقاما بالرد على كل هذه الفرق أتم القيام برد شبههم وإبطالها فنسب إليهما أهل السنة فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.

   وليحذر من قول بعض الناس كل واحد على دينه الله يعينه على معنى الدعاء لهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا منهم أن قوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [سورة المائدة/105] معناه أنه لا يجب إنكار المنكرات التي يفعلها الغير إذا كان الشخص هو يتجنبها وأنه يكفيه ذلك، كيف وإنكار المنكر كالبدع الاعتقادية والمنكرات الفعلية فرض كفاية بإجماع علماء الإسلام للحديث الصحيح الذي رواه مسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده… » إلى ءاخره ولم يزل الأئمة الذين كانوا قبل الأشعري والماتريدي ينكرون على أهل البدع الاعتقادية من معتزلة ومشبهة وغيرهم. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: إن الناس يقرءون هذه الآية في غير موضعها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يأخذوا على يدي من يفعله أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه قبل أن يموتوا» فالآية معناها أنتم أيها المؤمنون اعملوا لطاعة الله تعالى افعلوا ما أمركم الله به وكفوا عما نهاكم عنه فإذا فعلتم ذلك لا يضركم من ضل، هذا معنى الآية.

   ومن جملة ما أمر الله به النهي عن المنكر المحرم فلا يكون المرء قائما بما افترض الله عليه مع ترك نهي الغير عن المنكر الاعتقادي وغيره.

   قال المؤلف رحمه الله: والحرام ما توعد الله مرتكبه بالعقاب ووعد تاركه بالثواب وعكسه الواجب.

   الشرح هذا تفسير للحرام أي أن الحرام الذي فرض الله على عباده أن يجتنبوه معناه ما في ارتكابه عقاب في الآخرة وفي تركه ثواب، والواجب بمعنى الفرض ما في فعله ثواب وفي تركه عقاب.

   فائدة قد يطلق الواجب على السنة أي نوافل الطاعات كحديث «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» رواه البخاري ومسلم [في صحيحيهما]، وقد تطلق السنة على الشريعة أي العقيدة والأحكام التي جاء بها الرسول كحديث «ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب» [أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك] ففي ءاخره «والتارك لسنتي»، ومثله حديث «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد» [أي يشبه أجر شهيد] رواه البيهقي.

   وقوله عليه السلام: «والتارك لسنتي» ظاهر أنه فيمن ترك مذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد إلى غيره وهم أهل الأهواء. فتخصيص السنة بما يقابل الفرض عرف للفقهاء، وعلى هذا يجوز أن يقال للفرض سنة أي أنه من شرع الرسول إذا كان ذلك على وجه سالم من إيهام السامع أنه ليس واجبا.

 

فائدة مهمة

في بيان أن والدي الرسول ناجيان

 

   قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه «والدا الرسول ما ماتا كافرين» لكن بعض النساخ حرفوا فكتبوا ماتا كافرين وهذا غلط شنيع. نحن لا نقول ماتا كافرين إذ لا مانع من أن يكونا ألهما الإيـمان بالله فعاشا مؤمنين لا يعبدان الوثن. أما حديث «إن أبي وأباك في النار» فهو حديث معلول وإن أخرجه مسلم.

   في مسلم أحاديث انتقدها بعض المحدثين وهذا الحديث منها. وأما حديث «إن الرسول مكث عند قبر أمه فأطال وبكى فقيل له: يا رسول الله رأيناك أطلت عند قبر أمك وبكيت فقال: «إني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي وطلبت أن أستغفر لها فمنعني» فهذا الحديث أيضا في مسلم وهذا الحديث مؤول بأن يقال إنما منعه من أن يستغفر لها حتى لا يلتبس الأمر على الناس الذين مات ءاباؤهم وأمهاتهم على عبادة الوثن فيستغفروا لآبائهم وأمهاتهم المشركين لا لأن أم الرسول كانت كافرة، وهكذا يرد على الذين أخذوا بظاهر الحديث فقالوا إن والدة الرسول مشركة لذلك ما أذن له بأن يستغفر لها، والدليل على أن أمه كانت مؤمنة أنها لما ولدته أضاء نور حتى أبصرت قصور الشام وبين مكة والشام مسافة بعيدة، رأت قصور بصرى وبصرى هذه من مدن الشام القديـمة وهي تعد من أرض حوران مما يلي الأردن. فأمه عليه السلام رأت بهذا النور الذي خرج منها لما ولدته قصور بصرى وهذا الحديث ثابت رواه الحافظ ابن حجر في الأمالي وحسنه، ورؤية ءامنة لقصور بصرى يعد كرامة لها لأن هذا خارق للعادة.

   ومسلم لما ألف كتابه صحيح مسلم عرضه على بعض الحفاظ فأقروه كله إلا أربعة أحاديث، هو قال هذا في خطبة كتابه ولم يسم تلك الأربعة ولم يذكرها والبخاري ضعف حديثين من أحاديث مسلم قاله الحافظ ابن حجر.  

   ثم على فرض أنهما لم يكونا مسلمين فهما من أهل الفترة وأهل الفترة الذين ما بلغتهم دعوة الأنبياء السابقين لا يعذبون في الآخرة قال الله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [سورة الإسراء/15]، وعلى هذا جمهور العلماء الأشاعرة وغيرهم.