الأربعاء فبراير 18, 2026

الحمد لله رب العالمين وصلاة الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد اشرف المرسلين وعلى اله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى جميع اخوانه من الانبياء وسلام الله عليهم اجمعين.

اما بعد فقد روينا في كتاب القدر للبيهقي وفي كتاب الاسماء والصفات له وفي كتاب المستدرك للحاكم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله صانع كل صانع وصنعته([i]) اهـ.

معنى الحديث ان الله تعالى هو خالق كل عبد يعمل شيئا وصنعته اي فعل ذلك العبد هو خالق العبد وفعله فالمؤمن بالقدر هو الذي يؤمن ان الله خالق العباد واعمالهم اي حركاتهم وسكونهم ونواياهم وافكارهم اي كل ذلك خلق لله تعالى مخلوق له لا يخلق العبد شيئا من ذلك هذا معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا معنى الايمان بالقدر اما من فرق بين العبد وبين عمله فقال الله خالق اجسام العباد اما اعمالهم فهي مخلوقة لهم هم خلقوها بقدرة اعطاهم الله اياها فهذا ما امن بالقدر.

هذه مسالة مهمة لانها مسالة تتعلق بالايمان لان الايمان كما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ساله جبريل وكان حضر الى مجلسه عليه الصلاة والسلام بصورة انسان لا يعرفه احد منهم ساله عن الاسلام ثم ساله عن الايمان ففسر له الايمان بستة اشياء قال له الايمان ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره([ii]) اهـ فالذي لا يؤمن ان الله خالق العبد واعماله اي حركاته وسكونه وتفكيراته وعلومه وادراكاته فهو ليس بمؤمن بالقدر لو قال العبد يخلق هذه الاشياء بقدرة خلقها الله فيه بقدرة اعطاها الله اياها هذا لا ينفعه اي ان قوله هو العبد يخلق افعاله بقدرة خلقها الله فيه ضلال هذا ضلال ضد الاسلام ضد عقيدة التوحيد لان التوحيد لا يصح على هذا الوجه اي ان يقول الشخص ان الله واحد في ذاته ومع ذلك يثبت لغيره الخلق اي التكوين اي الاخراج من العدم الى الوجود لا يصح له الايمان والتوحيد لانه اثبت شريكا لله تعالى في صفة من صفاته.

كذلك لا ينفع هؤلاء قولهم الافعال التي هي اضطرارية كحركة المرتعش هي بخلق الله وقضائه وقدره لا ينفعه ذلك لا يجعله ذلك مؤمنا بالقدر انما الايمان بالقدر هو ان يعتقد الانسان ان الله تعالى هو خالق جميع افعال العباد ما كان منها باختيارهم وما كان منها بغير اختيارهم اي ان الله تعالى خالق ذلك كله هذا مذهب اهل الحق واما الذين قالوا ان الله اعطى العبد القدرة فالعبد يخلق هو بتلك القدرة التي اعطاها الله اياها حركاته وسكناته هؤلاء ما امنوا بالقدر كذلك الذين قالوا افعال العباد ما كان خيرا اي ما كان من الحسنات فالله يخلقها على ايدي عباده واما ما كان منها معاصي وشرورا اي كالمكروهات فان الله تعالى ليس هو خالقها كذلك هؤلاء ما امنوا بالقدر.

احذروا هذه الطوائف الطائفة التي تقول افعال العباد الاختيارية ان كانت خيرا وان كانت شرا فالعبد هو الذي يخلقها احذروا هؤلاء واحذروا الذين يقولون ايضا ان الله تعالى يخلق الخير الذي يجري على عباده اي الايمان والطاعة هو يخلقها ليسوا هم يخلقونها اما المعاصي فهم يخلقونها هؤلاء ايضا ضالون فاحذروهم احذروا كلا الفريقين الفريق الاول يموهون على الناس بقولهم العبد يخلق اعماله الاختيارية بقدرة اعطاه الله اياها هذا تمويه الذي يقول العبد هو يخلق اعماله استقلالا وبقدرة لم يخلقها الله تعالى فيه بل هو العبد يخلق هذه القدرة او هذه القدرة توجد بلا فاعل بلا موجد بلا خالق هو العبد بهذه القدرة التي لا خالق لها يخلق اعماله الاختيارية كل هؤلاء ضالون الحق هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نطق به حديثه هذا ان الله صانع كل صانع وصنعته([iii]) اهـ.

