الجمعة فبراير 13, 2026

المعجزة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم لحبيبه المصطفى ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار

إخوة الإيمان لقد أيد الله كل نبي من أنبيائه بالبينات من الحجج والمعجزات الدالة دلالة قاطعة على نبوته والشاهدة شهادة ظاهرة على صدقه فالمعجزة هي العلامة والدليل على صدق الأنبياء في دعواهم النبوة وما من نبي إلا وكانت له معجزة وهي أمر خارق للعادة أي مخالف للعادة يأتي على وفق دعوى من أدعوا النبوة، سالم من المعارضة بالمثل صالح للتحدي، فما لم يكن موافقا لدعوى النبوة لا يسمى معجزة، كالذي حصل لمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة من أنه مسح على وجه رجل أعور فعميت العين الأخرى، فإن هذا الذي حصل له مناقض لدعواه يدل على كذبه في دعواه وليس موافقا لها.

وليس من المعجزة ما يستطاع معارضته بالمثل كالسحر فإنه يعارض بسحر مثله. وقد تحدى فرعون سيدنا موسى عليه السلام، فجمع سبعين ساحرا من كبار السحرة الذين عنده، فألقوا الحبال التي في أيديهم، فخيل للناس أنها حيات تسعى، فألقى سيدنا موسى عليه السلام بعصاه، فانقلبت العصا ثعبانا حقيقيا كبيرا أكل تلك الحبال التي رماها السحرة، فعرف السحرة أن هذا ليس من قبيل السحر وإنما هو أمر خارق للعادة لا يستطيعون معارضته بالمثل أظهره لسيدنا موسى عليه السلام خالق العالم الذي لا شريك له ولا مثيل تأييدا لسيدنا موسى عليه السلام، فقالوا ءامنا برب موسى وهارون، فغضب فرعون لأنهم ءامنوا قبل أن يأذن لهم وتركوا ما كانوا عليه فهددهم وأضرم لهم نارا كبيرة فلم يرجعوا عن الإيمان برب موسى وهارون فقتلهم. ثم ما كان من الأمور عجيبا ولم يكن خارقا للعادة فليس بمعجزة، وكذلك ما كان خارقا لكنه لم يقترن بدعوى النبوة كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء الذين اتبعوا الأنبياء اتباعا كاملا، فإنه لا يسمى معجزة لهؤلاء الأولياء بل يسمى كرامة.

ثم المعجزات على قسمين قسم يقع من غير اقتراح من الناس الذين أرسل إليهم ذلك النبي أي من غير طلب منهم وقسم من معجزات الأنبياء يظهر عندما يطلب منهم الناس الذين أرسلوا إليهم ذلك.

مثال ذلك أيها الأحبة أن قوم نبي الله صالح قالوا له إن كنت نبيا مبعوثا إلينا لنؤمن بك فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة وفصيلها، فأخرج لهم من الصخرة الصماء ناقة معها ولدها بإذن الله تعالى، وكل عاقل يدرك أن هذا ليس بمعتاد فاندهشوا من ذلك، فآمنوا به، ثم حذرهم أن يتعرضوا لها، وكان مما امتحن به قوم صالح أن جعل اليوم الذي ترد فيه ناقة صالح الماء لا ترد مواشيهم الماء، وكانت هذه الناقة تكفيهم بحليبها في هذا اليوم، فتآمر تسعة أشخاص منهم على أن يقتلوها فقتلوها وبعد ثلاثة أيام نزل بهم العذاب فمحاهم.

ومن المعجزات التي حصلت لمن قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما ظهر لسيدنا المسيح عليه السلام من إحياء الموتى، وذلك لا يستطاع معارضته بالمثل، فلم تستطع اليهود الذين كانوا مولعين بتكذيبه وحريصين على الافتراء عليه أن يعارضوه بالمثل مع مهارتهم في ذلك الزمان بالطب.

