الخميس فبراير 19, 2026

باب فيه (ذكر بعوثه وسراياه ﷺ) في الغزو

ينبغي قبل البدء في هذا الباب معرفة حد السرية والبعث عند أهل السير.

فالسرايا جمع سرية وهي الطائفة من الجيش تبعث إلى العدو، سميت بذلك لأنها تكون من خلاصة العسكر وخيارهم، وذهب بعض أهل السير إلى أن كل عسكر لم يحضره النبي ﷺ بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو يسمى سرية أو بعثا سواء([1])، وذهب البعض إلى أن البعث ما افترق من السرية([2])، فما كان أقل من خمسين فبعث وما كان بين المائة والأربعمائة فسرية([3])، وقيل: السرية من مائة إلى خمسمائة، وما زاد على خمسمائة إلى ثمانمائة فهيضلة([4])، وما زاد على الثمانمائة فجيش، وما زاد على الأربعة ءالاف فجحفل، فإن عظم الجحفل كان فيلقا وخميسا ويقال له الجيش العظيم والعرمرم والـمجير.

وروى أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة ءالاف».

584- عدتها من بعث ٱو سرية

 

 

ستون……………………….

 

 (عدتها) أي عدة ما أرسله رسول الله ﷺ (من بعث ٱو سرية) إلى العدو (ستون) على ما ذهب إليه المسعودي، والذي عليه ابن إسحاق أنها ثمان وثلاثون، وذهب الواقدي إلى أنها ثمان وأربعون، وابن الجوزي أنها ست وخمسون، ومحمد بن نصر أنها سبعون، والحاكم أنها مائة، ولعله أراد بضم الـمغازي إليه، جمع هذه الأقوال الحافظ في «الفتح»([5]).

بعثه ﷺ حمزة بن عبد المطلب لسيف البحر

584- ………………………
585- لنحو سيف البحر من ناحية

 

 

………. فالأول بعث حمزة
العيص لم يقتتلوا بالجملة

 

 وإذا ذكرنا خبر البعوث (فالأول) منها (بعث حمزة) بن عبد المطلب عم النبي ﷺ في ثلاثين رجلا من الـمهاجرين في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وعقد له ﷺ لواء أبيض (لنحو) أي متجها لناحية (سيف البحر) بكسر السين وهو ساحله (من ناحية العيص) أرض من جهينة فصادف العير هناك، فلما تصافوا للقتال حجز بينهم الـمجدي بن عمرو الجهني – وكان حليفا للفريقين – فأطاعوه وانصرفوا فـ(ـلم يقتتلوا بالجملة) أي بالمرة.

بعثه ﷺ عبيدة بن الحارث إلى رابغ

586- فبعثه عبيدة بن الحارث
587- بأنه شيع كلا منهما
588- وكان رمي بينهم لم يعدوا

 

 

لرابغ أو قبل ذا أو ثالث
معا لذا أشكل ذا وأبهما
أول من رمى بسهم سعد

 

 (فـ)ـبعد بعث حمزة كان (بعثه) ﷺ (عبيدة بن الحارث) بن عبد المطلب (لرابغ) بكسر الباء وهو موضع بين المدينة والجحفة، واختلف هل كان بعث عبيدة بعد حمزة (أو) كان (قبل ذا) أي قبل بعث حمزة، وهو قول ابن إسحاق (أو) هو كما قيل قول (ثالث بأنه) أي رسول الله ﷺ (شيع) أي ودع (كلا منهما) في الوقت نفسه لخروج حمزة وعبيدة (معا) في وقت واحد فـ(ـلذا) أي بسبب أن النبي ﷺ أخرجهما معا (أشكل) أي اختلط (ذا) أي أمر السابق والـمسبوق (وأبهما) أي اشتبه على البعض.

وكان بعث عبيدة رضي الله عنه على رأس ثمانية أشهر من الهجرة في ستين أو ثمانين راكبا من الـمهاجرين منهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وعقد رسول الله ﷺ لعبيدة لواء أبيض فحمله مسطح بن أثاثة رضي الله عنه ليعترض عيرا لقريش عليها أبو سفيان، وقيل: عكرمة بن أبي جهل، وقيل: مكرز بن حفص في مائتي رجل، فوافوا العير ببطن رابغ (وكان رمي) للسهام (بينهم) و(لم يعدوا) أي لم يجاوزوا ذلك إلى سل السيوف والاصطفاف للقتال، وكان (أول من رمى) من المسلمين (بسهم سعد) بن أبي وقاص رضي الله عنه، فكان سهمه أول سهم رمي به في الإسلام.

بعثه ﷺ سعد بن أبي وقاص إلى الخرار

589- فبعثه سعدا إلى الخرار

 

 

للعير فاتت رجعوا للدار

 

 (فـ)ـبعد بعث عبيدة كان (بعثه) ﷺ (سعدا) أي ابن أبي وقاص (إلى الخرار) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء الأولى، واد بالحجاز يصب على الجحفة، على رأس تسعة أشهر من الهجرة في عشرين من المهاجرين، وعقد له ﷺ لواء أبيض فحمله الـمقداد ابن عمرو، وقد وجههم رسول الله ﷺ (للعير) أي ليعترضوا عيرا لقريش تمر بالخراء، فخرجوا يمشون على أقدامهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى صبحوا الخرار صباح الخامس من مسيرهم فوجدوا العير قد (فاتت) أي مرت بالأمس فـ(ـرجعوا للدار) أي إلى المدينة المنورة.

بعثه ﷺ عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة

590- بعث ابن جحش بعده أو أول
591- في سلخ شهر رجب إنسانا
592- أي {يسألونك} أزالت كربا

 

 

لنخلة فغنموا وقتلوا
وأنزل الله به قرءانا
وبأمي الـمؤمنين لقبا

 

 وبعد بعث سعد بن أبي وقاص كان (بعث) رسول الله ﷺ لعبد الله (ابن جحش) بن رئاب الأسدي (بعده) أي بعد بعث سعد إلى الخرار (أو) أن عبد الله بن جحش هو (أول) بعثا، كما نقله ابن هشام عن بعضهم([6])، لكن الذي عليه أكثر أهل السير القول الأول، وكان إرسال سعد في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة (لنخلة) مصروفة لضرورة وزن، وهو موضع على ليلة من مكة. وكان رسول الله ﷺ قد صلى العشاء ثم دعا عبد الله فقال له: «واف مع الصبح معك سلاحك أبعثك وجها»، فوافى عبد الله الصبح ومعه سلاحه، فصلى النبي ﷺ بالناس الصبح ثم انصرف فوجده واقفا عند بابه، فدعا رسول الله ﷺ أبي بن كعب فدخل عليه فأمره فكتب كتابا، ثم دعا عبد الله بن جحش فأعطاه صحيفة من أديم وقال له: «قد استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى تنزل نخلة وترصد بها قريشا»، فقال عبد الله: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، فنهضوا كلهم.

فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ولم يشهدا الحدث الآتي ذكره بنحلة. وتقدم عبد الله بن جحش حتى نزل بنحلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن الـمغيرة والحكم بن كيسان مولى بني الـمغيرة، فتشاور الـمسلمون وقالوا: نحن في ءاخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، واستقر رأيهم ءاخرا على ملاقاتهم، (فغنموا) العير (وقتلوا) وأسروا، وذلك (في سلخ) أي ءاخر (شهر رجب) من الأشهر الحرم، وكان المقتول من قريش (إنسانا) واحدا هو عمرو بن الحضرمي رماه أحد المسلمين برمية، وأسر المسلمون عثمان والحكم، وأفلت منهم نوفل.

ثم قدم الـمسلمون بالعير والأسيرين وقد عزلوا من ذلك الخمس إلا أن رسول الله ﷺ أنكر عليهم ما فعلوه وقال: «ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام»، وقالت قريش: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ فيه المال وأسر فيه الرجال واستحل الشهر الحرام، (و) عندئذ (أنزل الله) عز وجل (به) أي في شأن ذلك (قرءانا أي) اية: {عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} الآية.

ومعنى هذه الآية أن المشركين ارتكبوا الأمر الذي هو رأس الذنب وأكبر الظلم وهو الشرك والكفر بالله والعياذ بالله تعالى، ومع ذلك فهم يعيبون على بعض الـمسلمين أنهم قاتلوا في الشهر الحرام مع كون المشركين العائبين عليهم متلبسين بما هو أشد من ذلك وهو الكفر بالله الذي هو أعظم الظلم وأكبره، ناهيك عن أن القتال في ذلك الوقت في الأشهر الحرم الأربعة كان حراما على الـمسلمين ثم نسخ، وعلى النسخ جرى الجمهور. وقال القرطبي في تفسيره([7]): «قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك، وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا».

وليس معنى الآية أن مجرد الإفساد بين اثنين أشد من قتل الـمسلم ظلما، بل الذي يعتقد ذلك يكفر والعياذ بالله لأنه من الـمعلوم من الدين عند الخاصة والعامة أن قتل الـمسلم ظلما أكبر الذنوب بعد الكفر على الإطلاق.

وبعثت قريش إلى النبي ﷺ في فداء أصحابهم ففاداهم ﷺ بأربعين أوقية لكل واحد.

وكان الذين قاتلوا في الشهر الحرام وأنكر عليهم النبي ﷺ قد أصابهم الكرب مما فعلوا، وزاد ذلك حين جعلت قريش تطعن في النبي والمسلمين، فلما نزلت هذه الآية (أزالت كربا) عن المسلمين.

(و)مما كان في هذه السرية أن رسول الله ﷺ لقب عبد الله بن جحش بلقب عظيم، فـ(ـبأمير المؤمنين) عبد الله قد (لقبا) فما أعظمه من شرف.

بعثه ﷺ عمير بن عدي إلى عصماء اليهودية

593- فبعثه عميرا الخطميا

 

 

لقتل عصما هجت النبيا

 

 (فـ)ـبعد بعث عبد الله بن جحش كان (بعثه) ﷺ (عميرا) ابن عدي الأنصاري (الخطميا) بفتح الخاء الـمعجمة نسبة إلى جده الرابع خطمة([8])، وعمير هو أول من أسلم مني بني خطمة، لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ، (لـ)ـأجل (قتل عصما)ء بنت مروان من بني أمية بن زيد، وكانت تحت رجل من بني خطمة يقال له يزيد بن زيد([9]).

وسبب الإرسال لقتلها أنها نافقت بعد قتل أبي عفك (هجت النبيا) ﷺ بالأراجيز والأشعار، وكانت تعيب الإسلام وتحرض على رسول الله ﷺ، وقيل: كانت تطرح الـمحايض في مسجد بني خطمة([10])، فجاءها عمير في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام وعلى صدرها صبي ترضعه، فنحى الصبي عن صدرها ووضع سيفه على صدرها وتحامل عليه حتى أنفذه من ظهرها ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة، فقال له رسول الله ﷺ: «أقتلت ابنة مروان؟»، فقال: نعم، فقال النبي ﷺ: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله فأنظروا إلى عمير».

ورجع عمير إلى منزل بني خطمة فوجد بنيها في جماعة يدفنون عصماء، فقالوا: يا عمير أنت؟ قتلتها؟ قال: نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، والذي نفسي بيده([11]) لو قلتم بأجمعكم ما قالت([12]) لأضربنكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان قبل ذلك يخفي إسلامه من أسلم منهم.

بعثه ﷺ سالم بن عمير إلى أبي عفك

594- فبعث سالم إلى أبي عفك

 

 

قتله ءاذى النبي وأفك

 

 (فـ)ـبعد بعث عمير كان (بعث سالم) أي ابن عمير العمري من بني عمرو بن عوف في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر النبي ﷺ (إلى أبي عفك([13])) اليهودي من بني عمرو بن عوف ليقتله، وكان أبو عفك، قد بلغ مائة وعشرين سنة، فـ(قتله) عمرو.

