الخميس يناير 29, 2026

الدرس الثامن
الهداية والإضلال بخلق الله تعالى

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وجميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

أما بعد، فإن الإيمان بالقدر كله خيره وشره موقعه في الدين عظيم، وذلك لأن رسول الله ﷺ أكد أمره فوق ما ورد في النصوص القرءانية، ثم أصحاب رسول الله ﷺ أعلامهم كسيدنا عمر وسيدنا علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين رضي الله عنهم، ثم أعلام التابعين كالإمام الحسن البصري ومن تبع هؤلاء بإحسان كانوا يعظمون أمر الإيمان بالقدر وكانوا لا يثبتون الإيمان لمن خالف في ذلك أي لا يعتبرونه مسلما، كانوا لا يفرقون في أن ما يحصل في الدنيا من أعيان الأشياء أي أجرامها وأعمالها حركاتها وسكناتها كل ذلك بخلق الله تعالى ومشيئته وتقديره، لا يفرقون بين ما يعمل الإنسان من خير وما يعمله من شر في أن كلا واقع بتقدير الله وعلمه ومشيئته وتكوينه.

وقد ذكرنا في الدرس الماضي وفيما قبل ذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خطب بالجابية وهي أرض من الشام، وكان عنده رجل من أهل الذمة عجمي فحمد الله عمر وأثنى عليه وقال: «من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» فهذا العجمي الكافر عرف معنى هذه الجملة «ومن يضلل فلا هادي له» فاستنكرها بلغته، فقال بلغته: «إن الله لا يضل أحدا»، فقال عمر: للترجمان: ما يقول هذا؟ قال له: إنه يقول إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر رضي الله عنه: «كذبت يا عدو الله، ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك، هو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء».

قول عمر رضي الله عنه: «هو أضلك» دليل على ما هو معتقد المسلمين الصحابة ومن تبعهم أن الله تعالى هو الذي يخلق الاهتداء في قلوب من شاء من عباده فيجعلهم مؤمنين ويخلق الضلالة في قلب من شاء من عباده فيجعلهم ضالين كافرين، وهم في ذلك لهم اختيار فقول عمر رضي الله عنه: «هو أضلك» تصريح بالغ بأن الله هو خالق الضلالة في الإنسان الذي هو ضال وإن كان للإنسان في ذلك اكتساب وعمل لكنه بمشيئة الله الأزلية وخلق الله تعالى في قلبه هذه الضلالة.

هذه العبارة صريحة لا تقبل تأويلا، قال لهذا الكافر: «هو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء»، وإنما قال «إن شاء» لأنه لا يدري هل هذا ممن سبق له في علم الله ومشيئته أنه سيسلم ويموت على الإيمان والتقوى أو من كتب الله وشاء وعلم أنه يموت على ضلالته فيكون من أهل النار لذلك قال: «إن شاء»، وذلك لأن الإنسان أربعة أقسام: قسم يحيون مؤمنين ويعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين ويبعثون مؤمنين، وقسم يحيون كافرين ويعيشون كافرين ويموتون كافرين ويبعثون كافرين، وقسم يحيون مؤمنين ويعيشون مؤمنين ثم يموتون كافرين ويبعثون كافرين، وقسم يحيون كافرين ويعيشون كافرين ثم يموتون مؤمنين ويبعثون مؤمنين، البشر لا يخرجون عن هذه الأقسام الأربعة.

فما أنه قد يعيش الإنسان دهرا من عمره على الكفر ثم يسلم ويكون إسلامه حسنا فيختم له بالإيمان والسعادة، لذلك عمر لم يجزم بقوله: «ويدخلك النار» بل علقه بقوله: «إن شاء» معناه: إن شاء أن تموت على حالك هذا فإنك لا بد أن تدخل النار التي أعدها الله تعالى دار خلود أبدي للكافرين، هذا أثر ثابت عن سيدنا عمر مسند.

