النهي عن التفكر بذات الله
وهو معنى قول الصحابي الجليل ترجمان القرءان ابن عباس رضي الله عنه: «تفكروا في كل شىء، ولا تفكروا في ذات الله عز وجل»[(132)] رواه الحافظ البيهقي بإسناد صحيح، وهو موافق للحديث الذي رواه الدارقطني وابن كثير وغيرهما[(133)] عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فكرة في الرب» [(134)]، ومعناه أن الله تعالى لا يدركه الوهم.
والوهم ما يتخيله الإنسان مما لا يشهد له العقل ولا عبرة به، فيحكم على ما لم يشاهده بحكم ما شاهده فيها، والتخلص من غلط الوهم عزيز يختص به الآحاد[(135)]، والمعنى أن الله تعالى لا يدركه الوهم، فالله لا تبلغه أوهام الخلائق أي تصوراتهم لأن الإنسان وهمه يدور حول ما ألفه من الشىء المحسوس الذي له حد وشكل ولون، والله تعالى ليس كذلك، لذلك نهينا عن التفكر في ذات الله، وأمرنا بالتفكر في مخلوقاته لأن التفكر في مخلوقاته يقوي اليقين[(136)].
قال أبو بكر الباقلاني في مسألة وجوب التفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله : «وإذا صح وجوب النظر فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات الله، لا في ذات الله، والدليل عليه قوله تعالى: {…وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ… *} [(137)] ولم يقل: في الخالق، وأيضًا قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *} [(138)] فالنظر والتفكر والتكييف يكون في المخلوقات، لا في الخالق… وأيضًا: فإن موسى عليه السلام لما سأله اللعين فرعون عن ذات الله، أجابه بأن مصنوعاته تدل على أنه إله ورب قادر، لا إله سواه . إذا نظر فيها وتأمل ولم يحدد له الذات فلا يكيفها؛ لأنه لما قال له: {…وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ *} [(139)] قال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا… *} [(140)] إلى أن كرر عليه السؤال وأجابه بمثل الأول، إلى آخر الآيات كلها، فمهما سأله عن الذات أجابه بالنظر في المصنوعات التي تدل على معرفته .
وقيل: سئل بعض أهل التحقيق عن الله عز وجل: ما هو؟ فقال: إله واحد. فقيل له: كيف هو؟ فقال: ملك قادر، فقيل له: أين هو؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: ليس عن هذا أسألك؟ فقال: الذي أجبتك به هو صفة الحق، فأما غيره فصفة الخلق.
وأراد بذلك أن يسأله عن التكييف، والتحديد، والتمثيل، وذلك صفة المخلوق لا صفة الخالق، ولأن المتفكر إذا تفكر في خلق السموات والأرض وخلق نفسه وعجائب صنع ربه، أداه ذلك إلى صريح التوحيد، لأنه يعلم بذلك أنه لا بد لهذه المصنوعات من صانع، قادر، عليم، حكيم {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [(141)].
وقال: «مسألة بيان أن العالم محدَث: ويجب أن يعلم: أن العالم محدث؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا سبيله ووصفه كان محدثًا،… وكذلك الخليل عليه السلام[(142)]، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة، لأنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي، إلى آخر الآيات فعلم أن هذه لما تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها خالقًا، فقال عند ذلك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض»[(143)] اهـ.
وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال: «حرام على العقول أن تمثل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحد، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم» [(144)] اهـ.
لأن الوهم يدرك الأشياء التي ألفها أو هي من جنس ما ألفه كالإنسان والضوء والريح والظل، والأشياء الحادثة لو لم يرها الإنسان كالجنة إذا ذكرت لنا يمكننا أن نتصورها في أوهامنا فنصادف الحقيقة في بعض الصفات، ونخطئ في بعض الصفات، أما الله فلا تدركه تصورات العباد وأوهامهم، وهو ما روي من قول الصحابي أبي بن كعب رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى *} [(145)]، إليه ينتهي فكر من تفكر. رواه أبو القاسم الأنصاري في شرح الإرشاد[(146)].