وبدء الأمر أن أبا عفك كان (ءاذى النبي) في الكلام والشعر وطعن فيه ﷺ وحرض عليه (وأفك) أي كذب في القول وبهت في رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ يوما: «من لي بهذا الخبيث؟»، فقال سالم بن عمير رضي الله عنه: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه.

فخرج سالم في طلبه على غرة([14]) في ليلة صائفة([15]) وقد نام أبو عفك اليهودي بفناء بيته([16])، فعلم سالم رضي الله عنه بذلك فأقبل نحوه ووضع السيف على كبده ثم تحامل حتى انغرز السيف في الفراش وصاح أبو عفك عدو الله، فتركه سالم وذهب، فسمع ناس من أبي عفك الصيحة فقاموا إليه واحتملوه وأدخلوه داخل بيته فمات به.

بعثه ﷺ محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف اليهودي

595- فبعثه محمد بن مسلمة
596- جاؤوا برأسه فإذ رموه

 

 

في رفقة لقتل كعب الملأمة
قال لهم أفلحت الوجوه

 

 (فـ)ـبعد بعث سالم بن عمير كان (بعثه) ﷺ (محمد بن مسلمة) لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة الهجرية (في رفقة) ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الأوس (لقتل كعب) بن الأشرف الأوسي (الملأمه) أي الذي يفعل ما يلام عليه، وهو صفة لكعب كمل به الوزن.

وسبب الإرسال لقتله أنه لما خرج زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بأمر النبي ﷺ يبشران من بالمدينة من الـمسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من الـمشركين ببدر بلغ كعب بن الأشرف الخبر فقال لأصحابه: أحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لي من ظهرها.

فلما تبين كعب الخبر خرج حتى قدم مكة وجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار حتى أجمع رأي الـمشركين على قتال رسول الله ﷺ، ثم رجع إلى المدينة فأنشد في نساء الـمسلمين ما يؤذيهم، فقال رسول الله ﷺ: «من لنا من ابن الأشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وخرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، قد أخبرني الله عز وجل بذلك([17])، ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشا أن يقدم فيقاتلنا معهم»، ثم قرأ رسول الله ﷺ على المسلمين ما أنزل الله تعالى عليه فيه {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء:51] وءايات في قريش معها، فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله أقتله، فقال رسول الله ﷺ: «نعم».

وخرج ابن مسلمة مع أصحابه في ليلة مقمرة حتى انتهوا إلى حصن ابن الأشرف فدعوه – وكان حديث عهد بعرس – فقالت امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم، فقال كعب: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب، فقال ابن مسلمة لأصحابه: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فنزل كعب وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، فقال: نعم، تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب، فقال ابن مسلمة: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فتناول محمد فشم، ثم قال ابن مسلمة: أتأذن لي أن أعود؟ قال: نعم، فاستمكن محمد من رأسه وقال: دونكم، فقتلوه و(جاؤوا براسه) يحملونه بعد أن حزوه، فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وكان رسول الله ﷺ قائما يصلي، فلما سمع تكبيرهم عرف أنهم قد قتلوا عدو الله كعب بن الأشرف، فلما خرج إلى باب المسجد جاؤوا فوجدوه ﷺ واقفا بالباب (فإذ رموه) أي رموا برأس كعب بين يدي رسول الله ﷺ فـ(ـقال لهم) ﷺ: «(أفلحت الوجوه)»، قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله، وفي رواية «صحيح مسلم» أن قوله ﷺ لهم: «أفلحت الوجوه» كان قبل أن يرموا برأس كعب، ثم حمد النبي ﷺ ربه على قتل كعب، فأصبح يهود عندئذ مذعورين فأتوا النبي ﷺ وقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكر لهم النبي ﷺ صنيع كعب وما كان من تحريض على النبي وعلى المسلمين وأذيته لهم فازدادوا خوفا.

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى القردة

597- فبعثه زيدا إلى القردة
598- فحصلوا مائة ألف مغنما

 

 

ماء بنجد بقريب غمرة
وأسروا فرات ثم أسلما

 

 (فـ)ـبعد بعث محمد بن مسلمة كان (بعثه) ﷺ (زيدا) ابن حارثة رضي الله عنه – وهي أول سرية خرج زيد بن حارثة فيها أميرا – وكان خروجه رضي الله عنه لهلال جمادى الآخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا (إلى القردة) بفتح القاف وتحريك الراء (ماء) أي موضع فيه ماء لبني نعامة أسفل مياه الثلبوت([18]) (بنجد) في الرمة (بقريب) أي قرب (غمرة) مصروف للوزن، وهي فاصل بين نجد وتهامة مشن طريق الكوفة([19])، وكان يريد بالخروج اللحاق بقافلة قريش الخارجة للشام في تجارة، وكان في القافلة أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة، وصفوان بن أمية ومعه فضة كثيرة، فعدلت القافلة عن الطريق وسلكت من جهة العراق خوفا من رسول الله ﷺ أن يعترض قافلتهم لما كان من وقعة بدر ما كان.

فخرج زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا للقافلة بالقردة وأصابوا العير (فحصلوا مائة ألف) درهما (مغنما) وأفلت أعيان قريش، (وأسروا) رجلين أو ثلاثة، وقد عد أهل السير في المأسورين (فرات) بن حيان وكان أسر يوم بدر، فأفلت على قدميه، فكان الناس عليه أحنق شيء، وكان الذي بينه وبين أبي بكر حسنا، فقال له: أما ءان لك أن تقصر؟ فقال فرات: إن أفلت من محمد هذه المرة لم أفلت أبدا، فقال له أبو بكر: فأسلم، (ثم) أتي به رسول الله ﷺ فـ(ـأسلما) فتركه رسول الله ﷺ، وقدم بالعير على رسول الله ﷺ فخمسها وقسم الباقي على أهل السرية.

بعثه ﷺ عبد الله بن عبد الأسد الـمخزومي إلى قطن

599- فبعده بعث ابن عبد الأسد
600- طليحة مع أخيه سلمة
601- فلم يصل حتى تفرق الملا

 

 

لقطن لولدي خويلد
قد جمعا حرب نبي المرحمة
وغنموا شاء لهم وإبلا

 

 (فبعده) أي بعد سرية زيد بن حارثة كان (بعث) أبي سلمة عبد الله (ابن عبد الأسد) ابن عمة رسول الله ﷺ برة بنت عبد المطلب، وأخيه من الرضاعة من ثويبة، وكان إرسال عبد الله في أول الـمحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ (لقطن) جبل أو ماء من مياه بني أسد بناحية فيد([20])، وفيد([21]) نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة، وكان إرساله إلى قطن قصدا (لولدي) أي ابني (خويلد) الأسدي (طليحة) مصروف لضرورة الشعر (مع أخيه سلمة) الأسديين.

وسبب إرسال عبد الله بن عبد الأسد في سرية إليهم أن طليحة وسلمة ابني خويلد (قد جمعا) قومهما ومن أطاعهما يقصدان (حرب) رسول الله ﷺ (نبي المرحمة) أي التراحم. وقد أخبر النبي ﷺ بذلك رجل من طيئ قدم المدينة لزيارة بنت أخيه بها، فدعا رسول الله ﷺ عبد الله المخزومي وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الـمهاجرين والأنصار، وخرج الرجل الـمخبر له ﷺ دليلا لهم، فأغارت السرية على سرح لهم وأسروا ثلاثة من الرعاة وأفلت سائرهم، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق: فرقة بقيت معه وفرقتان أغارتا في طلب النعم والرجال (فلم يصل) من الفرقة أحد (حتى تفرق) أي تشتت (الملا) أي جماعة طليحة وسلمة ابني خويلد (وغنموا) أي الـمسلمون (شاء لهم) أي للأسديين، والشاء (و)غنموا (إبلا)، فانحدر أبو سلمة رضي الله عنه بذلك كله إلى المدينة، وأخرج من الـمغنم صفي رسول الله ﷺ عبدا، وأعطى الدليل الطائي ما رضي به ثم خمسها وقسم الباقي على أهل السرية، قيل: فبلغ نصيب كل واحد سبعة أبعرة وأغناما، وكانت مدة غيبة السرية عشرة أيام([22]).

بعثه ﷺ عبد الله بن أنيس إلى عرنة

602- يليه بعث ابن أنيس العامد
603- إبن نبيح كان صوب عرنة
604- إحتز رأسه فلما أحضره

 

 

لقتل سفيان هو ابن خالد
يجمع للنبي فلما أمكنة
دعا له وخصه بمخصرة

 

 و(يليه) أي يعقب سرية أبي سلمة عبد الله الـمخزومي (بعث) عبد الله (ابن أنيس) ابن أسعد الجهني الأنصاري السلمي – حليف بني سلمة – (العامد) أي القاصد بأمر النبي ﷺ (لقتل سفيان هو ابن خالد بن نبيح) مصغرا الهذلي ثم اللحياني([23])، وكان خروج عبد الله بن أنيس رضي الله عنه من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من الـمحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ، وكان عبد الله بعثا وحده، ولم يرسل معه رسول الله ﷺ غيره.

و(كان) سفيان بن خالد ينزل (صوب عرنة) وما والاها – وعرنة بالتحريك واد بحذاء عرفات – وكان نزول خالد في أناس من قومه وغيرهم (يجمع) الجموع (للنبي) أي للخروج لحرب رسول الله ﷺ، فوصل عبد الله إلى المكان الذي فيه سفيان، قال سفيان: من الرجل؟ فقال: رجل من العرب، ثم جعل عبد الله يمشي معه ويتحدث إليه (فلما) تفرق عن سفيان أصحابه وأمن عبد الله منهم و(أمكنه) سل السيف حمل على سفيان به فقتله و(احتز رأسه) ثم خرج عبد الله ودخل غارا في الجبل، فنسجت العنكبوت على الغار، فجاؤوا يطلبونه فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين، فخرج عبد الله حتى صار يسير بالليل ويتوارى بالنهار حتى قدم المدينة (فلما أحضره) أي رأس سفيان إلى النبي ﷺ ورءاه رسول الله ﷺ (دعا له) قال: «قد أفلح الوجه»، فقال عبد الله: أفلح وجهك يا رسول الله، فوضع عبد الله رأسه بين يديه (وخصه) رسول الله ﷺ (بمخصرة) أي عصا، فبقيت عند عبد الله حتى حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدخلوها في كفنه ويجعلوها بين جلده وكفنه ففعلوا، وفي هذا دليل ظاهر للمسلمين على جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإذا كان الصحابة يحرصون على نيل البركة مما مسته يد رسول الله ﷺ فكيف بهم مع ما هو من بدن النبي ﷺ كشعره وقلامة أظفاره الشريفة.

بعثه ﷺ الـمنذر بن عمرو والقراء إلى بئر معونة

605- فبعثه المنذر والقرا إلى
606- فاستشهد السبعون إلا كعبا
607- ووجد النبي حزنا حتى
608- يدعو على القاتل حتى أنزلا

 

 

بئر معونة فطابوا نزلا
هو ابن زيد كان رتئا صعبا
قنت شهرا في الصلاة بحتا
{ليس لك} الآية ربنا علا

 

 (فـ)ـبعد بعثه عبد الله بن أنيس كان (بعثه) ﷺ (المنذر) بن عمرو (والقرا)ء السبعين في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة (إلى بئر معونة) وهي بئر قبل نجد بين أرض بني عامر وحرة([24]) بني سليم، وكلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: هي بئر لبني سليم بين جبال يقال لها أبلى في طريق الذاهب من المدينة إلى مكة، قاله ياقوت([25]).

