الدرس الثالث عشر
الوضوء الموافق لطريق النبى والتحذير من
الوسوسة فيه وفى الصلاة
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وشفيع المذنبين يوم الدين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى تفضل على عباده المؤمنين بأن جعل حسناتهم كفارات لسيئاتهم. قال الله تعالى فى سورة هود ﴿إن الحسنات يذهبن السـيئات﴾ ولم يقل الله تعالى إن السيئات يذهبن الحسنات وذلك لأن رحمة الله تعالى غلبت غضبه. روينا فى الصحيح صحيح البخارى وابن حبان إن الله تعالى لما قضى الخلق كتب فى كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش إن رحمتى غلبت غضبى اهـ أى أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب، أما الرحمة بمعنى الصفة من صفات الله والغضب بمعنى الصفة من صفات الله فليس أحدهما سابقا والآخر مسبوقا بل كلتاهما أزليتان، لكن الرحمة إذا أطلقت على مظاهر الرحمة والغضب إذا أطلق على مظاهر الغضب فالرحمة هى السابقة على الغضب وهى الغالبة على الغضب.
ومن ءاثار ذلك كون الحسنات تضاعف للمؤمن، فكل حسنة يعملها العبد مخلصا لله تعالى فى نيته لا يشرك فيها أحدا غير الله أى لا يطلب بهذه الحسنة محمدة من الناس ولا أن ينظروا إليه بعين الإجلال والإكرام وكانت موافقة لما جاء به الرسول ﷺ تكتب الحسنة بعشرة أمثالها وقد تضاعف إلى أكثر من ذلك. وأما السيئات فالسيئة الواحدة تكتب سيئة.
ثم إن الحسنات كثيرة فالتسبيحة حسنة أى قول سبحان الله حسنة، والتكبيرة أى قول الله أكبر حسنة، وكل عمل بر حسنة، حتى قول المسلم للمسلم السلام عليكم عند التلاقى حسنة. ثم هذا من نوى به وجه الله تعالى تكتب له الحسنة من هؤلاء بعشرة أمثالها وقد تضاعف إلى أكثر من عشر.
ومن فضل الله تبارك وتعالى بمضاعفة الحسنات أن جعل الله تبارك وتعالى الحسنة الواحدة تذهب عددا من السيئات. ومن الحسنات ما ترفع عشر درجات لصاحبها وتمحو عشر سيئات لصاحبها، وكل هذا يا عباد الله شرطه أن يوافق ما جاء به رسول الله ﷺ من شرعه الشريف فأما ما كان صورته صورة حسنة ولم يوافق ما جاء به رسول الله ﷺ فإن صاحبه ليس له هذا الثواب لذلك قال عليه الصلاة والسلام من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما تقدم من ذنبه اهـ [رواه النسائى فى سننه] أى من الصغائر أى مهما كان له صغائر لو كانت له ءالاف مؤلفة بل ملايين متعددة من فعل هذا انمحى عنه كل ذلك.
الوضوء يا عباد الله شرط القبول فيه الإخلاص وموافقة هذا الوضوء الذى يتوضأه المسلم وضوء رسول الله ﷺ وذلك مشروح فى كتب العلم.
ومن الأسباب التى تحقق هذا الثواب أن لا يسرف فى الماء، فهؤلاء الذين يسرفون فى الماء عند الوضوء أى يسرفون فى الماء المستعمل فى غسل الأعضاء ليس لهم هذا الثواب الموعود به فى الحديث الشريف.
كذلك إذا زاد فى غسل الأعضاء عن ثلاث غسلات للعضو فليس له ذلك الثواب بل يفوت ذلك عليه كل ثواب الوضوء أو أغلبه فأنى تمحى عنه صغائره وإنما تمحى الصغائر بالوضوء لمن أحسن الوضوء أى أتقنه أى توضأ وضوءا موافقا لما جاء عن رسول الله ﷺ فمن أراد أن يكون وضوؤه فيه هذا الفضل العظيم فليطبق وضوءه على ما ذكره الفقهاء فى كتبهم من حيث الأركان والشروط وترك ما يذهب الثواب أو يقلله كالكلام الذى لا خير فيه فى خلال وضوئه.
ومن الشروط فى حصول ذلك الثواب أن يكون هذا الماء الذى يتوضأ به المسلم حلالا يجوز له التصرف فيه أما إذا لم يكن كذلك فليس له فيه ثواب بالمرة.
وأما قوله ﷺ وصلى كما أمر فالمعنى أنه يشترط لنيل هذا الفضل أن تكون الصلاة أيضا كما أمر الله أى بأن تكون الصلاة صحيحة مجزئة مستوفية للشروط والأركان وخالية عن المكروهات فإذا كانت كذلك تحقق للمصلى هذا الفضل المرتب على الوضوء الموافق لشرع الله ومع الصلاة الموافقة لشرع الله.
وأما التقليل من الماء فهو مرغوب رغب الرسول ﷺ فيه حيث إنه كان يتوضأ بالمد والمد هو ملء الكفين، كان يكفيه لوضوئه كله مقدار ملء الكفين من الماء لكنه كان يزيد فى بعض الأحيان على ذلك القدر إلى ستة أمثاله أى إلى ستة أمداد فما كان من الماء مقدار مد واحد للوضوء وما زاد على ذلك إلى ستة أمداد فهو موافق للسنة أى لعمل الرسول ﷺ.
