الخميس يناير 29, 2026

أهل الحق على أنه تعالى بيده الهدى والضلال

قال تعالى ﴿ … يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة النحل] أي من يشاء الله وذلك لما ثبت عندهم من البرهان العقلي مع النقل على أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد وأنهم لا يخلقون، والمعتزلة يمنعون ذلك بناء على أن العبد عندهم خالق وأن الهداية لا يصح أن تنسب إلى الحق إلا بمعنى أنه أعان عليها بخلق القدرة وأن الله لا يضل أحدًا وأنه لو أضله لظلمه، وإنما الضّال أضلّ نفسه. والكتاب والسنّة مشحونان بالرد عليهم. قال تعالى ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة القصص] فسلبها عنه وأثبتها للبارئ وقال تعالى﴿… وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً … *﴾ [سورة الجاثية] وقال تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ … *﴾ [سورة البقرة] قال الأئمة: سدَّ عليهم أبواب الهداية فإنّ الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب بما يسمعه بأذنه أو يراه بعينه أو يعقله بقلبه. وقال تعالى ﴿ … وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا … *﴾ [سورة الكهف] والمعتزلة يتأوّلون ذلك على أنه يهدي ويضل بفعل الألطاف أو منعها، ثم إذا قيل لهم: منع الألطاف إما أن يوجب الضلال فيلزمكم المحذور كما لو كان هو الخالق له أو لا يوجبه فلا يؤثر، قالوا: منع اللطف واسطة بين ما ذكرتم وهو أنه مرجحٌ للضلال غير موجب له وإنما الموجب له اختيار العبد وفعله. وحينئذٍ يقال لهم: الموجب له على قولكم فعلُ المكلف وحده أو مع منع اللطف، الأول باطل لأنه إنما فعل شيئًا يرجح وقوعه فاستحال استقلاله به بعد ذلك فتعين الثاني وهو أن الموجب فعل العبد مع منع اللطف فيلزمكم إيقاع المقدور بين قادرين مستقلين.

قال الزركشي [(531)]: «ومن غريب ما وقع في الآية الأخيرة أن الزمخشري لما رءاها قاصمةً لأصله قال قد قطع الله وَهم المجبرة بقوله ﴿ … وَاتَّبَعَ هَوَاهُ … *﴾ [سورة الكهف] يعني لما عطف بالواو ولم يعطف بالفاء وهو يعني بالمجبرة أهل السُّنة وهو في هذا متابع لابن جني فإنه ذكره في كتابه «المحتسب» وقال بأنَّ المطاوعة لا تكون إلا بالفاء نحو كسرته فانكسر قال: ومن هذا يتبين في قوله تعالى ﴿ … أَغْفَلْنَا … *﴾ أن المراد صادفنا قلبه غافلًا [(532)] كما يقال أبخلته وأجبنته وليس المعنى جعلناه غافلاً وإلا لقيل فاتبع هواه بالفاء، ونحن نقول قطع الله وَهْمَ القدرية بقوله { … وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ … *} [سورة الكهف] وبما تلوناه من الآي، والمعنى ولا تطع شقيًّا خلقنا له الإعراض واتّبع هو هواه بالإغفال، فالإضلال من الله واتّباع الهوى من العبد، ونقول لابن جنّي والزمخشري ليس اتباع الهوى مطاوعًا لأغفلنا بل المطاوع لأغفلنا غفل، وإن فعل المطاوعة لا يجب عطفه بالفاء اهـ.

ـ[531] الأسماء والصفات (ص/151).
ـ[532] تشنيف المسامع (4/ 155).