وسبب خروج هذا البعث إلى بئر معونة أن رأس بني عامر أبا عامر ويكنى أبا براء ابن مالك ملاعب الأسنة – وهو عم عامر بن الطفيل عدو الله – قدم إلى رسول الله ﷺ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فلم يسلم لكن قال للنبي ﷺ: إني أرى أمرك هذا أمرا حسنا شريفا، وأهدى أبو عامر إلى النبي ﷺ ترسين وراحلتين، فقال له النبي ﷺ: «لا أقبل هدية من مشرك»([26]). ثم قال أبو براء: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد([27]) فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ: «إني أخشى أهل نجد عليهم»، قال أبو براء: أنا لهم جار وهم في جواري وعهدي، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، وخرج أبو براء إلى ناحية نجد وأخبرهم أنه قد أجار أصحاب محمد.

فبعث رسول الله ﷺ الـمنذر بن عمرو في القراء السبعين كما سبق، وفي رواية أن القراء كانوا أربعين، وعلى تقدير صحة هذه الرواية يمكن القول بأن الأربعين كانوا رؤساء وبقيتهم أتباعا([28]). وسمي هؤلاء بالقراء لملازمتهم قراءة القرءان، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا في ناحية المدينة يصلون ويتدارسون القرءان، فيظن أهلوهم أنهم في الـمسجد ويظن أهل الـمسجد أنهم في أهاليهم، حتى إذا كان وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا وجاؤوا بذلك إلى حجر النبي ﷺ، وكذلك كانوا يبيعون الحطب ويشترون به طعاما لأصحاب الصفة([29]).

(فـ)ـسار الـمنذر والقراء ومعهم كتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل حتى نزلوا بئر معونة و(طابوا) فيها ءامنين (نزلا) أي حيث نزلوا معسكرين وسرحوا الركاب مع عمرو بن أمية الضمري والحارث بن الصمة، ثم بعثوا حرام بن ملحان خال أنس بن مالك بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر عامر في الكتاب وعدا على حرام فقتله، ثم نادى عامر بن الطفيل بني عامر ليخرجوا معه في قتل بعث المسلمين فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستنصر عامر قبائل من بني سليم، عصية ورعلا وذكوان، فأجابوه إلى ذلك وخرجوا معه حتى أحاطوا بالقراء في رحالهم، فلما رءاهم المسلمون على ذلك أخذوا سيوفهم ثم قاتلوا حتى قتلوا (فاستشهد السبعون) القراء (إلا كعبا) و(هو ابن زيد) أخو بني النجار فإنه (كان رتئا) شديد البنية قويا (صعبا) فبقي به رمق مع ما فيه من الجراحات، وعاش حتى قتل يوم الخندق رضي الله عنه، وفي بعض نسخ الألفية: «كان رزءا صعبا» أي كان مقتل القراء أمرا عظيما شاقا على الـمسلمين ومصيبة كبيرة، وفسره علي الأجهوري في شرحه على الألفية «أن كعب بن زيد كان مصيبة على أعدائه».

وكان عمرو بن أمية الضمري والحارث بن الصمة في الركاب قد ابتعدا عن البعث ومعهما السرح، فلم ينبئهما بما جرى إلا الطير تحوم على الـمعسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا بعض مقاتلة الكفار التي أصابت القراء واقفة، فقال الحارث لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ فقال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الحارث: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه الـمنذر بن عمرو، فقاتل القوم حتى قتل وأخذ عمرو أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، فسألهما فأخبراه أنهما من بني عامر، وكان بين بني عامر وبين النبي ﷺ عهد لم يعلم به عمرو، فلما ناما عدا عليهما عمرو فقتلهما وهو يظن أنه قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر. ثم قدم على رسول الله ﷺ وأخبره خبر البعث فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا([30])»، وأخبر عمرو رسول الله ﷺ بقتل الرجلين فقال له ﷺ: «لئن قتلت قتيلين لأدينهما»([31]).

(ووجد) أي وحزن (النبي) ﷺ لقتل القراء (حزنا) شديدا (حتى قنت) أي قام يدعو بعد الركوع (شهرا في الصلاة) أي صلاة الصبح (بحتا) أي دعاء خالصا (يدعو) فيه (على القاتل) عامر بن الطفيل ومن سانده من أحياء بني سليم، رعل وذكوان وعصية، واستمر ﷺ على ذلك (حتى) أي إلى أن (أنزلا) والألف للإطلاق أي أنزل الله عز وجل ({؟؟}) انظر (الآية) في سورة ءال عمران التي أنزل (ربنا) جل و(علا) أي تنزه عن مشابهة المخلوقين، فالعلو هنا علو القدر لا علو الـمكان، لأن تعالى موجود أزلا وأبدا بلا كيف ولا مكان ولا يلحقه تغير في ذاته ولا تبدل في صفاته، لأنه كما قال عز وجل: {ليس كمثله شيء} في الذات والصفات والأفعال، فمن شبه الله بخلقه ولو بمعنى من المعاني فقد كفر.

والآية التي نزلت في ذلك في سورة ءال عمران هي قول الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [آل عمران:128]، ومعناها هؤلاء الذين دعوت عليهم يا محمد ما تدري بما يختم لهم، فالله عز وجل يتصرف فيهم على حسب مشيئته الأزلية، فقد يكون هؤلاء من السعداء الذين تحسن أحوالهم ويموتون على الإيمان أو يكونون بعكس ذلك، فالأمر كله إلى الله وليس لك من الأمر شيء، فترك رسول الله ﷺ الدعاء عليهم بعد ذلك، كذلك أفاده شيخنا الإمام الهرري رحمه الله تعالى.

وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه يبكي شهداء بئر معونة ويخص الـمنذر بن عمرو:

على قتلى معونة فاستهلي
على خيل الرسول غداة لاقوا
أصابهم الفناء بعقد قوم
فيا لهفي لمنذر إذ تولى
وكائن قد أصيب غداة ذاكم

 

بدمع العين سحا غير نزر
مناياهم ولاقتهم بقدر
تخون عقد حبلهم بغدر
وأعنق في منيته بصبر
من ابيض ماجد من سر عمرو

 تتمة: لا يخفى على ذي لب أن الـمسلمين كلهم على اعتقاد أنه لا أحد يشارك الله تعالى في صفة من صفاته، فالرسول ﷺ لا يعلم كل ما يعلمه الله تعالى، إنما الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على بعض الغيبيات، فالقول بأن الرسول ﷺ يعلم كل ما يعلمه الله أو أنه ﷺ مطلع على الغيب كله كلام مصادم للدين كفر وضلال مبين، والعياذ بالله تعالى.

ثم إن في حادثة بئر معونة ردا على من يقول بتلك المقالة الفاسدة في شأن النبي ﷺ، إذ كيف يجوز أن يكون الرسول ﷺ قد أرسل أصحابه إلى مغدرهم ومقتلهم ظلما وهو يعلم بذلك؟! فلو كان الرسول ﷺ يعلم الغيب كله لم يكن ليرسل أصحابه ويسلمهم إلى أيدي الظالمين الكفرة ليقتلوهم؟!

ثم إن الله تعالى أخبر في كتابه الـمبين أن النبي لا يعلم الغيب كله فقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [الأعراف:188]، وقال عز من قائل: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101]، صدق الله عز وجل وكذب الذين قالوا: «الرسول يعلم كل ما يعلمه الله».

فإن قال أولئك المتنطعون: هذه النصوص بالنسبة لسيرته الشريفة وحياته العظيمة، لكنه لم يخرج من الدنيا إلا وقد كشف له كل مغيب. فالجواب أن هذا الكلام منقوض بالحديث الثابت من قوله ﷺ إخبارا عما يكون يوم القيامة: «فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، الحديث. وقد قال الـملا علي القاري الحنفي في «الأسرار المرفوعة» ما نصه([32]): «ومن اعتقد تسوية علم الله ورسوله يكفر إجماعا كما لا يخفى» اهـ.

بعثه ﷺ بعض أصحابه إلى الرجيع

609- وبعثه إلى الرجيع مرثدا
610- هذا البخاري وفيه خانا
611- وأسروا زيدا خبيبا بيعا
612- ثم الذي ابتاع خبيبا قتله
613- وقصدت هذيل رأس عاصم

 

 

أو عاصم بن ثابت وأسندا
بسبعة منهم بنو لحيانا
وقتلوا ابن طارق صريعا
كذا بزيد مشتريه فعله
حمته دبر ثم سيل عاصم

 

 (و)بعد غزوة أحد كان (بعثه) ﷺ في صفر سنة ثلاث من الهجرة (إلى الرجيع) ماء لهذيل([33]) قرب الهدأة([34]) بين مكة والطائف([35]) ستة نفر هم عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد كناز بن حصين، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وخالد بن البكير، وقيل: فيهم سابع هو معتب بن عبيد أو ابن عوف([36])، وأمر عليهم رسول الله ﷺ (مرثدا) أي ابن أبي مرثد (أو) أن الأمير كان (عاصم بن ثابت) كما جاء في رواية، (و)قد (أسندا) أي روى (هذا) الأخير مسندا الإمام (البخاري) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب «الجهاد والسير»: باب: «هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر ومن ركع ركعتين عند القتل».

وفي سبب خروج هذا البعث خلاف، منها أن نفرا من عضل([37]) والقارة، وهم بنو الهون([38]) بن خزيمة بن مدركة، قدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له أنهم قد أسلموا ورغبوا أن يبعث النبي ﷺ نفرا من الـمسلمين يعلمونهم القرءان ويفقهونهم في الدين.

فبعث رسول الله ﷺ معهم الصحابة الستة أو السبعة (و)لكن (فيه) أي في هذا البعث قد (خانا) أي غدر بهم القوم، وذلك أن الصحابة لما ساروا مع بني الهون حتى إذا وصلوا إلى الرجيع استرخ عليهم بنو الهون هذيلا وغدروا (بسبعة) على رواية البخاري، وبستة (منهم) عند غيره، والغادرون هم حي من هذيل يقال له (بنو لحيانا) والألف في «لحيانا» للإطلاق، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل أو مائة رام([39])، فلم يجد الـمسلمون إلا والرجال قد أحاطوا بهم وبأيدهم السيوف، فأخذ الـمسلمون سيوفهم ليقاتلوهم فأمنوهم وأخبروهم أنهم لا أرب لهم في قتلهم وأنهم إنما يريدون أن يصيبوا بهم فداء من أهل مكة.

فأبى مرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت وخالد بن البكير أن يقبلوا منهم قولهم ذلك وقالوا: والله لا قبلنا لمشرك عهدا أبدا، وقاتلوا حتى قتلوا. وكان عاصم بن ثابت رضي الله عنه قد قتل يوم أحد الجلاس ومسافعأ من بني عبد الدار، فنذرت والدتهما إن أمكنها الله من رأس عاصم لتشربن الخمر في ما انفلق من جمجمته. (و)لما (قصدت هذيل) أي بنو لحيان منهم (رأس عاصم) أي أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة (حمته دبر) أي زنابير أرسلها الله تعالى ومنعتهم من أخذه، فقالوا: إن الدبر سيذهب في الليل، فإذا جاء الليل أخذناه، (ثم) كان الليل فجاء (سيل) لم ير مثله فحمل الجثة والرأس وهو لهما من أيدي لحيان (عاصم) أي مانع لهم من أخذهما.

وأما خبيب وزيد وعبد الله فصعدوا الجبل فلم يقدر القوم عليهم حتى أعطوهم العهد والـميثاق، فلما نزلوا إليهم استمكن بنو لحيان منهم (وأسروا زيدا) وخبيبا وعبد الله فربطوهم بالحبال، وكان مآل الثلاثة القتل، لكن زيدا، و(خبيبا) قد (بيعا) قبل أن يقتلا (وقتلوا) عبد الله (ابن طارق صريعا) أي قتيلا ولم يبع قبل ذلك.

وخبر قتل كل واحد من الثلاثة رضي الله عنهم هو كما نذكره هنا:

أما عبد الله بن طارق فإنه لما أسروه حين نزل من الجبل بعدما أعطوه الـميثاق قال لهم: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم([40])، إن لي بهؤلاء القتلى أسوة([41])، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وهذا الذي ذكره البخاري في «صحيحه». وروي عند غير البخاري أن ابن طارق قيد إلى مكة مع خبيب وزيد، حتى إذا كانوا بالظهران([42]) انتزع عبد الله بن طارق يده من الحبل ثم أخذ سيفه فاستأخر عنه الكفرة ورموه بالحجارة حتى قتلوه ودفنوه بالظهران.