والصحابة كلهم في الاعتقاد على منوال واحد لا يختلفون في الاعتقاد، إنما الاختلاف بينهم في الأمور الفرعية، اختلف اجتهاد أبي بكر عن اجتهاد بعض الصحابة واختلف اجتهاد عمر عن اجتهاد بعض الصحابة في الأمور الفرعية، في الأحكام الفقهية ليس في أصول العقائد، لا اختلاف بينهم في أصول العقائد، فهذه المسألة مسألة اعتقادية هي من أصول العقائد، ليس بين الصحابة اختلاف في أصول العقيدة، الاختلاف في أصول العقيدة ضرر، أما الاختلاف في الفروع ليس ضررا لأن فيه رحمة للبشر.

فإذا اختلف أصحاب رسول الله فإذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في مسألة فرعية في الأحكام كان في ذلك نفع، لأن بعض الناس يكون أسهل عليهم اجتهاد هذا وبعض الناس يكون أسهل عليهم اجتهاد الآخر، فيأخذ هذا المقلد بما يراه أسهل عليه وذلك ليس عيبا، ثم اجتهاد واحد منهم قد يختلف وهذا ليس عيبا بل يكون هذا دليلا قويا على قوة نظر هذا الصحابي لأنه لما قال باجتهاده الأول بوجه ثم تغير اجتهاده فقال بوجه ءاخر دل ذلك على أنه واسع الفكر، هذا لا يراه أهل العلم عيبا.

سيدنا عمر كان له في مسألة الجد مع الإخوة أي: إذا ترك الميت جدا وإخوة، في كيفية توريثهم كان له أقوال وءاراء مختلفة، حتى قيل له: إنك قضيت يا أمير المؤمنين فيما مضى عام الأول بغير هذا، بغير ما تقضي به الآن، فقال: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي. كذلك سيدنا علي اختلف رأيه في بعض المسائل فقال مرة برأي ثم قال برأي غيره يخالقه، كذلك غيرهما من أكابر الصحابة من مجتهديهم، لأن الصحابة ليسوا كلهم مجتهدين؛ بل المجتهدون منهم أقل من الذين لا يستطيعون أن يجتهدوا في الأحكام، فكان من بلغ منهم مرتبة الاجتهاد يأخذ باجتهاده ولا يعيب على المجتهد الآخر لكن إذا ظهر من أحدهم أنه أغفل حديثا من أحاديث رسول الله ﷺ التي قالها الرسول، لم يسمعها فاجتهد فقال برأيه فالآخر منهم ينبهه يقول له: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، فيرجع ذاك الصحابي عن رأيه يقول: إنما كان ذلك رأيا مني، لا يتشبث لا يقول: أنا قلت فيما مضى كيف أرجع عن قولي؛ بل يرجع عن قوله ويعتذر يقول: إنما كان ذلك رأيا مني، يتركه ويأخذ بالحديث الذي بلغه من لسان هذا الصحابي، وكل منهما صحابي لكنه لم يكن كل صحابي يسمع من الرسول ﷺ ما يسمعه الصحابي الآخر، كانوا من أهل الانشغال، كان أحدهم يغيب برهة لحاجاته المعاشية ثم أحدهم كان له عمل في نخله فيغيب بعض الأوقات عن رسول الله ويكون الآخرون حضروا وسمعوا من رسول الله ﷺ ما لم يكن سمعه ذاك الذي غاب، وكانوا حريصين على تبليغ العلم، فكان أحدهم إذا حضر رسول الله ﷺ يوما فسمع منه حديثا يبلغ صديقه الذي غاب، يقول له اليوم حدثنا رسول الله ﷺ بكذا وكذا فيستفيد منه، كانوا هكذا يتعاونون على الخير.

ونذكر الآن أثرا عن سيدنا علي رضي الله عنه في أمر القدر، عن عطاء بن السائب عن ميسرة عن علي قال: «إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله» معناه: لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض؛ بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن كل ما يجري في الكون من خير أو شر ضلالة أو هدى عسر أو يسر حلو أو مر كل ذلك بخلق الله ومشيئته حدث وكان، ولولا أن الله تعالى شاءه وكونه وخلقه ما حصل، هذا معنى كلام سيدنا علي رضي الله عنه، وفيه التصريح بأن كل ما يحدث في الكون من خير وشر بلا استثناء فهو بمشيئة الله وتقديره وتكوينه، هذا أثر عن سيدنا علي رضي الله عنه.

وهناك أثر ثان عن سيدنا علي رواه الشعبي، رواه أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن علي أنه خطب الناس على منبر الكوفة، هو سيدنا علي رضي الله عنه كان بعدما استخلف بالمدينة ذهب إلى العراق فسكن الكوفة، خطب الناس على منبر الكوفة فقال: «ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره وشره» معناه: الذي لا يؤمن بالقدر كله خيره وشره لا يعتبر مسلما، لأن هذا يرى أن للعالم مدبرين مدبر خير ومدبر شر وهذا خلاف التوحيد، لا يجوز عقلا ولا نقلا أن يكون للعالم مدبران إلا مدبر واحد هو يخلق جميع ما يجري في الكون، يكون ويحدث من العدم إلى الوجود بمشيئته وتقديره.

وأثر ثالث عن علي رضي الله عنه، يرويه عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين قال: ذكر عنده القدر يوما، ذكر عنده أي عند علي القدر يوما فأدخل إصبعه السبابة والوسطى، أدخلهما في فيه أي مسهما بريق، فرقم بهما باطن يده فقال: «أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب» يريد بذلك أن كل حركة وسكون يفعلها الإنسان هي مما كتب في اللوح المحفوظ إن كانت للخير وإن كانت للشر.

أهل الحق الصحابة لا يستثنون، لا يقولون: «ما كان من طاعة فخلق الله وتقديره ومشيئته، وما كان من معصية فليس بخلق الله وتقديره ومشيئته»، عندهم لا تفريق، فمن أراد أن يكون على ما كانوا عليه اعتقد اعتقادهم، ومعنى قول سيدنا علي «في أم الكتاب» أي: في اللوح المحفوظ.

ثم أثر رابع عن علي الرضا بن موسى الكاظم رضي الله عنهما، يقول الحاكم رحمه الله تعالى الذي هو شيخ البيهقي: سمعت أبا الحسن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن جعفر بن موسى بن جعفر المعروف بمدينة رسول الله ﷺ في الروضة يقول: سمعت أبي يذكر عن ءابائه أن علي بن موسى الرضا كان يقعد في الروضة وهو شاب ملتحف بمطرف خز فيسأله الناس ومشايخ العلماء في المسجد، فسئل عن القدر فقال: قال الله عز وجل، عز من قائل: {إن المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر} [القمر: 47 – 48].

ثم قال الرضا: كان أبي يذكر عن ءابائه أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان يقول: «إن الله خلق كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، وإليه المشيئة وبه الحول والقوة». هذا الكلام عظيم يحوي معاني راقية كثيرة.

يقول سيدنا علي رضي الله عنه: «إن الله خلق كل شيء بقدر» أي: بتقديره الأزلي «حتى العجز والكيس». العجز هو الضعف في الفهم والإدراك، أما الكيس فهو الذكاء والفطانة، يقول: كل ذلك بتقدير الله تبارك وتعالى، ما استثنى شيئا، قال: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس»، ما قال الطاعات بقدر الله والمعاصي ليست بقدر الله، ما استثنى بل عم وشل، قال: «وإليه المشيئة» معناه: أن الله تبارك وتعالى له المشيئة الشاملة العامة الأزلية الأبدية التي لا تتحول ولا تتغير، شاء بها حصول كل الممكنات الحادثات من أجرام وأعمال العباد حركاتهم وسكناتهم وتطورات نفوسهم، له هذه المشيئة التي هي سابقة على مشيئة العباد، مشيئة الله سبقت مشيئة العباد، سبقت مشيئته المشيئات كلها.

فما يقوله بعض الناس: «إن لله عبادا إذا أرادوا أراد» هذا اللفظ غير مستحسن لأنه يوهم أن الله تبارك وتعالى يحدث مشيئة، ومشيئة الله أزلية ليست مما يحدث كهذه الحادثات، هو الله تبارك وتعالى بمشيئته الأزلية يطور الأشياء على حسب علمه الأزلي ويغيرها من حال إلى حال، هذا الإنسان، الله تعالى يطوره وينقله من حال إلى حال بمشيئته الأزلية وعلمه الأزلي أما علمه تعالى ومشيئته فلا يتطوران لأنهما أزليان والأزلي لا يتغير ولا يتطور، لا يزداد ولا ينقص.