قال القرطبي: «قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا، حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته». ولقد أحسن من قال:
ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه
فإنـك تردى إن فعـلت وتـخذل
ودونك مصنوعاته فاعتـبر بـها
وقل مثل ما قال الخليل المبجلُ»[(147)]
ومعناه أن حقيقة الله لا يصل إليه أحد مهما شغل فكره، فلذلك نهينا عن التفكر في ذات الله أي إعمال الفكر لتوهمه وتخيله، بل ذلك محرّم ممنوع لأنك لا تصل إلى نتيجة لأنه موجود لا كالموجودات وأمرنا بالتفكر في مخلوقاته. وذلك لأن كل ما تتصوره ببالك فهو مخلوق والخالق لا يشبه مخلوقه، كما قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه: «من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل وإن اطمأن لموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد» [(148)] اهـ.
أي لا يمكن تصوير الله في النفس لأن من لا مثل له لا يتمثل في النفس.
لذلك نهى السلف عن التفكر في ذات الله تعالى للوصول إلى حقيقته، لأنه لا يعلم الله على الحقيقة إلا الله، إنما معرفتنا بالله هي بمعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز في حقه. وكل من يتفكر في ذاته تعالى فيتخيل بخياله صورة أو يتوهمها بوهمه ويعتقد أن ما تخيله وتوهمه هو الله فما عرف الله سبحانه، إذ لا فرق بينه وبين عابد الصنم، فعابد الصنم عبد صورة نحتها وهذا عبد صورة تخيلها، وأما المؤمن المصدق فيعبد من لا شبيه ولا مثيل له أي أن الله لا يتصور في الوهم إذ أنه لا يتصور إلا صورة قال تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…} فالله يستحيل أن يكون مصوّرًا أي ذا صورة وشكل لأن ذلك من خواص الأجسام تحصل لها بواسطة الكميات والكيفيات وإحاطة الحدود والنهايات، كما قال الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان» [(149)].
وقال المفسر النسفي: «الحمد لله المنزه بذاته عن إشارة الأوهام، المقدس بصفاته عن إدراك العقول والأفهام ، المتصف بالألوهية قبل كل موجود، الباقي بالنعوت السرمدية بعد كل محدود، الملك الذي طمست سبحات جلاله الأبصار، المتكبر الذي أزاحت سطوات كبريائه الأفكار، القديم الذي تعالى عن مماثلة الحدثان، العظيم الذى تنـزه عن مماسة المكان، المتعالى عن مضاهاة الأجسام ومشابهة الأنام، القادر الذي لا يشار إليه بالتكييف..» [(150)] اهـ.
وسئل أبو علي الروذباري (ت322هـ) عن التوحيد فقال: «التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه ، ثم قال: والتوحيد في كلمة واحدة كل ما صوّرته الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه (أي لا يشبه ذلك) لقوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} »[(151)].
معناه أن العارف بالله يكون معظمًا لمولاه فلا يعتقد في حقه سبحانه ما لا يليق به، بل يقدّس وينـزّه الله عن صفات المخلوقين من الحجم والجسمية والجهة والمكان[(152)] وغير ذلك، لذلك لما سئل بعض العارفين عن الخالق تقدست أسماؤه ؟
قال للسائل:
– إن سألت عن ذاته فليس كمثله شىء.
– وإن سألت عن صفاته فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
– وإن سألت عن اسمه فـ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *} [(153)].
– وإن سألت عن فعله فـ {…كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ *} [(154)]. ولذلك قال أيضًا الإمام الهمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: «إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة لأن الصورة تقتضي الكيفية وهي – أي الكيفية – عن الله وعن صفاته منفية»[(155)] اهـ.
وقال عمرو ابن عثمان المكي: «كل ما توهمه قلبك، أو رسخ في مجاري فكرتك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو أنس أو جمال أو ضياء أو شبح أو نور أو شخص أو خيال فالله تعالى بعيد من ذلك ، ألا تسمع إلى قوله تعالى: {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} »[(156)] اهـ.