وأما خبيب وزيد فخرج القوم بهما إلى مكة ليبيعوهما بها، وكان كذلك. (ثم) إن الـمشتري (الذي ابتاع) أي اشترى (خبيبا) من بني لحيان قد (قتله) بعدما اشتراه، واختلف في مشتريه، ففي «صحيح البخاري» أن الـمشتري بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وعند ابن عقبة أن أبا إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم وأمية بن أبي عتبة وصفوان بن أمية وبني الحضرمي – وهم أبناء من قتل من الـمشركين يوم بدر – كل اشترك في شراء خبيب، وقيل غير ذلك.

وكان خبيب رضي الله عنه هو قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله، قال بعض بنات الحارث: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمرة، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين، ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع من الموت لزدت([43])، اللٰهم أحصهم عددا([44])، واقتلهم بددا([45])، ولا تبق منهم أحدا: [الطويل]

فلست أبالي حين أقتل مسلما
وذلك في ذات الإله
([46]) وإن يشأ

 

 

على أي جنب([47]) كان لله مصرعي([48])
يبارك على أوصال شلو ممزع([49])

 

 ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة.

واشترى زيدا صفوان بن أمية (كذا) أي وكما فعل بخبيب من اشتراه كذلك (بزيد مشتريه فعله) أي حبسه حتى انسلخت الأشهر الحرم ثم بعثه صفوان مع غلامه نسطاس([50]) فأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس.

بعثه ﷺ محمد بن مسلمة إلى القرطاء (القرظاء)

614- فبعثه محمد بن مسلمه
615- شاء لهم ونعما أصابوا
616- لم يعرضوا للظعن أمر رامه

 

 

للقرظا أصاب منهم مغنمه
بعضهم وبعضهم هراب
أميرهم وأسروا ثمامة

 

 (فـ)ـبعد بعث النفر إلى الرجيع كان (بعثه) ﷺ (محمد بن مسلمة) الأنصاري (للقرظا)ء بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة بخط الناظم وبضبط عبد الرؤوف المناوي شارح الألفية، وضبطها ابن ماكولا([51]) والشيخ الصالحي([52]) بالطاء المهملة، وصوب الزرقاني([53]) إسكان الراء مع الطاء الـمهملة، وهم بطن من بني أبي بكر بن كلاب كانوا ينزلون البكرات([54]) بناحية ضرية([55]).

وكان خروج هذا البعث لعشر خلون من الـمحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة في ثلاثين راكبا، وقد أمر رسول الله ﷺ ابن مسلمة أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، حتى إذا كان بالشربة([56]) لقي ظعنا([57]) فأرسل رجلا من أصحابه يسأل من هم، فذهب الرجل ثم رجع إليه فقال: قوم من بني محارب، ثم أغار على القرظاء و(أصاب منهم مغنمه) فاستاق (شاء لهم ونعما) ونالوا منهم فـ(ـأصابوا) أي قتلوا (بعضهم و)ولى (بعضهم) أي بعض القرظاء الأدبار وهم (هراب) أي فارون و(لم يعرضوا) بفتح الياء وكسر الراء أي لم يتعرض ابن مسلمة وأصحابه (للظعن)، وهذا (أمر) فعلوه لأن (رامه) أي طلبه منهم وقصده لسبب (أميرهم) محمد بن مسلمة رضي الله عنه.

ثم انطلقوا حتى إذا كانوا بموضع يطلعهم على بني بكر بعث محمد بن مسلمة عابد بن بشير إليهم وخرج محمد في أصحابه فشن عليهم الغارة فقتل منهم عشرة واستاقوا النعم والشاء، ثم انحدر محمد رضي الله عنه إلى المدينة المنورة، فما أصبح إلا بضرية مسيرة ليلة أو ليلتين، ثم حدر بالنعم وخشي الطلب فطرد الشاء أشد الطرد فكانت تجري معهم كأنها الخيل حتى بلغ العداسة([58]) فأبطأت عليهم الشاء بالربذة([59]) فخلفها محمد مع نفر من أصحابه وطرد النعم حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ ووصل بعده الشاء فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به محمد وعدل الجزور بعشرة من الغنم، وكان النعم مائة وخمسين بعيرا والغنم ثلاثة ءالاف شاة، (وأسروا) في تلك الغارة (ثمامة) ابن أثال الحنفي من بني حنيفة سيد أهل اليمامة وهم لا يعرفونه، وجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: «أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي» فربطوه بسارية من سواري الـمسجد.

بعثه ﷺ عكاشة بن محصن إلى بني أسد

617- فبعثه عكاشة بن محصن
618- أسد على يومين أي من فيد

 

 

لغمر مرزوق مويه لبني
فهربوا وما لقوا من كيد

 

 (فـ)ـبعد بعث ابن مسلمة إلى القرظاء كان (بعثه) ﷺ (عكاشة) بتشديد الكاف وتخفيفها (ابن محصن) الأسدي (لغمر) أو غمرة (مرزوق) اسم (مويه) تصغير ماء أي موضع فيه ماء (لبني أسد على) مسير (يومين أي) زائدة (من فيد) وهذه الأخيرة نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة وقد سبق ذكرها.

وكان بعث عكاشة في شهر ربيع الأول من سنة ست من الهجرة في أربعين رجلا، فخرجوا سريعا، فعلم القوم بخروجهم (فهربوا) من مالهم، فنزل البعث على مياههم فوجدوها خاوية، فبعث عكاشة شجاع بن وهب طليعة يطلب خبر القوم أو يرى أثرا، فرجع شجاع وأخبره أنه رأى أثر نعم قريبا، وأصاب البعث ربيئة([60]) للقوم فقالوا: أتخبر عن الناس؟ قال: وأين الناس، قد لحقوا بعلياء بلادهم، قالوا: فالنعم؟ قال: ما معهم، فضربه أحدهم بسوط في يده فقال: أتؤمنوني على دمي وأطلعكم على نعم لبني عم لهم لم يعلموا بمسيركم إليهم؟ قالوا: نعم، فآمنوه فانطلقوا معه فأمعن([61]) حتى خافوا أن يكون ذلك غدرا منه لهم فقالوا: والله لتصدقننا أو لنضربن عنقك، فقال: تطلعون عليهم من هذا الظريب([62])، فدنوا فإذا نعم رواتع فأغاروا عليها وأصابوها، وهربت الأعراب في كل وجه، ونهى عكاشة عن الطلب، واستاقوا مائتي بعير فحدروها إلى المدينة وتركوا الرجل، ثم قدموا على رسول الله ﷺ ولم يصب منهم أحد (وما لقوا من كيد) أي لم يلقوا قتالا من أحد.

بعثه ﷺ محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة

619- وبعثه أيضا إلى ذي القصة
620- في عشرة فأحدق الأعراب
621- كلهم قتلا سوى ابن مسلمة

 

محمدا إلى بني ثعلبة
بهم وكانوا مائة أصابوا
جرح جرحا سالما ما أسلمه

 (و)كان (بعثه) ﷺ (أيضا إلى ذي القصة) بفتح القاف (محمدا) ابن مسلمة رضي الله عنه، وذو القصة موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا وهو طريق الربذة([63]). فخرج محمد بن مسلمة في أول ربيع الآخر سنة ست من الهجرة (إلى بني ثعلبة) بن سعد من غطفان (في عشرة) من الرجال، فلما ورد البعث على ذي القصة ليلا كمن لهم رجال من بني ثعلبة حتى ناموا، (فـ)ـما شعر الـمسلمون إلا أنهم قد (أحدق) أي أحاط (الأعراب) بنو ثعلبة (بهم) بالنبل من كل جانب (وكانوا) أي مقاتلو بني ثعلبة (مائة)، فوثب محمد بن مسلمة ومعه قوس وصاح في أصحابه: «السلاح»، فوثبوا وترامى الطرفان ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح و(أصابوا) بعث الـمسلمين (كلهم قتلا سوى) محمد أي (ابن مسلمة) فقد (جرح جرحا) بفتح الجيم إلا أنه خرج (سالما) من القتل (ما أسلمه) وهو حشو كمل بشه الوزن، والمعنى أعجب من حال ابن مسلمة كيف سلم من القتل.

وقد جرد بنو ثعلبة الـمسلمين من ثيابهم، فمر رجل من الـمسلمين على القتلى فاسترجع، فلما سمعه محمد بن مسلمة تحرك له فعرض عليه الرجل طعاما وشرابا وحمله حتى ورد به المدينة.

بعثه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى بني ثعلبة

622- فبعثه لهم أبا عبيدة
623- لكن أصابوا رجلا فأسلما

 

لم يجد القوم وحادوا حيدة
وغنموا شاء لهم ونعما

 ولما وصل محمد بن مسلمة المدينة المنورة علم رسول الله ﷺ خبر ما جرى (فـ)ـكان (بعثه) ﷺ (لهم) أي لبني ثعلبة حيث مصارع الـمسلمين (أبا عبيدة) عامر بن الجراح في أربعين رجلا فـ(لم يجد القوم) الكافرين (و)ذلك لأن بني ثعلبة كانوا قد (حادوا) أي تنحوا عن مكانهم (حيدة) هربا في الجبال (لكن أصابوا) أي الـمسلمون (رجلا) منهم (فأسلما) فتركوه، (وغنموا) أي الـمسلمون (شاء لهم) أي لبني ثعلبة (ونعما) وجدوها هناك، فساقوها إلى المدينة فخمسها رسول الله ﷺ وقسم باقيها فيهم.

وروي([64]) عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه أنه لما كانت غزوة خيبر نظر فوجد أحد النفر الذين كانوا تولوا ضربه يوم ذي القصة، فلما رءاه ذاك أسلم.

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم

624- فبعث زيد لبني سليم
625- وقد أصابوا نعما وشاء

 

 

وهم ببطن نخل بالجموم
وأسروا ما الله منهم شاء

 

 (فـ)ـبعد بعث أبي عبيدة بن الجراح كان (بعثـ)ـه ﷺ لـ(ـزيد) ابن حارثة (لبني سليم) في ربيع الآخر من سنة ست للهجرة، ولم يكن رسول الله ﷺ يبعث زيدا في بعث إلا أمره عليهم، (وهم ببطن نخل) جمع نخلة، موضع من المدينة على أربعة أميال من طريق البصرة([65])، وكانت بنو سليم (بـ)ـناحية (الجموم) من بطن نخل عن يسارها، والجموم بفتح الجيم، وقيل: هي الجموح بالحاء([66])، فأصاب البعث امرأة من مزينة تدعى حليمة (وقد) دلتهم على محلة من منازل بني سليم فـ(ـأصابوا) في تلك المحلة (نعما وشاء وأسروا) أسرى (ما) أي الذي (الله منهم) أي من بني سليم (شاء) أن يغنم، فكان في الأسرى زوج حليمة الـمزنية، فلما رجع زيد بن حارثة إلى المدينة بما غنموه وهب النبي ﷺ للمزنية نفسها وزوجها، فقال بلال بن الحارث الـمزني في ذلك: [الطويل]

لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت

 

 

حليمة حتى راح ركبهما معا

 

 بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى العيص

626- فبعثه للعيص حتى أخذوا
627- وفضة كثيرة وأسرى
628- صهر النبي زوج زينب استجار

 

 

عير قريش كلها ونفدوا
ممن مع العير أتوا والصهرا
بها أجارته وأهل أن يجار

 

 كان أبو العاص بن الربيع قد خرج تاجرا بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل راجعا إلى مكة بلغ رسول الله ﷺ خبر عير قريش (فـ)ـكان (بعثه) ﷺ زيد بن حارثة في جمادى الأولى من سنة ست من الهجرة في سبعين ومائة راكب (للعيص) بكسر العين وسكون الياء موضع في بلاد بني سليم على أربعة أميال من المدينة به ماء يقال له ذنبان([67]) العيص([68])، فأغار البعث على قافلة أبي العاص (حتى أخذوا عير) أي قوافل (قريش) المحملة للأموال والبضاعة (كلها، ونفذوا) أي ورجع الـمسلمون بها إلى المدينة (و)قد غنموا يومئذ (فضة كثيرة) كانت لصفوان بن أمية (و)أسروا (أسرى ممن) أي رجالا كانوا (مع العير) قد (أتوا) من الشام (و)أسروا (الصهرا)أأ أبا العاص بن الربيع أي (صهر النبي) ﷺ (زوج زينب) بنته، فإنه كان في الأسرى، وكانت زينب رضي الله عنها قد هاجرت إلى المدينة قبل ذلك وأبو العاص على الكفر.

فأقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ فـ(ـاستجار) أي استغاث (بها) أن تجيره فـ(ـأجارته) زينب (و)قد عرف أبو العاص من قبل إسلامه بصدق لسانه وأمانته إذا أعطى العهد، فقول الناظم: (أهل أن يجار) معناه أنه قد ظهر أن أبا العاص إذا أجير لم يغدر ولم ينقض العهد إذا أعطاه.

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى بني ثعلبة

629- فبعثه رابعة إلى الطرف
630- إلى بني ثعلبة أصابوا

 

 

ماء قريب من مراض فانصرف
أنعامهم وهرب الأعراب

 

 (فـ)ـبعد إرسال زيد رضي الله عنه إلى العيص كان (بعثه) له مرة (رابعة) أميرا على بعث في جمادى الآخرة من السنة السادسة للهجرة ومعه خمسة عشر رجلا (إلى الطرف) بتحريك الراء (ماء) على ستة وثلاثين ميلا من المدينة([69]) (قريب من مراض) بكسر الـميم موضع على طريق الحجاز من ناحية الكوفة([70])، (فانصرف) زيد مع الرجال إلى حيث وجههم رسول الله ﷺ (إلى بني ثعلبة) بن سعد – مصروف للوزن – حتى إذا كان بالطرف (أصابوا) أي الـمسلمون (أنعامهم) وشياههم (وهربـ)ـت (الأعراب) وخافوا أن يكون رسول الله ﷺ قد سار إليهم. وانحدر زيد بن حارثة بالنعم والشاء حتى أصبح في المدينة، وخرج بنو ثعلبة في طلبه فأعجزهم، فقدم بعشرين بعيرا وقد غاب أربع ليال ولم يلق كيدا، وكان شعار هذا البعث «أمت أمت».

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى جذام

631- وبعثه خامسة لحسمى
632- صبحا على القوم أصابوا العارضا
633- في قومه لدحية الكلبي
634- وكان زيد معه خمسمائة
635- مائةن النساء والصبيانا
636- معه كتاب المصطفى إذ أسلما
637- أموالهم مع حريمهم فرد

 

 

إلى جذام فأتاهم هجما
وأبه هنيدا المعارضا
فقطعوا طريقه بالقي
فأخذوا الأنعام والسبي فئة
فجاء زيد من جذام كانا
له وللقوم فسال المغنما
كلا إليهم وافيا بما عهد

 

 لما قدم رفاعة بن زيد الجذامي على قومه من عند رسول الله ﷺ بكتابه يدعوهم إلى الإسلام استجابوا له، ثم لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر ملك الروم حين بعثه رسول الله ﷺ إليه، فلقيه الهنيد بن عوض([71]) وابنه عوض أو ابن عارض وابنه عارض من صليع – بطن من قبيلة جذام – فأصابا كل ما كان مع دحية كان أجمل الناس ولم يتركوا عليه إلا سمل ثوب([72])، فبلغ ذلك قوما من بني الضبيب – تصغير ضب وهم بطن من جذام – رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب فنفروا إلى الهنيد وابنه فاقتتلوا واستنقذوا لدحية متاعه.

وقدم دحية على رسول الله ﷺ فأخبره خبره، فعزم رسول الله ﷺ الأمر (و)كان (بعثه) زيد بن حارثة أميرا على سرية مرة (خامسة) يخرج بها (لحسمى) بحاء مهملة مكسورة أرض ببادية الشام بينها وبين المدينة ثمان ليال([73]) (إلى) قبيلة (جذام) بطن من كهلان من القحطانية، وجذام هو لقب أبي القبيلة عمرو بن عدي([74]).

وكان خروج زيد رضي الله عنه في جمادى الآخرة سنة ست في سرية ومعه دحية، فكان يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل له من بني عذرة.

(فأتاهم هجما) أي هجم زيد وأصحابه (صبحا) على الهنيد وابنه و(على القوم) الذين كانوا بمحلتهم فـ(ـأصابوا العارضا) وفي رواية: عوضا (وأبه) أي والده (هنيدا) ابن العارض أو ابن العوض (المعارضا) أي كما سبق قريبا أنه اعترض (في) جمع من (قومه لدحية الكلبي) وهو راجع من عند قيصر (فقطعوا) عليه (طريقه بالقي) أي الأرض الخالية ممن ينصره وغصبوه ما معه، (و)كان جزاء العوض وابنه أنهما قتلا إذ (كان زيد) خارجا و(معه) سرية عظيمة فيها (خمسمائة) من الرجال (فأخذوا الأنعام) الخمسة ءالاف التي كانت للقوم وألفا من الإبل (و)سبوا (السبي) منهم (فئة) أي عددا كبيرا بلغ (مائة) شاملة (النساء والصبيانا) من السبي، وأدرك بنو الضبيب زيدا – وكانوا قد أسلموا وقرؤوا شيئا من القرءان – وحدثوه أن يرد عليهم ما أخذه.

ثم (جاء زيد) أي ابن رفاعة الجذامي مع نفر (من جذام) إلى رسول الله ﷺ، ذلك بأنه (كانا) والألف للإطلاق (معه لأجل الوزن كتاب المصطفى) أي كان قد كتبه ﷺ له ولقومه حين قدم عليه (إذ أسلما) أي زيد (له) ﷺ (و)استعذر (للقوم) عما وقع منهم في حق دحية الكلبي (فسال المغنما) أي أن يرد عليهم (أموالهم) التي غنمت (مع حريمهم) أي نسائهم التي سبيت، فبعث رسول الله ﷺ معهم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حريمهم وأموالهم، فتوجه علي إلى زيد بن حارثة وأبلغه أمر رسول الله ﷺ معهم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حريمهم وأموالهم، فتوجه علي إلى زيد بن حارثة وأبلغه أمر رسول الله ﷺ فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم. (فرد) زيد (كلا) أي كل ما أخذ من جذام من أموال وسبايا (إليهم) جميعه (وافيا) أي منجزا (بما عهد)ه رسول الله ﷺ إلى زيد بن رفاعة الجذامي.

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى بني فزارة

638- فبعثه أيضا له مؤمرا
639- به أصيب المسلمون قتلا

 

 

سادسة لوجهة وادي القرى
وارتث زيد من خليط القتلى

 

 (فـ)ـبعد إرسال زيد رضي الله عنه إلى جذام كان (بعثه) ﷺ (أيضا له) في بعث (مؤمرا) أي جاعلا له أميرا عليهم مرة (سادسة) لأهلية زيد رضي الله عنه لهذا الأمر، وذلك في رمضان سنة ست م، الهجرة (لوجهة) هي (وادي القرى) بضم القاف، مدينة قديمة قرب المدينة المنورة.

وسبب إرسال هذا البعث أن زيدا رض الله عنه كان قد خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضاعة لبعض أصحاب رسول الله ﷺ، فخرج عليهم (به) أي بوادي القرى أو قريبا من وادي القرى أناس من بني بدر من فزارة فضربوه ومن معه حتى (أصيب المسلمون) الذين كانوا في القافلة (قتلا) سوى زيد فإنه جرح ولم يقتل، وظن بنو بدر أنهم قتلوه ثم أخذوا ما كان معه.

(وارتث) أي حمل (زيد) رثيثا أي جريحا (من خليط) أي وسط (القتلى) وبه رمق، أو أنه تحامل([75]) حتى قدم المدينة.

([1]) الوفا بأحوال المصطفى، أبو الفرج بن الجوزي، (2/111).

([2]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (8/56).

([3]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (3/371).

([4]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/4).

([5]) المصدر السابق، (7/281).

([6]) سيرة ابن هشام، عبد الملك بن هشام، (1/600).

([7]) الجامع لأحكام القرءان، شمس الدين القرطبي، (3/46).

([8]) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، (4/598).

([9]) الإشارة، علاء الدين مغلطاي، (ص202).

([10]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/222).

([11]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([12]) أي: من طعنها في النبي ﷺ والإسلام.

([13]) والعفك الحمق.

([14]) أي: على غفلة.

([15]) أي: شديدة الحر.

([16]) أي: خارجه.

([17]) أي: أطلع الله رسوله على ذلك وحيا.

([18]) بفتح الثاء واللام، واد يدق إلى وادي الرمة من تحت ماء الحاجر، قاله في «معجم البلدان» (2/82).

([19]) معجم ما استعجم، أبو عبيد البكري، (3/1003).

([20]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (4/375).

([21]) المصدر السابق، (4/282).

([22]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (8/351).

([23]) بكسر اللام وفتحها.

([24]) الحرة اسم للأرض التي كسيت بالحجارة السوداء.

([25]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (1/302).

([26]) جمع بعض العلماء بين هذا الحديث وأخبار قبوله ﷺ للهدايا من الكفار بأن قبول الشارع هدية من قبل هديته من الـمشركين إنما كان على وجه التأنيس والتأليف رجاء إنابتهم إلى الإسلام، أما من يئس من إسلامه منهم رد هديته، وقال بعضهم: قبوله ﷺ هدايا المشركين إنما كان نظرا منه للمسلمين وعودا بنفعه عليهم لا إيثارا منه نفسه به دونهم، وقيل غير ذلك.

([27]) وهم بنو عامر وبنو سليم.

([28]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/387).

([29]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/241).

([30]) أي: أحبوا الله وأحبهم الله.

([31]) أي: لأدفعن ديتهما.

([32]) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (الموضوعات الكبرى)، الملا علي القاري، (ص454).

([33]) أي: موضع فيه ماء لهم.

([34]) بفتح الهاء وإسكان الدال موضع بين عسفان ومكة، قاله في «معجم البلدان» (5/395).

([35]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (3/29).

([36]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/39).

([37]) بفتح العين وتحريك الضاد.

([38]) بفتح الهاء وإسكان الواو، وذكر ابن هشام في «سيرته» (2/169) وجها بضم الهاء.

([39]) قال القسطلاني في «الـمواهب اللدنية» (2/479): «والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة».

([40]) أي: إلى مكة.

([41]) يعني: مرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت وخالد بن البكير.

([42]) واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها: «مر» تضاف إلى هذا الوادي فيقال: «مر الظهران»، قاله في «معجم البلدان» (4/63).

([43]) أي: لأطلت الصلاة، وذلك لأنه ممن يلتذ بالصلاة.

([44]) هو دعاء عليهم بالهلاك استئصالا، أي: عمهم بالعذاب.

([45]) يروى بكسر الباء جمع بدة وهي الحصة والنصيب أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه، ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد، من التبديد، قاله في «النهاية» (1/105).

([46]) وفي رواية: «شق» بكسر الشين.

([47]) أي: موتي. ومراده استواء كيفيات الموت عنده حال موته شهيدا.

([48]) أي: في مرضاة الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يحل فيه شيء أو أن يحل هو في شيء.

([49]) أي: جسم مقطع الأعضاء، وقد يطلق الشلو على العضو من البدن.

([50]) بكسر النون، حضر أحدا مع الكفار ثم أسلم وحسن إسلامه.

