الدرس السابع والأربعون
البدعة الحسنة والطرق الصوفية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين أما بعد فإن الله تبارك وتعالى رخص للمؤمنين أن يحدث علماؤهم فى الدين ما يوافق القرءان والحديث إنما نهى الله تعالى عن إحداث شىء فى الدين إذا كان ذلك الشىء مخالفا للقرءان والحديث أما ما يوافق القرءان والحديث أهل العلم إذا أحدثوه فهو مقبول عند الله ليس بدعة محرمة، إنما البدعة المحرمة هى ما أحدثه الناس مما يخالف القرءان والحديث. فقد أحدث علماء الإسلام الأتقياء أمورا فى الدين لم يذكرها القرءان ولا الرسول. فى القرن الأول من تاريخ الهجرة الإسلامية أحدث عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه المحاريب المحراب المجوف [انظر خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودى]، قبله ما كان لمسجد الرسول ولا لغيره من مساجد الصحابة محراب مجوف، ما كان، كذلك ما كان لمسجد الرسول ولا لغيره مئذنة فهو الذى أحدث المئذنة.
ثم بعد ستمائة سنة أحدث ملك تقى عالم عمل المولد فى شهر ربيع الأول فوافق هذه الأمور علماء الإسلام ما قالوا هذا شىء لم يفعله الرسول فهو بدعة محرمة. ثم قبل ذلك بنحو مائة سنة أحدث الشيخ أحمد الرفاعى والشيخ عبد القادر الجيلانى الطريقة وقبل ذلك علماء الإسلام إلا الطائفة الضالة الوهابية فإنهم ينكرون المولد والطريقة ولا ينكرون المحاريب ولا المآذن ويعتبرون المولد والطريقة حراما فهؤلاء كلامهم لا عبرة له لأنهم لا يعملون على حسب ميزان الشريعة بل يتعلقون بما أعجبهم وينكرون ما لم يعجبهم.
إذا قيل للوهابية هؤلاء الأربعة كل ما فعلها الرسول ولا الصحابة إنما فعلها غير الصحابة كيف تنكرون اثنين وتقبلون اثنين، تقبلون المحراب والمئذنة وتنكرون المولد والطريقة وكل لم يفعله الرسول فليس عندهم جواب إلا أنهم يحبون التشويش على الناس.
ثم إن الشيخ أحمد الرفاعى والشيخ عبد القادر الجيلانى كانا فى عصر واحد فى العراق وكان أولياء ذلك الزمن يقولون الشيخ أحمد الرفاعى أجل المشايخ قدرا. وكان الشيخ أحمد الرفاعى رضى الله عنه عالما فقيها محدثا مفسرا أعلم الناس بكتاب الله وحديث رسول الله فى زمانه لكنه لم يشتغل بكثرة التآليف بل اشتغل بتدريس الناس الفقه والتوحيد والتفسير والحديث. كان كل يوم يدرس أول النهار وءاخر النهار إلا يوم الخميس فكان يجلس على كرسى الوعظ. كان يجتمع عنده فى ليلة من السنة مائة ألف نفس يتبركون بمجلسه وكان هو يكفيهم طعامهم وشرابهم، وهذا الشىء لم يحصل لغيره من الأولياء وهذا سر من أسرار الله.
ويسمى أبا العباس ويسمى أبا العلمين ويسمى شيخ العريجاء لأنه خرج مرة إلى قرية فيها أتباعه اسمها الحدادية فاستقبله أهلها رجالا ونساء وكان بينهم بنت عرجاء حدباء قرعاء فلما رأت الشيخ توجهت إليه طلبت منه الدعاء قالت كرهت نفسى لشدة ما تستهزئ بى بنات القرية فتوجه الشيخ إلى الله تعالى ليزيل عنها ما بها فاستقامت رجلها وظهرها ونبت شعر رأسها فى الحال فمن هناك سمى شيخ العريجاء أى الشيخ الذى شفى البنت العرجاء.
ثم إن الله تعالى أكرم أتباعه أهل طريقته بكرامات ذلل لهم السباع والعفاريت والنار والثعابين. عرفوا فى الشرق والغرب فيما مضى أنهم يشعلون نارا عظيمة ويدخلونها ويذكرون الله فيها حتى تنطفئ فلا تؤذيهم ولا تحرق ثيابهم وكانوا يدخلون الأفران الحامية ينامون فى جانب والخباز يخبز فى الجانب الآخر.