وقال الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي: «ومعنى تقديس الله تنـزيهه عن كل ما لا يليق بكماله سبحانه وتعالى فنـزهه عن كل وصف يدركه حس أو يصوره خيال وهم أو يختلج به ضمير» [(157)] اهـ.
وسئل الجنيد عن التوحيد فقال: «إفراد الموحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد، بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وقال أبو بكر الزاهرأباذي: المعرفة اسم ومعناه وجود تعظيم في القلب يمنعك عن التعطيل والتشبيه» ، وسئل أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال: «التوحيد أن تعلم أنه غير مشبه الذوات ولا منفي الصفات» [(158)].
وقال أبو بكر الباقلاني : «فإن قال القائل: فخبرونا عن الله سبحانه:
ما هو؟… قيل له :
– إن أردت بقولك (ما هو) ما جنسه؟ فليس هو بذي جنس لما وصفناه قبل هذا؟
– وإن أردت بقولك (ما هو) ما اسمه؟ فاسمه الله الرحمـن الرحيم الحي القيوم.
– وإن أردت بقولك (ما هو) ما صنعه؟ فصنعه العدل والإحسان والإنعام والسموات والأرض وجميع ما بينهما.
– وإن أردت بقولك (ما هو) ما الدلالة على وجوده؟ فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره.
– وإن أردت بقولك (ما هو) أي أشيروا إليه حتى أراه؟ فليس هو اليوم مرئيًا لخلقه ومدركًا لهم فنريكه.
فإن قال قائل : وكيف هو؟… قيل له :
– إن أردت بالكيفية التركيب والصورة والجنسية فلا صورة له ولا جنس فنخبرك عنه.
– وإن أردت بقولك (كيف هو)، أي: على أي صفة هو؟ فهو حي عالم قادر سميع بصير.
– وإن أردت بقولك (كيف هو)، أي: كيف صنعه إلى خلقه؟ فصنعه إليهم العدل والإحسان»[(159)] اهـ.
وقال الحسين بن منصور: ألزِم الكلَّ الحدث، لأنَّ القِدم له، فالذي بالجسم ظهوره فالعرَض يلزمه، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه، والذي يؤلِّفه وقت يفرقه وقت، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه. والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه، ومن آواه محل أدركه أين، ومن كان له جنس طالبه[(160)] مكيِّف[(161)].
إنه سبحانه لا يظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حد، ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلْف، ولا يحدُّه أمام، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد. ولم يجمعه كلُّ ولم يوجده كان، ولم يفقده ليس.
وصفه لا صفة له، وفعله لا علة له، وكونه لا أمد له، تنـزَّه عن أحوال خلقه. ليس له من خلقه مزاج، ولا في فعله علاج باينهم[(162)] بقدمه، كما باينوه بحدوثهم.
إن قلت: متى، فقد سبق الوقتّ كونه. وإن قلت: هو، فالهاء والواو خلْقه. وإن قلت: أين، فقد تقدَّم المكان وجوده.
فالحروف آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده. وتوحيده تمييزه من خلقه. ما تُصوِّر في الأوهام فهو بخلافه ، كيف يحلُّ به ما منه بدأه؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه؟ لا تماقله العيون، ولا تقابله الظنون، قربه كرامته، وبُعده إهانته، علوُّه من غير توقُّل ومجيئه من غير تنقُّل.
هو الأول والآخر والظاهر والباطن، والقريب البعيد، {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} »[(163)].
فالله ليس من قبيل الأجسام الكثيفة ولا من قبيل الأجسام اللطيفة، فإن الله تعالى لا يشابه ولا يماثل أعيان أي أفراد الأجسام الكثيفة من الإنسان والحجر والشجر والأرض والبهائم والزجاج والخشب ونحو ذلك، ولا يشابهها أيضًا في صفتها التي تشترك فيها هذه الأجسام وهي أنها أجسام كثيفة أي تمسك باليد، ثم الله تعالى لا يشابه ولا يماثل أيضًا أعيان أي أفراد الأجسام اللطيفة من الروح والريح والملائكة والجن والضوء والظلام ونحو ذلك، ولا يشابهها أيضًا في صفتها التي تشترك فيها هذه الأجسام وهي أنها أجسام لطيفة أي لا تمسك باليد.