وأما ما زاد على ذلك فينظر إن كان فى الزيادة على هذا القدر زيادة فاحشة كان ذلك الوضوء غير مقبول عند الله لأنه حصل الإسراف وأما ما لم تكن زيادته فاحشة فلا يصل إلى حد الكراهة فلا يحرم فاعله الثواب بالمرة لكن لو اقتصر على القدر المنقول عن رسول الله ﷺ أى المد الواحد الشرعى كان خيرا أى أفضل فإن زاد على ذلك إلى مدين أو إلى ثلاثة أمداد أو أربعة أمداد أو خمسة أو ستة كان ذلك جائزا لا بأس به لا يحرم المتوضئ به من الثواب، لكن ذكر الفقهاء أنه يستحب أن يكون ماء الوضوء مدا من أجل ما روى عن رسول الله ﷺ فى الصحيح أنه كان يتوضأ بمد رواه أنس بن مالك وروى أيضا أنه توضأ بمكوك والمكوك هو على أحد التفاسير ستة أمداد وذلك حكمة من رسول الله ﷺ حيث توضأ مرة بقدر ستة أمداد لأن الإنسان فى بعض حالاته يكون مسرعا مستعجلا وفى بعض حالاته متأنيا، وفى حالة الإسراع الشديد الشخص منا لا يسبغ وضوءه بالمد الواحد ولأن أهل المهن والحرف يحتاجون فى الوضوء من الماء ما لا يحتاجه غيرهم والرسول عليه الصلاة والسلام بعثه الله معلما للناس فى فعله وقوله. هذا الحديث حديث فعلى. أنس بن مالك رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمد ويغتسل بأربعة أمداد [رواه مسلم]. ثم هو أيضا روى الرواية الثانية كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكيك [كما رواه النسائى فى سننه]. كلا الحديثين ثابت صحيح عن رسول الله ﷺ هذا الحديث حديث فعلى لأنه لم يذكر فيه قول للرسول إنما أنس الذى كان يشاهد وضوءه وكثيرا من أفعاله روى ذلك عنه ﷺ ورضى الله عن أنس.
ومما يحرم الثواب المذكور فى هذا الحديث الصحيح من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما تقدم من ذنبه اهـ الوسوسة التى تؤدى بصاحبها إلى الإسراف فى الماء. كثير من الناس يسرفون فى الماء بسبب الوسوسة. ذكر لى عن رجل أنه كان فى سفر إلى تركيا فنزل بأوتيل أى فندق فكان يتوضأ ويسرف حتى كاد بعض المرات أن ينفد الماء الذى فى الفندق من شدة إسرافه، الله تعالى يعافينا من هذه الوسوسة، هذا حرم الثواب ووقع فى المعصية لأن صاحب الفندق لا يرضى أن يستنفد الماء الذى فى الأوتيل، وقع فى ذنب كبير وحرم الثواب. وذكر بعض الفقهاء الشافعيين من أحوال الموسوسين أن أحدهم دخل النيل ليسقط الجنابة عن نفسه فظل إلى غروب الشمس فى النيل وقال اليوم ما صح لى أعود غدا قال ما صح غسلى اليوم وهو فى النيل.
والوسوسة فى الصلاة أشد فمن الناس من لا يكتفون بالتكبيرة الواحدة حتى يكبروا بضع تكبيرات أو أكثر من عشر تكبيرات إما شكا بصحة اللفظ وإما شكا فى اقتران النية بهذه التكبيرة، هذا الشخص عليه أن يرحم نفسه فإما يطرد هذه الوسوسة بالمرة وإما أن يعدل إلى مذهب الإمام مالك. فى مذهب الإمام مالك وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل لا يشترط أن ينوى الرجل فعل الصلاة التى يصليها ضمن التكبير بل إذا نوى قبل التكبير بمدة يسيرة صح تكبيره صحت نيته فليعدل إلى هذا المذهب حتى يريح نفسه من هذا التعب الذى لا خير فيه إلى أن ينهك قوى جسمه ويضيع وقته وقد يشوش على من حوله، عندما يشعر من حوله بحاله هذه يستاء منه فيذهب عليه بعض صفوه هذا الإنسان الذى هو حوله يفقد بعض صفوه. ومنهم من تكون وسوسته فى حروف الفاتحة وهؤلاء أيضا لو رحموا أنفسهم بالأخذ بمذهب مالك كان خيرا لهم. فى مذهب مالك المأموم إذا لم يقرإ الفاتحة ما عليه شىء ليس واجبا على المأموم أن يقرأ الفاتحة بل قراءة الإمام تكفى أو يقرأ بتحريك اللسان فقط من غير أن يسمع نفسه، يحرك لسانه من غير أن يسمع نفسه الحرف، يحرك لسانه فى مواقع الحروف ويكتفى بذلك من غير أن يسمع نفسه حرفا من الحروف لا سينا ولا صادا ولا غير ذلك، يريح نفسه ويعتبر ذلك قراءة صحيحة عند الإمام مالك رضى الله عنه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.