فقول بعض الناس: «إن الله عبادا إذا أرادوا أراد» تركه خير، نقول كما جاء في الحديث: «إن لله عبادا لو أقسموا على الله لأبرهم» يعطيهم مرادهم، يحقق لهم مرادهم كما جاء في الحديث: «رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» رواه البخاري ومسلم وغيرهما. «رب» معناه كثير من المؤمنين «أشعث» معناه: لا يتمكن من خدمة جسده من شدة البؤس والفقر شعره منتفش أشعث، منتفش لا يسرحه، لا يتمكن من تسريحه كل يوم، على حسب العادة لا يتمكن فيكون شعره منتفشا، «أغبر» ثيابه لا يستطيع أن يتعدها بالغسل والتنظيف من شدة البؤس والفقر، «ذي طمرين» يلبس طمرين أي ثوبين، ثوبا للنصف الأعلى وثوبا للنصف الأسفل، «مدفوع بالأبواب» معناه: الناس لا يقدرونه يدفع بالأبواب، إذا جاء لحاجة إلى باب إنسان يدفع من رثاثة ثيابه وهيئته ولا يمكن من الدخول، شعره أشعث وثيابه مغبرة، هذا العبد له عند الله منزلة عالية بحيث «لو أقسم على الله لأبره» أي لو قال: يا رب أقسم عليك أن تفعل بي كذا أو أن تفعل بفلان كذا ينفذ له، لكن هؤلاء قلوبهم متعلقة بالآخرة قل أن يطلبوا أمرا دنيويا يتعلق بالمعيشة، فهؤلاء لو أقسموا على الله فهو لمصلحة دينية لا لشهوات أنفسهم، هكذا قال الرسول ﷺ: «لو أقسم على الله لأبره».

أما هذه العبارة إن لله رجالا إذا أرادوا أراد هذه ما وردت لا في القرءان ولا في حديث رسول الله ﷺ ولا على كلام الأئمة، تركها أحسن، لكن هم الذين يتلفظون بها قصدهم صحيح. المسلم المؤمن يعلم بأن علم الله لا يتغير ومشيئته لا تتغير وتقديره لا يتغير إنما المقدور يتغير على حسب علم الله السابق ومشيئته السابقة، فمن قال ذلك القول يقصد به أن هؤلاء المؤمنين لهم عند الله منازل عالية فإذا طلبوا من الله يحقق لهم، هذا الذي يفهمونه، ومع ذلك فاللفظ يوهم معنى غير مقصود لهم فاسدا، أما قول سيدنا علي: «وبه الحول والقوة» فمعناه: أن العبد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرا ويحترز عنه إلا بعون الله، لا يستطيع أن يحترز عن سوء وعن معصية إلا بالله أي إلا بعون الله أي إلا أن يحفظه الله، لا يستطيع أن يحفظ نفسه عن المعصية إلا بحفظ الله، فالملائكة والأنبياء والصالحون من المؤمنين ليسوا هم يحفظون أنفسهم من الضلال مستقلين عن الله تعالى بل الله هو يحفظهم، «وبه الحول» أي بالله تعالى أي بعون الله تعالى وحفظه يحترزون السوء والشر والفساد، وقوله: «والقوة» معناه: أنه لا أحد يقوى على طاعة وحسنة وعمل شريف إلا بتقدير الله ومشيئته وعلمه وتوفيقه، هذا معناه، هذا من خالص التوحيد وجواهر العلم، هذا الذي قاله سيدنا علي: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس وإليه الـمشيئة وبه الحول والقوة»، هذه عبارة موجزة لكن معناها عظيم.

هذا معنى «وبه الحول والقوة»، المعنى أن الذين يتحفظون عن المعاصي ويتجنبون الرذائل فبعون الله ليسوا هم خلقوا هذا لأنفسهم، فالأنبياء والملائكة والأولياء بفضل الله تبارك وتعالى حفظوا فلله الـمنة عليهم، الفضل لله الذي حفظهم ولولا حفظ الله لهم ما سلموا من هذه المعاصي والرذائل، كذلك هذه الطاعات التي وفقهم الله إليها فعملوها وحققوها فليس ذلك إلا بعون الله فلولا معونة الله ما عملوا حسنة فلله الفضل والنعمة.