فلا هو من قبيل الأجسام الكثيفة ولا من قبيل الأجسام اللطيفة، فلذلك قال الأشعري: «يده يد صفة ووجهه وجه صفة كالسمع والبصر» [(164)] اهـ.
وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري عند قول البخاري باب قول الله عز وجل: {…كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ… *} [(165)]، وفيه حديث عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ… *} [(166)]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» ، فقال: {…أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ…} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» ، قال: {…أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا…} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أيسر» . قال الحافظ ابن حجر: «والمراد منه قوله فيه أعوذ بوجهك قال ابن بطال: في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجها وهو من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول: إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء الذين نشاهدهم. وقال غيره: دلت الآية على أن المراد بالترجمة الذات المقدس ولو كانت صفة من صفات الفعل لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات وهو محال.
وقال الراغب: أصل الوجه الجارحة المعروفة، ولما كان الوجه أول ما يستقبل وهو أشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شىء وفي مبدئه وفي إشراقه فقيل وجه النهار وقيل وجه كذا أي ظاهره، وربما أطلق الوجه على الذات كقولهم كرم الله وجهه وكذا قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *} [(167)]، وقوله: {…كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ…} [(168)] وقيل: إن لفظ الوجه صلة، والمعنى كل شىء هالك إلا هو، وكذا: ويبقى وجه ربك، وقيل: المراد بالوجه القصد أي يبقى ما أريد به وجهه. قلت: وهذا الأخير نقل عن سفيان وغيره، وقد تقدم ما ورد فيه في أول تفسير سورة القصص، وقال الكرماني: قيل المراد بالوجه في الآية والحديث الذات أو الوجود أو لفظه زائد أو الوجه الذي لا كالوجوه لاستحالة حمله على العضو المعروف فتعين التأويل أو التفويض .
وقال البيهقي: تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات كقوله: «إلا رداء الكبرياء على وجهه» وهو ما في صحيح البخاري عن أبي موسى، وفي بعضها بمعنى من أجل كقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ… *} [(169)] وفي بعضها بمعنى الرضا كقوله: {…يُرِيدُونَ وَجْهَهُ… *} [(170)] {إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى *} [(171)]وليس المراد الجارحة جزما والله أعلم»[(172)] اهـ.
بل أزيد فأنقل من كتاب الأسماء والصفات للبيهقي عناوين بعض الأبواب مما يؤكد المعنى الذي نحن فيه فيقول: «باب ما ذكر في الصورة، الصورة هي التركيب والمُصور هو المركِّب قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *} [(173)].
ولا يجوز أن يكون البارئ تعالى مصوَّرًا ولا أن يكون له صورة لأن الصورة مختلفة والهيئات متضادة، ولا يجوز اتصافه تعالى بجميعها لتضادها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها إلا بمخصِّصٍ لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختص ببعضها اقتضى مخصِّصًا خصصه به وذلك يوجب أن يكون مخلوقًا وهو محال، فاستحال أن يكون مصَوَّرًا وهو الخالق البارئ المصوِّر»[(174)] اهـ.
وقال: «باب ما جاء في إثبات الوجه صفة لا من حيث الصورة»[(175)] اهـ.
وقال أيضًا: «باب ما جاء في إثبات العين صفةً لا من حيث الحدقةُ»[(176)] اهـ.
وقال: «باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة»[(177)] اهـ.
فأما أن يقال إن لله كيفا لكن نحن لا نستطيع أن نحدد ذلك الكيف فهو ضلال مبين، وهو تشبيه لله بخلقه من بعض الوجوه، لأن الكيف معناه صفات الخلق، وإنما الذي يجب اعتقاده والقطع به أن الله لا كيف له بالمرة فهو رب الكيف ورب الصور والهيئات والأشكال والألوان والأحجام.
ثم إن الله تعالى لا يتصف بصفات الأجسام من حركة وسكون وهبوط وصعود أو الانفعالات التي ترافق الرضا والغضب في الخلق، فلذلك قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه كما تجده في رسالة الفقه الأكبر: «ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفات الله تعالى بلا كيف» [(178)] اهـ.
