اليومُ الأخير من حياته صلى الله عليه وسلم
قال الصحابي الجليل أنسُ بن مالك رضي الله عنه الذي كان خادم رسول الله :” إنَّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين (وهو اليوم الذي تُوفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر يُصلي لهم لم يفاجأهم إلا رسول صلى الله عليه وسلم قد كشف سِتر حُجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه (أي رجع) ليصِل الصف وظنّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، فتُوفي في يومه. رواه البخاري.
وفي رواية يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:” لما كان يوم الإثنين الذي قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس (أي إلى الصحابة) وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على باب عائشة فكاد المسلمون يُفتنُون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحًا به وتفرّجوا، فاشار إليهم صلى الله عليه وسلم سرورًا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، وما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة، قال( اي أنس) : ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افرقَ (برىء) من وجعه فرجعَ أبو بكرٍ إلى أهله بالسُّنح ( وهو من منازل بني الحارث من الخزرج، ومنازل بني الحارث كانت في الشمال والشمال الشرقي من المسجد النبوي الشريف.
أما عن كيفية حالة وفاته صلى الله عليه وسلم فقد قالت السيدة الجليلة عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم : إن من نِعم الله عليّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفّيَ في بيتي وفي يومي وبين سحْري ونحْري ( والمراد أنه صلى الله عليه وسلم مات ورأسه بين حَنَكها وصدرها رضي الله عنها) ثم تابعت السيدة الجليلة عائشة كلامها فقالت رضي الله عنها: دخل عليّ عبد الرحمن (أخو عائشة) وبيده السواك وأنا مُسندةٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه وعرفتُ أنه يُحب السواك، فقلتءاخذه لك فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته فاشتدّ عليه وقلت: أُليّنُهُ لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينتهُ فأمرّه وبين يديه ركوة أو عُلبةٌ فيها ماء، فجعل عليه الصلاة والسلام يدخِل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول:” لا إله إلا الله إنّ للموت سكرات” ، ويقول صلى الله عليه وسلم:” اللهم أعني على سكرات الموت” ثم نَصبَ يده صلى الله عليه وسلم وجعل يقول ” في الرّفيق الأعلى” ( أي جبريل وميكائيل) حتى قبض( اي مات صلى الله عليه وسلم وقُبضت روحه الشريفة) ومالت يدهُ عليه الصلاة والسلام.
وأخبرت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أنها: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصْغت إليه قبل أن يموت وهو مسندُ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرّفيق” رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أيضا قالت: كنت اسمع أنه لا يموت نبيّ حتى يُخَيّر بين الدنيا والأخرة، فسمعت النّبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بُحّةٌ يقول:” مع الذّين أنعمَ اللهُ عليهِم مِنَ النّّبيين والصّديقين والشُّهداءِ والصَّلحينَ وحَسُنَ أُولئكَ رفيقَا” سورة النساء. فظننت أنهُ خُيّـر، رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية صحّحها ابن حبان: فقال_ أي النبي صلى الله عليه وسلم_:” أسأل الله الرّفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل”.
فائدة: الرفيق الأعلى جبريل وميكائيل عليهما السلام وليس الله تعالى، وقد فسره بذلك الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم فقال:” الرفيقُ الأعلى جبريل وميكائيل” وبعض الناس يظنون أن الرفيق الأعلى معناه الله وهذا غلط وإن فهموا منه معنى الصحبة فهذا كفر والعياذ بالله، وأما إن فهموا من كلمة الرفيق الأعلى الله الرحيم فهذا ما فيه كفر، فالله تبارك وتعالى لا يوصف بأوصاف المخلوقات.
فائدة: ما يقوله بعض الناس أن جبريل عليه السلام لما جاء للرسول صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته وقال له : هذا ءاخر عهدك بالدنيا وءاخر عهدي بها فهو كلام غير صحيح، بل قد ينزل جبريل عليه السلام على بعض الأولياء ليس للوحي بل للنفحة والتبريك والتنشيط على العبادة.
ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمتْ بنباْ موته ابنته الجليلة فاطمة الزهراء أم الحسنين رضي الله عنهم قالت والحزن يعتصر فؤادها:” يا أبتاه أجابَ ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه”.وعن مصباح التوحيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما رُمِسَ (أي دفن) رسول الله صلى الله عليه وسلم جائت فاطمة رضي الله عنها فوقفت على قبره صلى الله عليه وسلم وأخذت قبضةً من تراب القبر ووضعت على عينيها وبكتْ، وأنشأت تقول:
ماذا على من شمَّ تربةَ أحمدِ == أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا(1)
صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها == صُبَّت على الأيام عُدنَ لياليّا
رواه ابن عساكر في التحفة.
فائدة: افضل نساء العالمين مريم ابنة عمران أمّ النبيّ عيسى المسيح عليه السلام، ثم فاطمة عليها السلام بنت النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم خديجة بنت خويلد زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم ءاسية بنت مزاحم زوجة فرعون موسى، ثم السيدة الجليلة عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن.
قال أبو سعيد البزار بسندٍ جيّد:” وما نفضنَا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا”، يريد أنّهم وجدوها تغيّرت عمّا عهدوه في حياته من الالفة والصّفاء والرّقّة لفقدان ما كان يمُدّهم به من التعليم والتأديب.