الْسَّلَاْمُ:
أي الذي سَلِمَ من كُلِّ عيبٍ فلا
يوصفُ بالظُّلمِ أو الوَلَدِيَّةِ أو الزَّوجِيَّةِ، ﭧﭐﭨﭐ ﱡﭐﲦ ﲧ ﲱﱠ([1]).
فلا يجوزُ
وصفُ اللهِ بصفاتِ النقصِ سبحانَه فهو منزَّهٌ عنِ النقائصِ، قالَ
البيهقيُّ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ
إذا أرادَ أنْ ينصرفَ مِن صلاتِه استغفَرَ ثلاثَ مراتٍ ثمَّ قالَ: ((اللهُمَّ أَنْتَ
السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ))
أخرجَهُ مسلمٌ ([2])
في الصحيحِ مِنْ حديثِ الأوزاعيِّ. قالَ الحليميُّ([3])
في معنى السَّلامِ: “إنَّهُ السالمُ مِنَ المعائبِ إذْ هي غيرُ جائزةٍ على
القديمِ، فإنَّ جوازَها على المصنوعاتِ لأنَّها أحداثٌ وبدائعُ، فكما جازَ أن يوجدُوا
بعدَ أنْ لم يكونُوا موجودينَ جازَ أنْ يُعدمُوا بعدما وُجِدوا، وجازَ أنْ تتبدَّلَ
أعراضُهم وتتناقَصَ أو تتزايدَ أجزاؤُهم، والقديمُ لا علَّةَ لوجودِه فلا يجوزُ
التغيُّرُ عليه ولا يمكنُ أن يعارضَه نقصٌ أو شَيْنٌ، أو تكونَ له صفةٌ تخالفُ
الفضلَ والكمالَ” ([4]).اهـ
فمِمَّا
يستحيلُ عقلًا على اللهِ نسبةُ النقائص إليه كالجسميةِ ولوازمِها من تحيُّزٍ وحركةٍ
وسكونٍ ولونٍ وشكلٍ وحجمٍ وغيرِها مِنَ الأعراضِ كالجَسِّ واللمسِ والصوتِ والانفعالِ
والإحساسِ واللذةِ والألمِ والانزعاجِ والشمِّ والذوقِ والانبساطِ ونحوِ ذلك وهي
نحوُ أربعينَ عرضًا، ونسبةُ المللِ إليهِ والعجزِ والبَداءِ والإخلافِ في وعدِه أو
وعيدِه والتغيرِ والنومِ والنُّعاسِ وغيرِ ذلك مما يستحيلُ على اللهِ تعالى، فكلُّ
ذلك من معاني المخلوقاتِ أي أوصافِهم، ومن وَصَف اللهَ بصفةٍ من صفاتِ الخلقِ فقد
كفرَ وزاغَ عن الحقِّ وكذَّبَ قولَه تعالى: ﭐﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱜﱠ([5]).
فاتضحَ أنَّهُ
يجب الاعتقادُ بوجوبِ أي ثبوتِ الصفاتِ الثلاثَ عشرةَ للهِ عزَّ وجلَّ فهي تدلُّ
على التعظيمِ والتنزيهِ والكمالِ اللائقِ باللهِ عزَّ وجلَّ ([6])
وأنَّهُ كان ولا يزالُ منزَّهًا أي مقدسًا ومطهَّرًا عما لا يليقُ به تعالى،
وأوصافُه أي صفاتُه عز وجل كما قال بعضُ العلماءِ رفيعةٌ ([7])
أي مرتفعةٌ ومنزهةٌ عن مشباهةِ أوصافِ المخلوقينَ وعن النقائصِ، وأوصافُه تعالى
جميلةٌ أي كاملةٌ لا نقصَ فيها ولا عيبَ.
– وقد جاءَ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ:
((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيْبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ))([8]):
§
قَالَ
ابْنُ رَجَبٍ الحنبليُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُقَدَّسٌ
مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ كُلِّهَا ([9]).
§
وَقَالَ
الطِّيْبِيُّ: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ” أَيْ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ
مُقَدَّسٌ عَنِ الْعُيُوبِ “يُحِبُّ الطِّيبَ” بِكَسْرِ الطَّاءِ
أَيْ طِيْبَ الْحَالِ وَالْقَالِ، “نَظِيْفٌ” أَيْ طَاهِرٌ مِنَ
العُيُوْبِ “يُحِبُّ النَّظَافَةَ” أَيِ الطَّهَارَةَ
الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُوصَفُ بِالطَّيِّبَاتِ
مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ
([10]).
– وحديثُ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ
يُحِبُّ الْجَمَالَ)) ([11]):
قَالَ
النَّوَوِيُّ: “اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ
كُلَّ أَمْرِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَسَنٌ جَمِيلٌ وَلَهُ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى وَصِفَاتُ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، وَقِيلَ: جَمِيلٌ بِمَعْنَى
مُجْمِلٌ كَكَرِيمٍ وَسَمِيعٍ بِمَعْنَى مُكْرِمٍ وَمُسَمِعٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ
أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: مَعْنَاهُ جَلِيلٌ”. ثُمَّ
قَالَ: “وَقِيْلَ: معناه جَمِيلُ الْأَفْعَالِ بِكُمْ بِاللُّطْفِ
وَالنَّظَرِ إِلَيْكُمْ يُكَلِّفُكُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ وَيُعِينُ
عَلَيْهِ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ وَيَشْكُرُ عَلَيْهِ ([12]).اهـ
فَيَكُوْنُ مَعْنَى: ((يُحِبُّ الجَمَالَ)) أَيْ يُحِبُّ الإِحْسَانَ،
يُحِبُّ حُسْنَ الحَالِ يُحِبُّ التَّقْوَى، يُحِبُّ حُسْنَ الخُلُقِ وَطُوْلَ
الصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَالإِنْسَانُ لَا يُحَاسَبُ عَلَى الصُّوْرَةِ
الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيْهَا وَإِنَّما يُحَاسَبُ عَلَى نِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ
وَقَوْلِهِ، فَلْيُحْذَرْ مِنْ قَوْلِ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ
الكَافِرَ لِجَمَالِ شَكْلِهِ، لِأَنَّ هَذَا فِيْهِ تَكْذِيْبٌ لِلدِّيْنِ فَقَدْ
ﭧﭐﭨﭐ ﱡﭐ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱠ([13])
.
§
وَقَالَ
القَاضِي عياضٌ: “سَمَّاهُ بِذَلِكَ “جَمِيْلًا” لِانْتِفَاءِ
النَّقْصِ عَنْهُ”، ثُمَّ قَالَ: “وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُوْنَ “جَمِيْلٌ”
هَهُنَا بِمَعْنَى مُجْمِلٌ أَيْ مُحْسِنٌ([14]).
([3]) قال السيوطي: الحليمي العلامة البارع رئيس أهل الحديث بما وراء
النهر القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن ابن محمد بن حليم البخاري الشافعي من
أصحاب الوجوه، كان من أذكياء زمانه ومن فرسان النظر له يد طولى في العلم والأدب،
أخذ عن القفال وغيره، وله تصانيف مفيدة، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ومات في
ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.اهـ طبقات
الحفاظ للسيوطي ج1 ص 407.