باب فيه (ذكر) خبر (مولده) أي ولادته (وإرضاعه ﷺ) عند حليمة السعدية
باب فيه (ذكر) خبر (مولده) أي ولادته (وإرضاعه ﷺ) عند
حليمة السعدية
40- وولد النبي عام الفيل
|
| أي في ربيع الأول الفضيل
|
(وولد النبي) ﷺ بمكة في بيت داخل زقاق المدكك وذلك (عام) حادثة (الفيل) وهو العام الذي أرسل فيه أبرهة الأشرم فيله من اليمن تجاه مكة لهدم الكعبة فجاءه العذاب من فوقه، قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول} [سورة الفيل]، وقد روى الشيخان في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل» الحديث.
قصة أبرهة بن الصباح الأشرم عام الفيل
كان أبرهة بن الصباح الحبشي المعروف بأبرهة الأشرم قد نصب نفسه ملكا على حمير. فلما بنى بصنعاء كنيسة أسماها القليس([1]) ليصرف إليها الحج عن مكة، فأحدث رجل من كنانة فيها ولطخ قبلتها بالنجاسة احتقارا لها، فحلف أبرهة الأشرم ليهدمن الكعبة.
فخرج معه جنوده إلى الكعبة ليهدمها ومعه فيل، فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب، وبعث بعض جنوده فقال: سل عن شريف مكة وأخبره أني لم ءات لقتال وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال له: إن الـملك أرسلني إليك لأخبرك بأنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوهن وإنما جاء لهدم هذا البيت ثم ينصرف عنكم، فقال عبد الـمطلب: ما له عندنا قتال وما لنا به يد، إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعهم فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. قال: فانطلق معي إلى الـملك، فلما دخل عبد الـمطلب على أبرهة أعظمه وكرمه ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك إلى الـملك؟ فقال له الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها، فقال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت الآن فيك، جئت إلى بيت هو دينك لأهدمه فلم تكلمني فيه وتكلمني في الإبل أصبتها، فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل([2]) ولهذا البيت رب سيمنعه، فأمر بإبله فردت عليه، وخرج فأخبر قريشا وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش([3]) إذا دخل، ففعلوا.
ثم إن أبرهة أصبح متهيئا للدخول فبرك الفيل فبعثوه فأبى فضربوه فأبى فوجهوه إلى اليمن راجعا فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك وإلى المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى الحرم فأبى، فأرسل الله طيرا من البحر لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب، وقيل: كانت لها رؤوس كرؤوس السباع، واختلفوا في ألوانها، فقيل: خضراء، وقيل: سوداء، وقيل: بيضاء، وكان مع كل طير ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره، وكان كل حجر فوق حبة العدس في حجمه ودون حبة الحمص مكتوب عليه اسم مرميه ينزل على رأسه ويخرج من دبره فهلكوا ولم يدخلوا الحرم.
ثم مرض أبرهة فتقطع أنملة أنملة وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت أبو يكسوم وزيره وطائر يتبعه حتى وصل إلى أبرهة وأخبره بما جرى للقوم فرماه الطائر بحجر فمات بين يديه فأراه الله كيف كان هلاك أصحابه. وقيل: كان العسكر ستين ألفا لم يرجع أحد منهم إلا أميرهم في شرذمة قليلة، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا، وقيل: كان اسم الفيل محمودا([4]).
اختلاف العلماء في تحديد يوم مولده ﷺ
وكان مولده ﷺ على القول الصحيح في ربيع (أي في) شهر (ربيع الأول) بإضافة ربيع إلى الأول، الشهر (الفضيل) أي الذي ورد الشرع بفضله وذلك (ليوم الاثنين مباركا) أي من بركة يوم الاثنين كون النبي (أتى) أي ولد فيه، ولهذا جاء في السنة تفضيل هذا اليوم وتفضيل الصوم فيه، ففي «المستدرك» أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «إن ذلك اليوم الذي ولدت فيه وأنزل علي فيه»، وفيه من الخبر موقوفا على ابن عباس: «ولد ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين».
وقد اختلف في تحديد يوم ولادته ﷺ من شهر ربيع الأول، فقيل إنه ولد (لليلتين) اثنتين (من) شهر (ربيع) الأول (خلتا) أي مضتا من الشهر (وقيل بل) كان (ذاك) أي مولده (لثنتي عشرة) ليلة خلت من الشهر عند طلوع الفجر، وهو القول المشهور وعليه عمل أكثر المسلمين منذ زمان طويل، وقيل: لثمان من ربيع الأول، وقيل: لعشر منه، وقيل: لسبع عشرة، وقيل: لثمان بقين من الشهر (وقيل) ولد (بعد) حادثة (الفيل ذا بفترة) طويلة، قيل: بعدها بعشر سنين، وقيل: (بأربعين) سنة (أو) بـ(ـثلاثين سنة)، وقيل: بعدها بخمسين سنة، وقيل: بل هو أقل من ذلك بكثير فإن مولده كان بعد الفيل بخمسة وخمسين يوما، وقيل غير ذلك، إلا أنه لم يصح في ذلك سوى أنه ولد عام الفيل (ورد ذا الخلف) أي رد ابن الجزار وابن دحية وابن الجوزي هذا الخلاف وحكوا الإجماع على أنه ولد عام الفيل([5])، ورد بأن في ذلك نظرا([6])، (و)قطع (بعض) غيره من الفقهاء والمؤرخين بأنه ﷺ ولد عام الفيل، وكل ما يخالف ذلك فقد (وهنه) أي حكم عليه جمع من العلماء بالضعف الشديد.
([1]) عناية القاضي وكفاية الراضي، شهاب الدين الخفاجي، (8/397).
([4]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص58، 59).
- كتب الشيخ جيل صادق
- كتب للتحميل
- بغية الطالب
- نُور العُيون في تلخيص سيرة الأمِين الـمَأمُونِ
- جامع الخيرات – الجزء الرابع
- الجزء الأول – الفرقان في تصحيح ما حُرّفَ تفسيره من ءايات القرءان
- الجزء الثاني – الفرقان في تصحيح ما حُرّفَ تفسيره من ءايات القرءان
- البحوث الحسان من صريح البيان في الرد على من خالف القرءان
- مقصد الراغبيـن فـى تعلم العقيدة وأحكام الدين
- أنس المجالس- الجزء الأول
- مختصر المطالب الوفية
- بهجة النظر
- عمدة الراغب
- الجزء الأول – قبسات نورانية على ألفية السيرة النبوية
- الجزء الثاني – قبسات نورانية على ألفية السيرة النبوية
- أنس الذاكرين
- الأَدَبُ الـمُفرد
- الأربعون الهررية
- المزيد+