ومن مناقبه [أى محاسنه] رضى الله عنه أنه كان له خال من أولياء الله الكبار اسمه الشيخ منصور رأى رسول الله ﷺ فى المنام فقال بشر أختك بأنها ستحمل بعد أربعين ليلة بولد يكون سيد الأولياء كما أنا سيد الأنبياء فحملت به أمه بعد تلك الليلة بأربعين ليلة ثم لما ولدته اهتم به خاله هذا من حيث التربية الدينية فنشأ رضى الله عنه نشأة طيبة إلى أن صار أفضل أولياء زمانه.
ثم إنه بعد الطريقتين الرفاعية والقادرية حدثت طرق الشاذلية والنقشبندية والبدوية إلى نحو أربعين طريقة. كل هذه الطرق تقرب إلى الله لكن الله تبارك وتعالى جعل للرفاعية امتيازا من بين هذه الطرق كلها. هذه الطرق غير الرفاعية دخلها التحريف، أتباعها انحرفوا ولا سيما الشاذلية، الشاذلية دخلها انحراف كبير كبير كبير والعياذ بالله. أغلب من ينتسب إلى الشاذلية اليوم ليسوا على شريعة الله. من أشنع ما وصل إليه هؤلاء الذين انحرفوا من الشاذلية أنهم صاروا يقولون الله داخل فى كل إنسان الذكر والأنثى خرجوا من التوحيد خرجوا من الإسلام صاروا أكفر من النصارى واليهود. لهم وجود فى لبنان وفى سورية وفى فلسطين وفى الأردن. يقال لهم لهؤلاء الشاذلية المنحرفين الشاذلية اليشرطية. شيخهم الذى هو كان شاذليا ثم انتسبوا إليه يسمى نور الدين اليشرطى [وأما الشيخ نور الدين على اليشرطى الذى ينتسبون إليه فهو برىء مما يقولون بل هو كان على التنزيه. قال الشيخ مصطفى نجا رحمه الله فى كشف الأسرار (ص/36) وكتب أى الشيخ نور الدين إلى بعض إخواننا من أهل العلم والفضل خارج بيروت بلغنى أن فلانا فسدت أحواله وخرج عن الميزان الشرعى فاعلموا وأعلموا الجميع أنه مطرود من طريقتنا الشريفة هو وكل من وافقه على فساده وأفعاله المخلة بالشرع الشريف وأوصيكم أن تزنوا أحوال الفقراء على الكتاب والسنة وكل من رأيتم منه مخالفة فأنتم مأذونون بطرده ولا تعطوا الطريقة إلا لمن وجدتم فيه الأهلية ورأيتموه متمسكا بالشريعة الطاهرة المرضية. وكتب لى يقول كل طريقة تخالف الكتاب والسنة فهى زندقة وباطلة اهـ قال الشيخ عبد الله الهررى رحمه الله والشيخ مصطفى نجا مفتى لبنان صحبه واستفاد وانتفع منه وتخرج به وليا]. أصله من تونس نزل فى فلسطين فى بلد اسمها عكا فصار له أتباع، أكثرهم انحرفوا ضلوا خرجوا من الإسلام فى حياته، فى حياة الشيخ انحرفوا، قليل من أتباعه استفادوا بقوا على الخير. كان يوجد عالم تقى من لبنان انتسب إليه، بعدما مات صار يخرج من قبره نور إلى السماء. يوجد بالقرب من الجبانة التى دفن فيها فى بيروت كنيسة للنصارى من جهة الشرق فرأت راهبتان نصرانيتان ذات ليلة نورا يطلع من قبر من هذه الجبانة إلى السماء فتأكدتا موقع القبر ثم صباحا ذهبتا إلى الحفار الذى يحفر القبور. سألتا هذا القبر قبر من قال لهما الشيخ مصطفى نجا. هذا وقليل استفادوا من هذا الشيخ، البقية كفروا والعياذ بالله. الله تعالى حفظ الرفاعية، الرفاعية إلى الآن يشتغلون بالعقيدة ويهتمون بالمحافظة على العقيدة أكثر من كل أهل الطرق لأن إمامهم السيد أحمد كان يؤكد الاهتمام بالعقيدة بالتوحيد أن الله تعالى موجود بلا كيفية بلا مكان ليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ولا حجما صغيرا ولا حجما كبيرا كالعرش لا يوصف بالحركة ولا بالسكون ولا بالتحيز فى جهة أو مكان. السيد أحمد كان يؤكد هذا فى تعليمه للناس فبقى أتباعه يهتمون بالعقيدة وصاروا هم حراس العقيدة.
أوصيكم بالحذر من كثير من التجانية، التجانية محرفة. بعض المشايخ الخونة لما دخلت فرنسا بلاد المغرب عمل لهم طريقة لأجل غرض فرنسا أخذ كتاب شيخهم المخطوط حرفه وطبعه فنشر هذا المحرف وأخفى الأصل فتعلقوا بهذا المطبوع فدخلت عليهم ضلالات.