وهو ما فهموه من خلال الجمع بين النصوص السمعية ومنها الآية الجامعة {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} وهو ما نبه عليه أهل العلم بحمد الله.
قال الحافظ ابن الجوزي ما نصه: «قال ابن عقيل في قوله تعالى: {…قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي… *} [(179)] قال: «من كفّ خلقه عن السؤال عن مخلوق فكفّهم عن الخالق وصفاته أولى» اهـ.
وقد قيل شعرًا:
حقيقة المـرء ليس المرء يدركـها
فكيف يدرك كنه الخالق الأزلي»[(180)] اهـ.
وهو قول السلف قاطبة في جوابهم عن المتشابه (وسنورد أمثلة عليها في خلال هذه الرسالة إن شاء الله) من آي القرآن والحديث « امروها كما جاءت بلا كيف ».
قال الحافظ ابن الجوزي: «ثم لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الأحاديث [المتشابهة] جملة، وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان، فقد غلط من ألفها أبوابًا على ترتيب صورة غلطًا قبيحًا، ثم هي بمجموعها يسيرة، والصحيح منها يسير، ثم هو عربي وله التجوز، أليس هو القائل: «تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صافّ» [(181)] و «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح» [(182)]،[(183)] اهـ. فإذا وقفت على ما بيناه علمت أن السلامة والنجاة في التزام التنـزيه والتقديس.
وقد سئل سهل بن عبد الله عن ذات الله عزَّ وجلَّ، فقال: «ذات الله تعالى موصوفة بالعلم، غيرُ مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حدِّ ولا إحاطة ولا حلول ، وتراه العيون في العقبى ظاهرًا في ملكه وقدرته[(184)]، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية» (أي لا حجم لله أصلا).
وقال الجنيد: أشرف كلمة في التوحيد، ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته» [(185)] اهـ.
ـ[132] الأسماء والصفات للحافظ البيهقي (2/162).
ـ[133] رواه الحافظ في فتح الباري (13/ 383)، وقال: « وحديث ابن عباس «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله» موقوف وسنده جيد ». وقال السيوطي في الدر المنثور (7 /662): أخرج الدارقطني في الأفراد، والبغوي في تفسيره عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «وأن إلى ربك المنتهى» قال: «لا فكرة في الرب» وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سفيان الثوري في قوله وأن إلى ربك المنتهى قال: «لا فكرة في الرب»، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لن تقدرونه»، وأخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا» ، وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن مسيرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يذكرون عظمة الله تعالى فقال: «ما كنتم تذكرون؟» قالوا: كنا نتفكر في عظمة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا في الله فلا تفكروا ثلاثا ألا فتفكروا في عظم ما خلق ثلاثا» اهـ.
ـ[134] رواه المقدسي في أطراف الغرائب والأفراد (1/ 397)، (615)، وفي كنز الأعمال (3/278)، (8491)، كتاب الأخلاق من قسم الأفعال، التفكير.
ـ[135] انظر تشنيف المسامع للإمام الزركشي (4/881).
ـ[136] انظر الشرح القويم على الصراط المستقيم للحافظ الكبير الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله (ص/106).
ـ[137] سورة آل عمران: جزء من الآية 191 .
ـ[138] سورة الغاشية: 17 .
ـ[139] سورة الشعراء: جزء من الآية 23 .
ـ[140] سورة الشعراء: جزء من الآية 24 .
ـ[141] سورة الشورى: جزء من الآية 11 .
ـ[142] وذلك في إقامة الحجة على قومه لا أنه كان صلوات الله وسلامه عليه تائهًا شاكًا كما هلك في هذا الوهم بعض الناس وكان عليهم أن يردوا ذلك إلى المحكم كقول الله فيه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [سورة ءال عمران].
ـ[143] في الإنصاف (ص/41-43)
ـ[144] انظر طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي: (9/45)، خلال رسالة أحمد بن يحيى بن إسماعيل الشيخ شهاب الدين ابن جهبل الكلابي الحلبي الأصل والتي أولها في (9/34).