([51]) الإكمال، أبو نصر بن ماكولا، (7/139).

([52]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/215).

([53]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (3/101).

([54]) ماء لضبة بأرض اليمامة أو لبني ذؤيبة من الضباب، قاله في «معجم البلدان» (1/475).

([55]) بفتح الضاد وكسر الراء، قرية عامرة في طريق مكة من البصرة، قاله في «معجم البلدان» (3/457).

([56]) بفتح الشين وتحريك الراء وتشديد الباء، بين السليلة والربذة، قاله في «معجم البلدان» (3/332).

([57]) جمع ظعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج.

([58]) قال الشيخ محمد الصالحي في «سبل الهدى» (6/74): «بفتح العين والدال المشددة بعد الألف سين مهملات، كذا في نسخة صحيحة من مغازي محمد بن عمر الأسلمي (الواقدي) ولم أر لها ذكرا فيما وقعت عليه من كتب الأماكن والبلدان».

([59]) بفتح أوله وثانيه، قرية من قرى المدينة قريبة من ذات عرق على فيد لمكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري، قاله في «معجم البلدان» (3/24).

([60]) أي: طليعة وعينا يكشف لهم الخبر.

([61]) أي: بالغ في الطلب.

([62]) الظرب بوزن الكتف الجبل الصغير، والظريب تصغير الظرب.

([63]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (4/366).

([64]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/79).

([65]) أما بطن نخلة بغير تنوين فموضع بين مكة والطائف.

([66]) الإشارة، علاء الدين مغلطاي، (ص269).

([67]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (4/173).

([68]) بفتح الذال وتحريك النون نوع من النبات.

([69]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/267).

([70]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (5/93).

([71]) بكسر العين وفتح الواو والضاد الـمعجمة، كذا ضبطه في «سبل الهدى» (6/90)، أما العوص بضم العين والصاد المهملة فهو عوص بن عوف بن عذرة الكلبي.

([72]) أي: ثوبا باليا.

([73]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (2/258).

([74]) عجالة الـمبتدي وفضالة الـمنتهي في النسب، أبو بكر الهمداني، (ص39).

([75]) أي: تكلف النهوض على مشقة.

بعثه ﷺ عبد الرحمن بن عوف إلى بني كلب

640- بعث ابن عوف بعده لكلب
641- أميرهم أصبغ بالإسلام
642- وأمر النبي أن يصاهرا

 

 

بدومة الجندل فاز الكلبي
ومعه ناس من الأقوام
نكح ذاك ابنة ذا تماضرا

 

 غزا رسول الله ﷺ وأصحابه دومة الجندل في السنة الخامسة من الهجرة وغنم نعم القوم الكفرة بها من بعد أن فروا عنها هربا من القتال، فلما كان شعبان سنة ست من الهجرة كان (بعث) عبد الرحمن (ابن عوف) رضي الله عه من قبل رسول الله ﷺ في سبعمائة رجل([1]) (بعده) أي عقب بعث زيد إلى فزارة، (لـ)ـبني (كلب) وهم (بدومة الجندل) بضم الدال مدينة شمال المدينة المنورة على عشر مراحل منها وبينها وبين دمشق ثمان أو عشر مراحل([2])، ليدعو أهلها إلى الإسلام.

وقال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن: «إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم»، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، ومكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم أن يعطوا إلا السيف، فلما اليوم الثالث (فاز) ابن عمرو (الكلبي أميرهم) واسمه (أصبغ بـ)ـدخوله في (الإسلام) وكان قبل ذلك نصرانيا، (و)أسلم (معه ناس) كثير (من الأقوام) أي من قومه، وأقام من أقام منهم على النصرانية على إعطاء الجزية، فكتب عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله ﷺ يخبره بما جرى وأنه أراد أن يتزوج فيهم، ثم بعث الكتاب مع رافع بن مكيث، فكتب إليه (وأمر)ه (النبي) ﷺ (أن يصاهرا) الألف للإطلاق أي بنكاح ابنة الأصبغ بن عمرو الكلبي، فـ(ـنكح ذاك) أي عبد الرحمن (ابنة ذا) أي الأصبغ وكانت تدعى (تماضرا) بضم التاء وكسر الضاد – والألف للإطلاق – فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها ثم أقبل بها المدننة، فكانت أول كلبية يتزوجها قرشي([3])، ثم طلقها عبد الرحمن بن عوف قبل وفاته فتزوجها الزبير بن العوام ثم طلقها بعد سبع ليال فكان يروى عنها أنها كانت تقول للنساء: «إذا تزوجت إحداكن فلا يغرنك السبع بعد ما صنع بي الزبير»([4]).

بعثه ﷺ علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر

643- فبعثه لفدك عليا
644- الليل سيرا وكمن نهارا
654- فهربوا إذ جاءهم بالظعن

 

 

إلى بني سعد بن بكر أحيا
حتى أتاهم غفلة أغارا
واستاق أنعامهم غير وني

 

 (فـ)ـبعد بعث ابن عوف كان (بعثه) ﷺ (لـ)ـأرض (فدك)([5]) قرية بخيبر بينها وبين المدينة يومان أو ثلاثة (عليا) ابن أبي طالب رضي الله عنه (إلى بني سعد بن بكر) في شعبان سنة ست من الهجرة في مائة رجل.

وسبب البعث أنه بلغ رسول الله ﷺ أن لبني سعد بن بكر جمعا يريدون أن يمدوا يهود خبير. فخرج علي رضي الله عنه في السرية من المدينة إلى فدك، وقد (أحيا) مع رجاله (الليل سيرا) نحو فدك (وكمن) أي اختبأ وأصحابه (نهارا) لئلا يطلع عليهم عدوهم، فمضوا على ذلك (حتى) انتهوا إلى الهمج([6]) – ماء بين خيبر وفدك – فوجدوا به رجلا فقالوا: ما أنت؟ فقال: باغ، فقالوا: هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به. فلما شددوا عليه أقر أنه عين لبني سعد بعثوه إلى خيبر يعرض على يهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقوموا عليهم، فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم قد تجمع منهم مائتا رجل ورأسهم وبر بن عليم، قالوا: فسر بنا حتى تدلنا، قال: على أن تؤمنوني، قالوا: إن دللتنا عليهم ءامناك، فخرج بهم دليلا حتى وصل بهم إلى منزل بني سعد فـ(ـأتاهم) علي وأصحابه (غفلة) دون سابق إنذار و(أغارا) أي علي وأصحابه على منازلهم (فهربوا) من ساعتهم (إذ جاءهم) الـمسلمون، وكان هروب رجالهم (بـ)الأولاد و(الظعن) بضم الظاء أي ومعهم نساؤهم دون سرحهم، (واستاق) أي حمل علي (أنعامهم) معه يسوقها سوقا سريعا حال كونه (غير وني) أي غير ضعيف في سوقها، وهو حشو كمل به الوزن. وكانت الأنعام خمسمائة بعير وألفي شاة، فعزل علي رضي الله عنه لرسول الله ﷺ لقاحا ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم ومن معه المدينة.

بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى أم قرفة

646- فبعثه زيدا لأم قرفة
647- وصح في «مسلم» الطريق

 

 

سابعة فقتلت بعسفة
بأنما أميرها الصديق

 

 قد سبق قريبا ذكر بعثه ﷺ زيد بن حارثة إلى بني فزارة وأنهم قتلوا أصحاب البعث وجرحوا زيدا فعاد إلى المدينة وقد بقي به رمق، (فـ)ـكان (بعثه) ﷺ (زيدا) حين استبل من جراحه، في رجال إلى بني فزارة و(لـ)ـقتل فاطمة بنت ربيعة بن بدر المعروفة بـ(ـأم قرفة) بكسر القاف وإسكان الراء([7])، وتعد هذه بعثة (سابعة) لزيد.

وقد خرج زيد رضي الله عنه يكمن نهارا ويسير ليلا، فلما علم بنو بدر بخروج بعث الـمسلمين فاستعدوا، فلما كان زيد ومن معه على مسيرة ليلة من القوم أخطأ بهم دليلهم الطريق، فصبحوا وقد أحاطوا بالقوم، فكبر زيد وأصحابه، وخرج سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يطلب رجلا من القوم حتى قتله وقد كان أمعن في طلبه، وقتل قيس بن المحسر اليعمري النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة من بني بدر، وأسر بعض وجهاء بني بدر.

وأمر زيد بن حارثة بقتل أم قرفة (فقتلت) على يد قيس بن المحسر([8]) (بعسفة) أي قتلا عنيفا وذلك بربط رجليها بحبلين ثم ربطها بين بعيرين وزجرهما، فذهب البعيران بها فقطعاها. ولقد كانت عدوة الله تقع في رسول الله ﷺ وتحرض عليه، وقد جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها وقالت لهم: اقدموا المدينة فاقتلوا محمدا، فكانت تعد في قومها رئيسة شديدة حتى إنه قيل في المثل: «أمنع وأعز من أم قرفة» لما كان يعلق في بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا كلهم لها محرم.

وقدم زيد بن حارثة المدينة على رسول الله ﷺ والنبي في بيته، فقرع الباب فقام إليه النبي كاشفا عن عاتقه حتى اعتنقه وقبله وسأله فأخبره زيد بما أظفره الله تعالى به. وقد وقع في رواية عند الترمذي في «جامعه» عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه» فهو محمول كما قال الشراح([9]) على أنه كان ساترا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداؤه من عاتقه وكان ما فوق سرته عريانا.

(و)كون زيد أمير هذه السرية هو الذي جرى عليه جمع من أهل السير والمحدثين، لكن (صح) أيضا (في) صحيح (مسلم) غير هذه الرواية وهي (الطريق) التي رويت مسندة إلى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه (بأنما أميرها) أي هذه السرية هو أبو بكر (الصديق) رضي الله عنه.

بعثه ﷺ عبد الله بن عتيك إلى ابن أبي الحقيق

648- فبعثه لابن عتيك معه
649- لخيبر لابن أبي الحقيق
650- واختلفوا فقيل ذا في السادسة

 

 

قوم من الخزرج كي تمنعه
لقتله أعين بالتوفيق
أو ثالث أو رابع أو خامسة

 

 (فـ)ـبعد بعث زيد إلى فزارة وقتل أم قرفة كان (بعثه) ﷺ (لـ)ـعبد الله (ابن عتيك) بفتح العين.

فخرج ابن عتيك الخزرجي و(معه قوم من الخزرج) عدتهم أربعة وعليهم خامسهم ابن عتيك (كي تمنعه) أي كي تكون هذه الأربعة منعة لابن عتيك من أن يصل إليه أحد من عدوه بسوء، وتوجه البعث (لخيبر) لقتل أبي رافع سلام([10]) بن أبي الحقيق اليهودي وكان سبب الخروج في ذلك أن أبا رافع كان قد جمع غطفان ومن حوله من مشركي العرب فحزبهم وجعل لهم الجعل العظيم لمحاربة رسول الله ﷺ أن كان أبو رافع رئيسا في قريظة.

فأمر رسول الله ﷺ البعث بالخروج (لـ)ـسلام (بن أبي الحقيق) أي (لـ)ـأجل (قتله) وناهم ﷺ عن قتل النساء والولدان، فلما انتهوا إلى خيبر نزلوا على أم عبد الله بن عتيك ليلا، فكمنوا حتى هدأت الرجل واستفتحوا على أبي رافع اليهودي، فقالت امرأته: ما شأنكم؟ فكلمها ابن عتيك بلسان يهود خيبر ففتحت له فدخل بمن معه وأبو رافع نائم، فعلوه خمستهم بأسيافهم وقد صاحت امرأته، لكن عبد الله بن أنيس اتكأ بسيفه على بطن أبي رافع حتى بلغ الفراش، فكان كل يدعي قتله.

