الخميس يناير 29, 2026

باب الاعتدال في الهيئة واللباس

  • عن قيس بن بشرٍ التغلبي قال: أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء رضي الله عنه بدمشق فأخبرني أنه كان رجل من أصحاب رسول الله r يقال له ابن الحنظلية الأنصاري، وكان رضي الله عنه رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو في صلاةٍ، فإذا انصرف فإنما هو تسبيح وتهليل وتكبير، قال: فمر بنا يوما ونحن جلوس عند أبي الدرداء فسلم، فقال له أبو الدرداء: كلمة([1]) ينفعنا الله بها ولا تضرك([2])، فقال: بعث رسول الله r سرية([3])، فلما قدمت جاء رجل حتى جلس في الـمجلس الذي فيه رسول الله r فقال لرجلٍ إلى جنبه: لو رأيتنا حين لقينا العدو فطعن فلان فلانا فقال: خذها([4]) وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى([5])؟ فقال الرجل: ما أراه إلا قد أبطل أجره([6])، فسمع ذلك ءاخر فقال: ما أرى بذلك بأسا([7])، فتنازعوا في ذلك حتى سمع رسول الله r فقال: «سبحان الله، لا بأس أن يحمد ويؤجر»([8])، قال: فسر بذلك أبو الدرداء وجعل يقول: أأنت سمعت هذا من رسول الله r؟ فجعل يقول: نعم حتى إني لأقول وهو يرفع رأسه إليه ليبركن على ركبتيه([9])، قال: فمر بنا يوما ءاخر فسلم فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، فقال: قال رسول الله r: «المنفق على الخيل في سبيل الله([10]) كالباسط يديه في الصدقة لا يقبضها([11])»، قال: فمر بنا يوما ءاخر فسلم فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال رسول الله r: «نعم الرجل خريـم الأسدي([12]) لولا طول جمته([13]) وإسبال إزاره([14])»، قال: فبلغ ذلك خريما فأخذ شفرة فقطع شعره إلى أنصاف أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه، قال: فمر بنا يوما ءاخر فسلم فقال أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، فقال: قال رسول الله([15]) r: «إنكم قادمون غدا على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كالشامة في الناس([16])، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش([17])». هذا حديث حسن أخرجه البخاري خارج «الصحيح». وابن الحنظلية سهيل والحنظلية أمه، ويقال: جدته، واسم أبيه عمرو، ويقال: الربيع.

[1])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «(كلمة) بالنصب بفعلٍ محذوفٍ، أي: قل لنا كلمة أو تكلم كلمة فهي مفعول به أو مفعول مطلق».

[2])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «(ولا تضرك)، أي: لا يعود عليك من الإتيان بها ضرر».

[3])) قال ابن الأثير في النهاية (2/363): «السرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائةٍ، تبعث إلى العدو، جمعها السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري النفيس. وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية وليس بالوجه».

[4])) أي: الطعنة.

[5])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «أي: ما رأيك في قوله المذكور مفتخرا به».

[6])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «(ما أراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (إلا قد بطل أجره) لأنه أظهر عمله وافتخر على القوم».

[7])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «(فقال: ما أرى) بفتح الهمزة بذلك القول (بأسا) لأن فيه إرهابا للكفرة».

[8])) قال ابن علان في شرح الرياض (5/277): «(لا بأس أن يؤجر)، أي: بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد)، أي: يثنى عليه بالثناء الحسن في الدار الدنيا، أي: لا منع من حصولهما معا».

[9])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (16/337): «(ليبركن على ركبتيه) مبالغة في التواضع له والخضوع كما برك عمر رضي الله عنه على ركبتيه حين أكثر رسول الله r أن يقول: «سلوني» احتراصا على طلب رضاه».

[10])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (16/337): «(الـمنفق على الخيل) في رعيها وسقيها وعلفها وغير ذلك».

[11])) أي: لا يقبضها لمنع الصدقة.

[12])) قال الملا علي في المرقاة (7/2833): «(الأسدي) بفتح الهمزة وسكون السين. ففي «القاموس»: الأسد الأزد أبو حي من اليمن، وهو أزد بن الغوث، وبالسين أفصح، ومن أولاده الأنصار كلهم. ويقال: أزد شنوءة وعمان والسراة».

[13])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (16/338): «(لولا طول جمته) بضم الجيم وتشديد الـميم وهي الشعر إذا طال حتى بلغ الـمنكبين وسقط عليهما، والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة التي ألمت بالـمنكب».

[14])) قال الـمظهري في المفاتيح (5/53): «(وإسبال إزاره)، أي: وإطالة ذيله».

[15])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (16/338): «أي: حين رجع بهم من الغزو».

[16])) قال ابن الأثير في النهاية (1/319: «(فأصلحوا رحالكم حتى تكونوا شامة في الناس)، أي: إن لكم من الغنى ما يصلحكم كالإدام الذي يصلح الخبز، فإذا أصلحتم رحالكم كنتم في الناس كالشامة في الجسد تظهرون للناظرين».

وقال ابن علان في شرح الرياض (5/280): «الـمراد منه كونوا في أحسن هيئةٍ وزي حتى تظهروا للناس ظهور الشامة في البدن».

[17])) قال الشهاب الرملي في شرح أبي داود (16/340، 341): «(فإن الله تعالى لا يحب الفحش) بضم الفاء وسكون الحاء الـمهملة أي: ذا الفحش وهو من تكون هيئته ولبسته وقوله فاحشا (ولا التفحش)، أي: الرجل ذا التفحش هو الذي يتكلف ذلك ويفعله قصدا».

وقال ابن الأثير في النهاية (3/415): «أراد بالفحش التعدي في القول والجواب لا الفحش الذي هو من قذع الكلام ورديئه. والتفاحش تفاعل منه، وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة».