الدرس السادس والعشرون
الجنة دار السلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة الزخرف ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ءامنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون﴾.
وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ إنى لأعلم ءاخر أهل النار خروجا منها وءاخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله عز وجل له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع ويقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله عز وجل اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا قال ابن مسعود لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن مسعود فكان يقال ذاك أدنى أهل الجنة منزلة اهـ متفق عليه [رواه البخارى ومسلم].
يفهم من الحديث أن الناس على درجات هناك ويجب الإيمان بأن الجنة دار نعيم حسى أى فيها نعيم حقيقى ملموس وشراب ملموس وفيها أنهار من عسل مصفى وأنهار من حليب وأنهار من ماء لا يتغير طعمه من طول المكث. وفيها أنهار من خمر لكنه ليس كخمر الدنيا فلا يخبل العقل وليس نجسا. يصير المؤمن فى الجنة بطول ءادم عليه الصلاة والسلام. والواحد من أهل الجنة يكون ابن ثلاث وثلاثين ولكن بلا لحية حتى الأنبياء. وإذا كان له أقرباء مؤمنون فإنه يراهم متى ما تمنى ذلك فى الجنة. أما من مات من أقربائه على الكفر فإنه لا يشتاق إليهم ولو كان أباه أو أمه.
ثم إنه لا يوجد عزوبة فى الجنة حتى الولد الذى مات وهو ابن يومه يدخل الجنة ويتزوج فيها والأنثى يزوجها الله بمن شاء من الذكور وليس ذلك خوفا من الزنى إنما هو نعيم أنعم الله به عليهم. ورد أن الشهيد يتزوج اثنتين وسبعين من الحور العين. وورد أيضا أن للمؤمن فى الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة ارتفاعها ستون ميلا فى السماء للمؤمن فيها أهلون أى أزواج. وأزواج الشخص هن له إلى أبد الآباد. والحور العين من مخلوقات الجنة يعطيهن الله لمن يشاء من أهل الجنة ولهن من الحسن والجمال ما لو برزت الواحدة منهن إلى الدنيا لملأت ما بين المشرق والمغرب من الرائحة الزكية. ولما عرج بالنبى ﷺ إلى السماوات العلا اطلع فى الجنة فرأى الحور العين فطلب منه سيدنا جبريل أن يسلم عليهن بالقول فقلن له نحن خيرات حسان أزواج قوم كرام. ورأى ﷺ فى الجنة الولدان المخلدين وهم خلق من خلق الله ليسوا من البشر ولا من الملائكة ولا من الجن خلقهم الله تعالى من غير أم وأب، هم كاللؤلؤ المنثور، ليخدموا أهل الجنة. الواحد من أهل الجنة أقل ما يكون عنده من هؤلاء الولدان المخلدين عشرة ءالاف بإحدى يدى كل منهم صفحة من ذهب وصفحة من فضة [فى تاج العروس الصفحة شبه قصعة مسلنطحة عريضة تشبع خمسة].
ولا يوجد فى الجنة ما تكرهه النفوس فلا يوجد حيض ولا يوجد بول ولا غائط ولا عرق يتولد منه وسخ ورشحهم [أى عرقهم] كالمسك.
وبمجرد أن يدخل أهل الجنة الجنة ويستقروا فيها يسمعون النداء من الملك يا أهل الجنة إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فيكونون فى نعيم يتجدد ولا ينقطع فكل ثمرة يقطفها المؤمن فى الجنة يجعل مكانها ثمرة والثمرة كالجرة والشجرة فى الجنة ساقها من ذهب، وكذلك عندما يرى المؤمن الطير ويشتهى أن يأكله يقع بين يديه مشويا إن اشتهاه مشويا من غير كلفة ثم بعد أن يأكله يكسو الله تعالى العظام لحما وجلدا وريشا ويطير الطير حيا من جديد.
وأما الذى قام بتوحيد الله تعالى واجتنب معاصيه وأدى فرائضه فإنه يدخل الجنة بلا عذاب حيث النعيم المقيم الخالد فيكون له زيادة على ما أخبر بتفصيله الله تعالى والنبى ﷺ نعيم لا يعلمه إلا الله تعالى بدلالة الحديث القدسى الذى رواه أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله عز وجل أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اهـ وقال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم قوله تعالى فى سورة السجدة ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [رواه البخارى].
تفكر أخى المسلم فى أحوال أهل الجنة وفيما خصهم الله من النعيم المقيم الدائم، يعرف فى وجوههم نضرة النعيم ويسقون من رحيق مختوم ويجلسون على منابر من الياقوت الأحمر ولهم خيام من اللؤلؤ الأبيض ويتكئون على الأرائك ولهم من الحور العين الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان فهل من مشمر للجنة.
أليس الحرى بنا أن نعمل لآخرتنا وأن نتزود لها وأن نتسابق إلى الطاعات والخيرات فالله عز وجل يقول فى سورة الحديد ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ويقول فى سورة المطففين ﴿وفى ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ فالعجب العجب ممن يتنافسون على الدار الفانية ولا يستعدون للحساب فى الدار الباقية وقد قال رسول الله ﷺ أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون أمشاطهم من الذهب وءانيتهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا اهـ متفق عليه [رواه البخارى ومسلم].
اللهم إنا نسألك أن تميتنا على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن تجعلنا من أهل الجنة بفضلك يا أرحم الراحمين.