وقام صائح من يهود فخرجوا في ءاثار الخمسة، فكمن البعث يومين في مخبإ حتى هدأ طلب يهود لهم ثم أقبلوا إلى المدينة ورسول الله ﷺ على الـمنبر فقال ﷺ: «أفلحت الوجوه»، فقالوا: أفلح وجهك يا رسول الله، قال: «أقتلتموه؟»، قالوا: نعم كلنا يدعي قتله، فأروه أسيافهم فقال ﷺ: «هذا قتله»، وكانت غيبة البعث عشرة أيام.

وروى البخاري في «صحيحه» أن ابن عتيك (أعين) على قتل أبي رافع وحده (بالتوفيق) من الله عز وجل، وأنه لم يدخل على أبي رافع سوى عبد الله وأن صحبه جلسوا خارج الدار ينتظرونه.

(واختلفوا) أي أهل السير في وقت خروج هذا البعث (فقيل) كان هـ(ـذا في) رمضان من (السادسة) من الهجرة (أو) في جمادى الآخرة لعام (ثالث، أو) في ذي الحجة لـ(ـرابع) من الهجرة (أو) بعد وقعة بني قريظة لـ(ـخامسة) ونقل البخاري عن الزهري أن ذلك كان بعد قتل كعب بن الأشرف من بني النضير في ربيع الأول من العام الثالث للهجرة.

بعثه ﷺ عبد الله بن رواحة إلى ابن رزام اليهودي

651- فبعده بعث ثلاثون رجل
652- لخيبر فقتلوا أسيرا
653- ومخرش من شوحط كان معه
654- فبصق النبي في شجته

 

 

أمير ذاك ابن رواحة البطل
إبن رزام لا أصاب خيرا
فشج عبد الله لما صرعه
فلم تكن تؤذيه حتى موته

 

 (فبعده) أي بعد بعث عبد الله بن عتيك كان (بعث) فيه (ثلاثون رجل) بحذف الألف من «رجلا» لضرورة النظم، وقد خرج (أمير ذاك) البعث عبد الله (ابن رواحة البطل) مع رجاله (لخيبر) بأمر رسول الله ﷺ، وصرف «خيبر» في النظم للضرورة، (فـ)ـظفروا من عدوهم إذ (قتلوا) عدو الله اليهودي (أسيرا) بالتصغير (ابن رزام) بكسر الراء وتخفيف الزاي، ومعه عدد من يهود، فـ(ـلا أصاب) أسير (خيرا) وهذا تكملة للوزن خارج مخرج الدعاء على أسير لفظا مخبر عن حاله معنى، إذ لا خير للكافر بعد موته على الكفر.

وأما سبب انبعاث المسلمين لقتل ابن رزام فهو أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن رزام، فقام فيهم فقال: والله ما سار محمد إلى أحد من يهود ولا بعث أحدا من أصحابه إلا أصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لم يصنع أصحابي، فقالوا: وما عسيت أن تصنع؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم ونسير إلى محمد في عقر داره، فإنه لم يغز أحد في عقر داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد، قالوا: نعم ما رأيت. فسار أسير في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فوجه عبد الله بن رواحة في رمضان سنة ست للهجرة ومعه ثلاثة نفر سرا ليتبينوا الخبر، فأتوا خيبر ودخلوا في البساتين متفرقين فوعوا ما سمعوا من أمر يهود ثم خرجوا بعد مقام ثلاثة أيام بخيبر ثم رجع إلى النبي ﷺ لليال بقين من رمضان وأخبره ابن روحة بما رأوا وسمعوا. وقدم على رسول الله ﷺ أيضا خارجة بن حسيل([11]) الأشجعي فاستخبره رسول الله ﷺ ما وراءه، فقال خارجة: تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب يهود، فانتدب رسول الله ﷺ ثلاثين رجلا.

فخرج البعث وفيهم عبد الله بن أنيس مع أميرهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حتى قدموا خيبر، فأرسلوا إلى أسير ليأمنهم حتى يأتوه فيعرضوا عليه ما جاؤوا له، فأرسل لهم: نعم ولي مثل ذلك منكم؟ قالوا: نعم، فدخلوا عليه فقالوا: إن رسول الله بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر([12]) ويحسن إليك، فلم يزالوا به ليخرج معهم، فطمع في ذلك وشاور يهود فخالفوه في الخروج وقالوا: ما كان محمد ليستعمل رجلا من بني إسرائيل، فقال لهم: بلى قد مللنا([13]) الحرب.

فخرج أسير ومعه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل رديف من الـمسلمين([14])، وحمل عبد الله بن أنيس أسير بن رزام على بعيره ثم ساروا حتى إذا كانوا بقرقرة ثبار([15]) ندم أسير لخروجه وأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن([16]) له ابن أنيس ودفع البعير وقال: أغدرا أي عدو الله؟! ثم دنا ابن أنيس منه لينظر ما يصنع فتناول أسير سيف ابن أنيس فغمز ابن أنيس بعيره وقال: هل من رجل ينزل يسوق بنا؟ فلم ينزل أحد، فنزل ابن أنيس عن بعيره وضرب أسيرا بالسيف فقطع مؤخرته وأندر([17]) ساقه وعامة فخذه، فسقط أسير عن البعير (و) في يده (مخرش) بكسر الـميم وفتح الخاء وهو عصا معوجة الرأس متخذة (من شوحط كان معه) أي مع أسير، والشوحط بفتح الشين والحاء وهو نوع من شجر الجبال تتخذ منه القسي([18])، فضرب أسير عبد الله بن أنيس بالـمخرش (فشج) أسير اليهودي (عبد الله) بن أنيس في رأسه مأمومة([19]) (لما) كان ابن أنيس قد (صرعه) أي أسقطه عن الدابة قبل، فمال الـمسلمون على أسير وأصحابه وقتلوهم غير واحد، ولم يصب من الـمسلمين أحد سوى ما أصاب أبن أنيس في رأسه.

ولما رجعوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه الحديث، ودنا عبد الله بن أنيس منه (فبصق النبي) ﷺ بصاقا خفيفا (في شجته) أي شجة رأس ابن أنيس (فلم تكن) بعد ذلك اليوم (تؤذيه) بألم أو غيره (حتى موته) رضي الله عنه، وفي رواية عند البيهقي: «فلم تقح([20]) ولم تؤذه حتى مات».

تتمة: ذكر البيهقي هذه السرية بعد خيبر، وهو الظاهر عند بعض أهل السير، ويؤيد ذلك أن الصحابة قالوا لأسير: «إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر»، قالوا: وهذا الكلام لا يناسب أن يقال إنها قبل الفتح. وقال الشيخ محمد الصالحي([21]): «كونها قبل خيبر أظهر، قال في القصة: إنه سار في غطفان وغيرهم لحرب رسول الله ﷺ بموافقة يهود ذلك، وذلك قبل فتح خيبر قطعا، إذ لم يصدر من يهود بعد فتح خيبر شيء من ذلك، وقول الصحابة لأسير بن رزام: «إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر» لا ينافي ذلك لأن مرادهم باستعماله الـمصالحة وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل له بذلك والله أعلم».

بعثه ﷺ كرز بن جابر إلى العرنين

655- فبعثه كرز بن جابر إلى
656- بهم رسول الله في القتل كما
657- وما رواه ابن جرير كونا

 

 

العرنيين الذين مثلا
قد فعلوا هم في الرعاة مثل ما
جرير المرسل فاردد وهنا

 

 (فـ)ـبعد بعث عبد الله بن رواحة إلى ابن رزام كان (بعثه) ﷺ (كرز بن جابر) الفهري أو سعيد بن زيد، وعلى الأول الأكثرون كما في «السيرة الحلبية»([22]).

وسبب هذا البعث أنه قدم على رسول الله ﷺ نفر ثمانية من عرينة، وقيل: أربعة من عرينة وثلاثة من عكل وثامن من غيرهما مسلمين نطقوا بالشهادتين، وكانوا مجهودين كادوا يهلكون لشدة هزالهم وصفرة ألوانهم وعظم بطونهم، فقالوا: يا رسول الله، ءاونا وأطعمنا، فأنزلهم رسول الله ﷺ بالصفة، فذكروا له ﷺ أن المدينة وبئة([23])، وأنهم أهل ضرع ولم يكونوا أهل ريف، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لو خرجتم إلى ذود لنا وكانت خمسة عشر فشربتم من ألبانها وأبوالهاَبْ»، والذود اللقاح([24]) التي كانت له ﷺ، وإنما كان إرشاده ﷺ إياهم لذلك لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتفتيحا للسدد، فإن الاستسقاء([25]) وعظم البطن إنما ينشأ عن السدد وءافة في الكبد، ومن أعظم ما ينفع الكبد لبن اللقاح لا سيما إن استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل مع حرارته التي يخرج بها، قاله النور الحلبي.

فخرج العرنيون إلى الـمكان الذي فيه لقاح رسول الله ﷺ وفيها راعيها يسار النوبي([26]) مولى النبي ﷺ، ففعلوا كما قال لهم ﷺ، فلما صحت أجسامهم كفروا بعد إسلامهم وقتلوا يسارا ومثلوا به بقطع يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات ثم استاقوا اللقاح وهي خمسة عشر لقحة([27]) غزارا([28]).

واختلف في زمان قدوم العرنيين على رسول الله ﷺ على أقوال، فقال بعض: كان ذلك بعد غزوة ذي قرد وهي في جمادى الآخرة سنة ست، وذكر البخاري أنه بعد الحديبية وهي في ذي القعدة منها، وذهب واختار ابن حبان([29]) كونها في شوال منها.

ولما بلغ الخبر رسول الله ﷺ أرسل كرزا في عشرين رجلا (إلى العرنيين) الثمانية، على الخلاف في كون جميعهم من عرينة أو لا، يقفو ءاثارهم، فأدركهم وأحاط بهم مع أصحابه وأسروهم ثم دخلوا بهم المدينة، فأمر بهم رسول الله فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم([30]) وألقوا بالحرة([31]) حتى ماتوا، وفقد رسول الله من اللقاح واحدة فسأل عنها فقيل له: نحروها.

وكان ذلك جزاء العرنيين – وهم (الذين) نزل فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا} الآية [المائدة: 33] – فـ(ـمثلا) الألف للإطلاق (بهم) أي أمر بالـمثلة (رسول الله) ﷺ (في القتل) أي تمثيلا في قتلهم جزاء وفاقا أي (كما قد فعلوا هم) أي العرنيون (في الرعاة) أي رعاء اللقاح، فنفذ فيهم الـمثلة والقتل (مثل ما) فعلوا بغيرهم، وقد عبر الناظم بلفظ الجمع في «الرعاة» وفاقا لما صح عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «سملوا أعين الرعاة» والذي جرى عليه جمع أن راعي اللقاح كان واحدا هو يسار، ولا ضير إذ يمكن كون الجمع في الحديث مجازا عن المفرد أو أن العرنيين قتلوا بعضا من رعاة إبل الصدقة([32]).

(و)قد سبق أول الكلام على البعث أن الخلاف في أمير السرية محصور في كرز بن جابر الفهري وسعيد بن زيد، أما (ما رواه) الإمام الحافظ الـمجتهد محمد (بن جرير) الطبري يعني (كونا) بإلف الإطلاق (جرير) أي ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه هو (المرسل) في البعث إلى العرنيين (فاردد)ه (وهنا) بإسكان الهاء أي لا تعمل به لأجل وهنه، وذلك ورد لما من أن إسلام جرير بن عبد الله رضي الله عنه كان بعد هذه السرية إلى العرنيين بمدة([33]) قيل هي نحو أربع سنين([34]).