ـ[145] سورة النجم: 42 .
ـ[146] كما نقله شيخنا الحافظ العبدري رحمه الله في الدليل القويم على الصراط المستقيم (ص/113).
ـ[147] تفسير القرطبي (17/115).
ـ[148] ذكره ملا علي القاري في شرحه للفقه الأكبر، أي أن الإنسان إذا عرف الله بأنه موجود لا كالموجودات واعتقد أنه لا يمكن تصويره في النفس واقتصر على هذا واعترف بالعجز عن إدراكه أي عن معرفة حقيقته ولم يبحث عن ذات الله للوصول إلى حقيقته تعالى فهذا إيمان، هذا يقال عنه سلم من التشبيه والتعطيل، أما الذي لا يكتفي بهذا العجز فيتصوره كالإنسان أو ككتلة نورانية أو نحو ذلك فهذا كفر.
ـ[149] حكم السيد أحمد الرفاعي (ص/15).
ـ[150] تفسير النسفي (1/3)، مقدمة تفسيره.ـ[151] الرسالة القشيرية في علم التصوف لأبي القاسم القشيري (ص/9).
ـ[152] سورة الحشر: 22 .
ـ[153] سورة الرحمـن: جزء من الآية 29، أي يغير في الخلق من غير أن يتغير وفيها قال ابن عباس رضي الله عنه: «يرفع قومًا ويضع آخرين ويغني قومًا ويفقر ءاخرين».ـ[154] انظر كتاب الأسماء والصفات للحافظ البيهقي (2/21).
ـ[155] الرسالة القشيرية في علم التصوف لأبي القاسم القشيري (ص/36).
ـ[156] الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (1/10).
ـ[157] انظر الرسالة القشيرية (ص/6).
ـ[158] تمهيد الأوائل (ص/300).
ـ[159] طالبه أي تطلبه من تعليقات الشيخ زكريا الأنصاري على الرسالة القشيرية (ص/6).
ـ[160] قال الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقاته على الرسالة القشيرية (ص/6): مكيف أي له لأن الجنس تحته أنواع تتميز عنه بفصول وهذه كلها من صفات المخلوق، والخالق ميزه عنها.
ـ[161] باينهم أي خالفهم فلم يشابهم، وباينوه فلم يشابهوه.
ـ[162] انظر الرسالة القشيرية (6-7).
ـ[163] كما في تبيين كذب المفتري (ص/50).
ـ[164] سورة القصص: جزء من الآية 88 .
ـ[165] سورة الأنعام: 65 .
ـ[166] سورة الرحمـن: 27 .
ـ[167] سورة القصص: جزء من الآية 88 .
ـ[168] سورة الإنسان: جزء من الآية 9 .
ـ[169] سورة الأنعام: جزء من الآية 52 .
ـ[170] سورة الليل: 20 .
ـ[171] فتح الباري (13/388-389).
ـ[172] سورة الإنفطار: 6 – 7 – 8 .
ـ[173] الأسماء والصفات للحافظ البيهقي (2/15).
ـ[174] المصدر السابق (2/25).
ـ[175] المصدر السابق (2/40).
ـ[176] المصدر السابق (2/43).
ـ[177] رسالة الفقه الأكبر (ص/27).
ـ[178] سورة الإسراء: جزء من الآية 85 .
ـ[179] الباز الأشهب (ص/141).
ـ[180] رواه مسلم في صحيحه (1/ 553)، (804)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
ـ[181] رواه النسائي في السنن الكبرى (6/ 393)، (11317)، كتاب التفسير، سورة مريم.
ـ[182] مقدمة الباز الأشهب (ص/108).
ـ[183] قال الشيخ زكريا الأنصاري تعقيبا على هذه الجملة: لا بالإحاطة فلا يرى رؤية الأشباح وإنما يرى على ما هو عليه من جلاله وعظمته وتنـزهه عن مشابهة الغير.
ـ[184] المصدر السابق (ص/233).
ـ[185] أنظر أساس التقديس للفخر الرازي صحيفة [24] وما بعدها، بتصرف الفصل الثاني: في تقدير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزّه عن الجسمية والحيّز والجهة.