حاصل كلام هؤلاء الأئمة من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان في أمر القدر يعود إلى شيء واحد وهو أنه لا يكون في الكون في العالـم خير ولا شر لا إيمان ولا طاعة ولا كفر ومعصية إلا بتقدير الله، يجب الإيمان بذلك والتسليم لله، لا يسلم إلا من سلم لله تبارك وتعالى لأن الله لا يقاس على الخلق، لا يقال: «كيف يجوز لله أن يقدر في الأزل أن يفعل قسم من عباده المعاصي ويشاء ذلك ثم يعملون ذلك على حسب مشيئة الله وعلمه ثم يعاقبهم في الآخرة»، لا يقول هذا إلا ضال، أما المؤمن الموفق فيقول: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] كما جاء في القرءان {لا يسأل} أي: الله {عما يفعل} أي: لا اعتراض عليه {وهم} أي: العباد {يسألون} العباد يسألون أما الله فلا يسأل بل يجب التسليم له، إن أضل قوما من عباده بمشيئته وتقديره وخلق الضلالة في قلوبهم لم يكن ظالما، لم يكن جائرا، وإن هدى قسما منهم فجعلهم موفقين ميسرين للعمل الصالح فبفضله تبارك وتعالى، فله الفضل عليهم، فلا يجوز أن يقال: «الله تعالى مجبور على كذا، مجبور بأن يعطي فلانا الذي هو عبد له تقي مطيع أن يعطيه الدرجات العلى في الآخرة»، ليس الله مجبورا إنما هو متكرم متفضل على هذا العبد لأنه هو الذي يسر له هذه الحسنات حتى عملها، هذا العبد اكتسبها والله خلقها فيه خلقا فضلا منه، وذاك المخذول الذي خذله الله ليس له أن يعترض على الله، الاعتراض على الله أول كفر حصل في خلق الله.

الملائكة خلقوا قبل الجن، خلقوا مؤمنين طائعين ليس فيهم عاص لله ثم خلق الجن. إبليس كان مسلما مؤمنا يعبد الله مع الملائكة ثم خلق ءادم فأمر الله تعالى الملائكة بأن يسجدوا لآدم امتحانا وابتلاء ليظهر ما سبق في علمه، هنا إبليس لم يسجد لأنه اعترض على الله، كأنه يقول: «يا رب أنت تأمرني بلا حكمة، كيف تأمرني بأن أسجد لمن خلقته من طين وأنا خلقتني من نار، فضل وطغى باعتراضه على الله، هذا أول كفر حصل في الخلق، وإبليس لو ترك السجود لآدم أي: احتراما لآدم وتحية لو ترك السجود ولم يعترض على الله لم يكفر، لكنه اعترض على الله فكان من الهالكين {قال أأسجد لمن خلقت طينا} [الإسراء: 61] معناه: أنت أمرك هذا بغير حكمة، هذا معناه، لذلك كفر.

فالذي يعترض على الله إذا أصابته نكبة كما حصل لكثير من الناس في هذه الأيام أو أصابته مصيبة فهو أخو إبليس لأنه أول من كفر بالله وكان كفره بالاعتراض على الله ولو سلم لله تسليما كالملائكة لسلم، وأيما عبد اعترض على الله فسبيله سبيل إبليس لكنه يحتمل أن يسلم فيما بعد ويصير من عباد الله الصالحين، أما إبليس فليس له ذلك، يعيش على الكفر ويموت على الكفر ويبعث على الكفر لأن الله شاء له ذلك. وإبليس حي الآن، الله تعالى قال: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون *قال فإنك من المنظرين *إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 36 – 38]، هو طلب أن يعيش إلى يوم البعث لكن الله ما أعطاه ذلك بل أعطاه أن يعيش إلى النفخة في الصور أي نفخة الهلاك.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا، والحمد لله رب العالمين. والله أعلم.