ثم هذا الحديث يؤيده القران الكريم لان فيه عدة ايات بهذا المعنى كقوله تعالى الله خالق كل شيء([iv]) اي انه تبارك وتعالى هو خالق اجسامنا وافكارنا ونوايانا وعزائمنا كل ذلك الله تعالى يخلقه كلمة شيء بعض الناس يظنون انها للاجسام فقط كجسم الانسان وللحجر وللشجر ونحو ذلك ليس الامر هكذا بل الشيء يعم الاجسام وصفات الاجسام وحركات الاجسام المتحركة وسكونها كل ذلك شيء.

الشيطان سبب فقط ليس هو الذي يخلق الضلالة في الانسان ولا في نفسه ابليس ليس هو خلق ضلالته وغوايته الله هو خلقها فيه واذا اغوى الناس كما اخبر الله تعالى عنه في القران انه قال لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين([v]) معناه انه جعله سببا ما جعله خالقا ابليس الله تعالى جعله سببا لغواية بعض الناس ما جعله خالقا نحن نقول لا خالق الا الله ونؤمن بالاسباب ابليس جعله الله سببا لضلال كثير من خلقه لكنه لم يجعله خالقا لضلال احد ولا لضلال نفسه.

هؤلاء الذين يقولون الشيطان يخلق الشر يسمون القدرية والذين يقولون العبد يخلق فعله يسمون قدرية ويسمون معتزلة بعض الفقهاء ما تصوروا حقيقة كلام المعتزلة فقالوا تصح الصلاة خلفهم وهذا كلام مردود الحافظ سراج الدين البلقيني الذي قال فيه صاحب القاموس علامة الدنيا([vi]) رد هذا الكلام الذي في روضة الطالبين قال هذا غير صحيح بل لا تجوز الصلاة خلف المعتزلة وانما كلام الشافعي في قوله اقبل شهادة اهل الاهواء الا الخطابية محمول على انه اراد بذلك ما لم تثبت في احد منهم قضية تقتضي التكفير اهـ معنى ذلك اننا لا نكفر الشخص لمجرد انه ينتسب الى المعتزلة اما اذا ثبتت عليه مقالة تقتضي التكفير فانه يكفر قال هذا مراد الشافعي ليس مراد الشافعي ان المعتزلة على الاطلاق لا يكفرون رد كلام النووي وغيره وقال هذا هو الكلام الذي عليه كبار اصحاب الشافعي.

مراد الشافعي ان من المعتزلة من ينتسب اليهم ولا يقول بجميع مقالاتهم التي تقتضي الكفر انما يقول ببعض مقالاتهم التي لا تقتضي الكفر.

ثم الامام ابو منصور التميمي البغدادي هذا شيخ البيهقي تلقى الحديث من ابي بكر الاسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري يقول اجمع اصحابنا على تكفير المعتزلة ماذا يكون قول بعض المتاخرين بالنسبة الى هذا.

من المعتزلة من يقول ان الله لا يرى في الاخرة اخذ ببعض مقالاتهم كهذه المقالة اما مقالاتهم التي هي اوسخ من هذه مما هو كفر كقولهم ان الله كان قادرا على ان يخلق حركات العبد وسكونه لكن بعدما اعطاه القدرة عليها صار عاجزا لا يستطيع فمن اخذ بها هل يتردد في كفرهم الذي ينتسب الى المعتزلة ويقول هذه المقالة من مقالاتهم هذا من يشك في كفره اما بعض المنتسبين الى الاعتزال الذين لا يقولون بهذه المقالة بل اخذوا منهم مقالات اخرى لا تقتضي التكفير فلا يكفرون.

انتهى والله تعالى اعلم.

[i]) رواه البيهقي في شعب الايمان باب القدر خيره وشره من الله عز وجل.
[ii]) رواه مسلم في صحيحه باب معرفة الايمان والاسلام والقدر وعلامة الساعة.
[iii]) رواه البيهقي في شعب الايمان باب القدر خيره وشره من الله عز وجل.
[iv]) سورة الزمر الاية 62.
[v]) سورة ص الاية 82-83.
[vi]) ذكر صاحب القاموس في حرف النون بلدة بلقينة وقال ومنها صديقنا علامة الدنيا عمر بن رسلان اهـ.