إخوة الإيمان لقد جعل الله هذا العالم علامة على وجوده وشاهدا على عظيم قدرته ودليلا قاطعا على أنه مدبر العالم وأنه لا شريك له في ذلك وأن كل ما يحدث في هذا العالم إنما يحصل بقدرته ومشيئته وعلمه وأنه لا مبرز لشىء من الأشياء مخرج لها من العدم إلى الوجود إلا هو، فما حصل من خرق العادات للأنبياء هو بفعل الله وقدرته أظهرها الله لهم تأيدا لهم على صدق دعواهم وهي تقوم مقام قول الله للخلق صدق عبدي هذا في دعواه النبوة، فقوم صالح مثلا لما قالوا له إن كنت نبيا فأخرج لنا من الصخرة الصماء ناقة مع فصيلها فأخرجها لهم أي بإذن الله فهذا الأمر إنما حصل بقدرة الله وحده وهذا الأمر كان تصديقا لنبي الله صالح تأييدا له كأن الله قال لهم نعم هو صادق في ما يقول وهكذا سائر معجزات الأنبياء أظهرها الله لهم دليلا على صدقهم فمن كذبهم فقد كذب الله تعالى. ثم هذه المعجزات كما أنها دليل قاطع على صدق الأنبياء بالنسبة لمن شهدوها فهي كذلك حجة علينا لأن قسما منها بلغنا بطريق مقطوع به هو التواتر. فإذا قال بعض الملحدين ما يدرينا بأن المعجزات حصلت للأنبياء ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قلنا إن معجزاته عليه الصلاة والسلام بعضها ما زال موجودا بين أيدينا وهو القرءان الكريم وبعضها حصل أمام جمع كبير أحوالهم مختلفة ودواعيهم متعددة بحيث لا يقبل أن يكونوا قد اتفقوا على كذب كما حصل نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام فقد حصل هذا الأمر أكثر من مرة في العلن وأمام كثير من الناس وهم حكوا ذلك لعدد كبير ممن لم يشهدوا الأمر وفي مواطن كثيرة وبلاد مختلفة بحيث انتقل هذا الخبر جمعا عن جمع يستحيل اتفاقهم على الكذب وهذا مثل ما حصل من حوادث أخرى لم نشهدها ومع ذلك لا بد أن نصدق بحدوثها كالحرب العامة الأولى ووجود حاكم اسمه هارون الرشيد وءاخر اسمه نابليون ووجود بلد اسمه اليابان فمن رد شيئا من ذلك ونفى وجوده كان معاندا لا وزن لكلامه وهكذا من رد المعجزات التي تواترت للأنبياء لا يلقى إلى كلامه بال ولا يقام له وزن ويلقى به خلف الظهر ويعده الناس أحمق.

وكذلك قول بعض الملحدين إن ما أتى به الأنبياء من المعجزات هو من قبيل السحر والخداع، وبطلان هذا القول ظاهر لأن السحر يعارض بالمثل كما ذكرنا، وهذا الذي يظهره الله تعالى على أيدي الأنبياء من الخوارق لا يعارض بالمثل من قبل المنكر والمخالف فهل استطاع أحد من المكذبين المعارضين للأنبياء في عصورهم وفيما بعد ذلك إلى يومنا هذا أن يأتي بمثل ما أتى به نبي الله صالح من إخراج الناقة وولدها من صخرة صماء حين اقترح قومه عليه ذلك، وهل استطاع أحد أن يدخل نارا عظيمة كالنار التي رمي فيها نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهل استطاع أحد منهم أن يفعل ما فعل نبي الله موسى عليه السلام من ضرب البحر بعصاه فينفرق اثني عشر فرقا كل فرق كالجبل العظيم، وهل استطاع اليهود حين عارضوا المسيح وقابلوه بالتكذيب أن يأتوا بمثل معجزته من إبراء الأكمه بلا علاج وهل يستطيع أحد من أئمة الإلحاد أن ينطق جذعا نصب عمودا في جملة أعمدة بناء بصوت بكاء مسموع لكل من حضر كما ظهر لمحمد صلى الله عليه وسلم.

فمعجزات الأنبياء ثابتة قطعا وهي حجة ودليل قاطع على صدقهم فوجب الإذعان لهم فيما دعوا إليه والإيمان بهم جميعا ومن جملتهم وأفضلهم وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فما مآل المكذبين به إلا النار إن لم يتوبوا كما هو حال من كذب بمن سبقه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال الله عز وجل لنبيه المصطفى ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور

هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾، اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.