بعثه ﷺ عمرو بن أمية إلى أبي سفيان

658- فبعث عمرو بن أمية إلى
659- من كونه جهز أعرابيا
660- فلم يطق فأسلم الأعرابي
661- جبار ٱو سلمة بن أسلما
662- فلم يطيقا قتله وقتلا

 

 

قتل أبي سفيان فيما فعلا
بخنجر ليقتل النبيا
وراح عمرو معه صحابي
وقدر الله له أن يسلما
عمرو ثلاثة وأسرا رجلا

 

 (فـ)ـبعد بعث كرز إلى العرنيين كان (بعث عمرو بن أمية) الضمري ومعه سلمة بن أسلم سنة ست من الهجرة (إلى) مكة لـ(ـقتل أبي سفيان) صخر بن حرب قبل أن يسلم (في) أي بسبب (ما) قد (فعلا) أبو سفيان (من كونه جهز) بمكة (أعرابيا بخنجر ليقتل النبيا) ﷺ.

تفصيل خبر ذلك أن أبا سفيان قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتر([35]) محمدا فإنه يمشي في الأسواق، فأتى أبا سفيان رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشده بطشا وأسرعه شدا، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر([36])، فأسوره ثم ءاخذه في عير، وأسبق القوم عدوا فإني هاد بالطريق خريت([37])، فقال: أنت صاحبنا، فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك([38])، فخرج الأعرابي حتى وصل المدينة بعد خمسة أيام فأقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حتى دخل عليه ورسول الله ﷺ في مسجد بني عبد الأشهل، فلما رءاه رسول الله ﷺ قال: «إن هذا ليريد غدرا»، فلما ذهب ليؤذي رسول الله ﷺ (فلم يطق) أي لم يقدر على ذلك إذ جذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره([39]) فإذا بالخنجر فأسقط في يديه([40]) وقال: دمي دمي، فأخذ أسيد بلببه([41]) وخنقه أشد الخنق، فأخبر الأعرابي النبي ﷺ بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلى عنه رسول الله وقال له: «قد أمنتك فاذهب حيث شئت أو خير لك من ذلك»، قال: وما هو؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» (فأسلم الأعرابي) وقال: والله يا محمد ما كنت أفرق([42]) الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به مما سبقت به الركبان ولم يعلمه أحد فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، فجعل النبي يتبسم.

(و) عزم رسول الله ﷺ على إرسال بعث إلى أبي سفيان فـ(ـراح) بأمره ﷺ (عمرو) ابن أمية و(معه صحابي) واحد هو (جبار) ابن صخر في قول ابن هشام([43]) (أو) هـو (سلمة بن أسلما) بن حريس([44]) كما في قول ابن سعد([45])، وألف «أسلما» للإطلاق، وقال لهما رسول الله ﷺ: «إن أصبتما منه غرة فاقتلاه» فخرجا حتى دخلا مكة، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرءاه معاوية بن أبي سفيان فعرفه فأحبر قريشا بذلك فخافوه وطلبوه، وكان عمرو في الجاهلية رجلا فاتكا، فقالوا: لم يأت عمرو لخير، فتجمع له أهل مكة فهرب عمرو وسلمة (وقدر الله له) أي لأبي سفيان (أن يسلما) من القتل، بفتح الأول والثالث من «يسلما»، (فلم يطيقا) أي لم يستطع عمرو وسلمة (قتله) أي أبي سفيان (و) لكن (قتلا) بألف الإطلاق (عمرو ثلاثة) لقيهم في طريقه، أحدهما عبيد الله بن مالك التيمي، وءاخر من بني الديل سمعه يتغنى ويقول: [الوافر]

ولست بمسلم ما دمت حيا

 

ولست أدين دين المسلمينا

ولقيا أيضا رجلين لقريش بعثتهما يتجسسان الخبر فانقض عليهما قتلا رجلا (وأسرا رجلا) ثم قدم بالأسير المدينة يشده بوثاق، وأقبل به النبي رابطا إبهاميه بوتر قوسه، فرأى النبي ﷺ يضحك، ثم دعا له بخير، وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام([46]).

بعثه ﷺ أبان بن سعيد إلى نجد

663- بعث أبان بن سعيد نجدا

 

 

من بعد فتح خيبر قد عدا

 

 (فـ)ـبعد بعث عمرو وسلمة كان (بعث أبان بن سعيد) قاصدا (نجدا) على ما رواه أبو داود في «سننه» وأبو نعيم في «مستخرجه» وتمام الرازي في «فوائده» والبخاري في «صحيحه» تعليقا عن أبي هريرة، ولم يذكر من أثبتها من أهل السير سبب الخروج أو الـمقصود من الخروج بها، وقال الحافظ العسقلاني([47]): «لم أعرف حال هذه السرية».

فقدم أبان وأصحابه من نجد على النبي ﷺ (من بعد فتح خيبر) بالتنوين للضرورة أي وقبل قسم غنائمه (قد عدا) قدوم هذه السرية من نجد، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله([48])، فقال أبو هريرة: يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان: أنت بها([49]) يا وبر([50]) تحدر علينا من رأس ضان([51])، فقال النبي ﷺ: «يا أبان اجلس».

تتمة: قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله([52]): «وفيه من الفقه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة دون من لحقهم بعد إحرازها. وقال أبو حنيفة: من لحق الجيش بعد أخذ الغنيمة قبل قسمها في دار الحرب فهو شريك الغانمين، وقال الشافعي: الغنيمة لمن حضر الوقعة أو كان ردأ لهم، فأما من لم يحضرها فلا شيء له منها، وهو قول مالك وأحمد، وكان الشافعي يقول: إن مات قبل القتال فلا شيء له ولا لورثته، وإن مات بعد القتال وقبل القسم كان سهمه لورثته. وكان الأوزاعي يقول: إذا أدرب قاصدا في سبيل الله أسهم له، شهد القتال أو لم يشهد».

بعثه ﷺ عمر بن الخطاب إلى هوازن

664- ثم إلى تربة بعث عمر
665- فهربوا لم يلق منهم أحدا

 

 

نحو هوازن أتاهم الخبر
وعاد راجعا لنحو أحمدا

 

 (ثم) بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع (إلى تربة) مصروفة للضرورة، واد بالقرب من مكة على مسافة يومين منها طوله ثلاث ليال فيه نخل وزرع وفواكه([53])، وكان (بعث عمر) رضي الله عنه في ثلاثين رجلا (نحو) طائفة من (هوازن) بالتنوين للضرورة، وخرج معهم دليل من بني هلال، فكان عمر يسير بالليل ويكمن بالنهار، فـ(ـأتاهم) أي هوازن (الخبر) أي خبر السرية (فهربوا) من تربة، وجاء عمر إلى محالهم فـ(ـلم يلق منهم أحدا) فأمر السرية بالانصراف (وعاد) معهم (راجعا لنحو) أي إلى ناحية سكنى رسول الله (أحمدا) ﷺ بالمدينة المنورة، والألف في «أحمدا» للإطلاق.

وسار عمر رضي الله عنه بالسرية سالكا طريق النجدية([54])، فلما كان بذي الجدر([55]) قال الدليل الهلالي لعمر: هل لك في جمع ءاخر تركته من خثعم جاؤوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسول الله ﷺ بهم إنما أمرني أن أصمد لقتال هوازن بتربة، ثم تابع عمر رضي الله عنه المسير بأصحابه راجعا إلى المدينة.

([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/268).

([2]) وسبق الكلام على سبب تسميتها بذلك في غزوتها، فلينظر.

([3]) معرفة الصحابة، أبو نعيم الأصبهاني، (1/123).

([4]) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، (8/56).

([5]) مصروفة لأجل الوزن.

([6]) بالهاء عند ابن سعد في «الطبقات» (2/89)، وبالغين الـمعجمة «الغمج» عند غيره.

([7]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/101).

([8]) قال ابن ماكولا في «الإكمال» (7/164): «وأما محسر بضم الـميم وفتح الحاء والسين المهملة فهو قيس بن الـمحسر».

([9]) ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح، مظهر الدين الـمظهري، (5/135)؛ ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري، (7/2956).

([10]) بتشديد اللام.

([11]) بالتصغير، ويقال: حسيل أو حسل بن خارجة.

([12]) تمسك بهذه اللفظة القائلون بأن هذا البعث كان بعد خيبر لا قبله، وسيأتي الجواب عن ذلك.

([13]) مثل ضجرنا وزنا ومعنى.

([14]) قال الزرقاني في «شرح الـمواهب» (3/153): «ظاهره أن الـمسلمين خرجوا مشاة حتى أردفتهم اليهود» أي أركبوهم خلفهم على الدواب.

([15]) القرقرة القاع الواسع، وثبار بكسر الراء موضع على ستة أميال من خيبر، قاله في «معجم البلدان» (2/72).

([16]) بفتح الطاء كما في «الصحاح» للجوهري (6/2177).

([17]) أي: أسقط.

([18]) بكسر القاف جمع قوس.

([19]) المأمومة الشجة التي تبلغ الجلدة التي تجمع الدماغ وتسمى أم الرأس.

([20]) بفتح التاء وكسر القاف، والقيح الـمدة الخالصة التي لا يخالطها دم، قاله في «الصحاح» (1/398)، والـمدة بكسر الـميم ما يجتمع في الجرح.

([21]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (6/112).

([22]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/260).

([23]) قال الحافظ العسقلاني في «الفتح» (10/181): «ذلك يدل على أن الوباء كان موجودا بالمدينة، وقد صرح الحديث الأول بأن الطاعون لا يدخلها فدل على أن الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز. قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العام».

([24]) اللقاح النوق الحلوب سواء كانت قريبة العهد بالولادة أو حاملا، ومفرد اللقاح لقحة بكسر اللام وفتحها مع إسكان القاف.

([25]) مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربوا لها إما الأعضاء الظاهرة كلها وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، قاله في «سبل الهدى» (12/196).

([26]) العدة في شرح العمدة، علاء الدين بن العطار، (3/1447).

([27]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (2/93).

([28]) أي: مدرارة اللبن.

([29]) السيرة النبوية، أبو حاتم بن حبان، (1/274)

([30]) أي: غورت بمسامير محماة بالنار.

([31]) أي: في النهار، والحرة اسم للأرض ذات الحجارة السود.

([32]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (3/160).

([33]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/340).

([34]) الإشارة، علاء الدين مغلطاي، (ص274).

([35]) أي: يغتاله.

([36]) ريشة صغيرة في جناحه، يريد أنه خنجر صغير، قاله في «سبل الهدى» (6/125).

([37]) أي: دليل ماهر.

([38]) أي: اكتمه.

([39]) أي: بحاشيته وطرفه من الداخل.

([40]) أي: ندم، وفي رواية: «فسقط في يده».

([41]) بباءين أي منحره.

([42]) أي: أجبن.

([43]) السيرة النبوية، جمال الدين بن هشام، (2/633).

([44]) ضبطه في «سبل الهدى» و«السيرة الحلبية» بالسين الـمهملة.

([45]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (2/93).

([46]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/337).

([47]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/491).

([48]) أي: من غنيمة خيبر، ظن أن من حضر بعد النصرة وأخذ الغنيمة قبل القسمة أنه يستحق منها أو أن من كان فيما فيه نفع عام للمسلمين يستحق وإن لم يحضر، قاله الشهاب الرملي في «شرح سنن أبي داود» (11/635).

([49]) أي: بقولك هذه الكلمة.

([50]) الوبر بإسكان الباء اسم دويبة تشبه السنور.

([51]) أي: تنزل كالحجر من رأس جبل ضأن بأرض دوس، أراد أبان بذلك تحقير أبي هريرة وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع، قاله زكريا الأنصاري في «منحة الباري» (7/376).

([52]) معالم السنن، أبو سليمان الخطابي، (2/306).

([53]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (2/21).

([54]) طريق تخرج من مكة على ملتقى النخلتين ثم تأخذ نخلة الشامية قبلا ثم في وادي الزرقاء ثم على الضريبة، ثم تهبط من الحرة على النجيل ثم على حاذة ثم على معدن بني سليم فتأتي المدينة من الـمشرق. ينظر: معجم الـمعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي، (ص313).

([55]) بفتح الجيم وإسكان الدال، مسرح على ستة أميال من المدينة ناحية قباء، قاله في «وفاء الوفا» (4/48).