الجمعة أبريل 4, 2025

نقل الإجماع الحاسم في بيان حكم الجهوي والمجسم

لفضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني

 بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين وعل ءال كل وصحب كل وسائر الصالحين.

أما بعد، قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [سورة ءال عمران] .

وقال عز وجل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *} [سورة المائدة] .

وقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ… *} [سورة التوبة] .

وقال تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام {…وَأَنْصَحُ لَكُمْ… *} [سورة الأعراف] وقال عز من قائل إخبارًا عن هود عليه السلام {…وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ *} [سورة الأعراف] .

وعن تميمٍ الدَّاري رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قلنا: لِمَن؟ قال: «لله ولِكِتَابِهِ ولِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وعَامَّتِهِم» رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.

وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» رواه الترمذي وقال حديث حسن.

وعن جرير رضي الله عنه قال: «بايعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إِقَامِ الصَّلاَةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصحِ لكلِّ مسلمٍ» رواه البخاري ومسلم.

والشرع الكريم دعانا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى إبطال الباطل وإحقاق الحق، ولقد كثر المفتون اليوم في الدين بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وزاد الانحراف وامتد، لذلك كان لا بد من تأليف هذا الكتاب «نقل الإجماع الحاسم في بيان حكم الجهوي والمجسم» لبيان الحق من الباطل والصحيح من الزائف. فجزى الله مؤلفه «الشيخ الدكتور عماد الدين جميل حليم الحسيني» خير الجزاء.

فقد أوضح ما يجب توضيحه بالأدلة الشرعية الموثقة من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الأئمة الأعلام في بيان حكم المجسمة وأن القول الحق فيهم أنهم ليسوا مسلمين بلا امتراء، لأنهم عبدوا غير الله تعالى، وشبهوه بخلقه، وكذبوا قول الله تعالى {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} [سورة الشورى] وقول الله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *} [سورة النحل] وغيرهما من الآيات. أما الآية {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهي أصرح ءاية في القرءان في تنزيه الله تعالى التنزيه الكليَّ وتفسيرها أن الله لا يشبهه شىء بأي وجه من الوجوه، والكاف في {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لتأكيد النفي، ففي الآية نفيُ ما لا يليق بالله عن الله. وأما قوله تعالى {…وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ففيه إثبات ما يليق بالله، السمعُ صفةٌ لائقة بالله والبصر كذلك وإنما قدّم الله تعالى في هذه الآية التنزيه حتى لا يُتوهم أن سمعه وبصره كسمع وبصر غيره، فالله تعالى موصوفٌ بأنه ليس كمثله شىء من اللطائف كالنور والروح والهواء ومن الكثائف كالشجر والإنسان. والجسم اللطيف ما لا يضبط باليد والجسم الكثيف ما يضبط باليد أي ما يجسُّ باليد وهو تعالى لا يُشبه العلويات ولا السفليات.

قال العراقي في الغيث الهامع شرح جمع الجوامع في كتاب الاجتهاد وقوله {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تتمته في التنزيل {…وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فأول هذه الآية تنزيه وءاخرها إثبات وصدرها رد على المجسمة وعجزها رد على المعطلة والنكتة في نفي التشبيه أولا أنه لو بدأ بذكر السميع والبصير لأوهم التشبيه فاستفيد من الابتداء بنفي التشبيه أنه لا يشابهه في السمع والبصر غيره. اهـ

وقال الإمام الشافعي: المجسم كافر، نقله عنه السيوطي في الأشباه والنظائر اهـ وقد أطلق النووي في المجموع تكفير المجسمة وذلك في كتاب الصلاة باب صفة الأئمة. اهـ وقال ابن حجر في المنهاج القويم: واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك. اهـ

وقال الإمام أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز البغدادي التميمي رئيس الحنابلة ببغداد في كتابه اعتقاد الإمام أحمد: وأنكر أحمد على من يقول بالجسم، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسَمك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل. اهـ ونقله الحافظ البيهقي عنه في مناقب أحمد وغيرُه.

بل نقل صاحب الخصال من الحنابلة عن الإمام أحمد أنه قال بتكفير من قال: «الله جسم لا كالأجسام» ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع وقال: ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح. اهـ

وعلى هذا إمام أهل السنة الإمام أبو الحسن الأشعري فقد قال في «النوادر»: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به. اهـ

وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته القشيرية ما نصه: «سمعتُ الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول: سمعتُ أبا عثمان المغربي يقول: كنتُ أعتقدُ شيئًا من حديث الجهة، فلما قدِمتُ بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبتُ إلى أصحابنا بمكة: إني أسلمتُ الآن إسلامًا جديدًا» اهـ.

وبعد هذا البيان لا يشك عاقل في حكم تكفير المجسمة على اختلاف أنواعهم، فهذا الذي يطلق القول بعدم تكفيرهم، غش الأمة، وخالف إجماعها، فماذا يقول فيمن قال: «إن الله لما انتهى من الخلق استلقى ووضع رجلاً على رجل». وفيمن قال: إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت ثم خلق نفسه من ذلك العرق». وفيمن قال: «إن الله على العرش والملائكة حملة العرش تشعر بثقل الجبار» اهـ وفيمن قال: «إن الله يقعد على العرش ويقعد معه محمدًا»، وفيمن قال: «ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم»، وفيمن أجاز على الله أن يمس خلقه كالنجاسات والحشرات، وغيرهم من ضروب المجسمة وأصنافهم. فإن الأئمة حكموا بتكفير من قال عن الله: جسم ولو قال لا كالأجسام، فما شأن من زاد تشبيهًا وتجسيمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول المجسمة.

ومن عظيم فائدة هذه الرسالة الجامعة بيان مراد قول من قال من الأئمة: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة، وأنّ المراد ما لم يصدر منه كفر بواح كالتجسيم، فقد قال شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني شارحًا عبارة: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة»، ما نصه: «أقول هذا كلام قد اشتهر بين الناس، ونقل عن الأئمة مثل الشافعي وأبي حنيفة، وليس على إطلاقه؛ إذ المجسم كافر، وإن صام وصلى» اهـ.

وكذلك بيان أن لازم المذهب هو مذهب لقائله إجماعًا إن كان اللازم بينًا صريحًا وأما إن كان خفيًّا فهذا المختلف فيه بين العلماء، وأن القائل بالجسم من الصريح البين. فقد قال المحدث الشيخ محمد زاهد الكوثري: «وما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إنما هو فيما إذا كان اللزوم غير بيّن، فاللازم البيّن لمذهب العاقل مذهب له» اهـ.

ومن لطيف هذه الرسالة الرائعة بين حكم من يقول من العوام بالجسم، وهو لا يفهم المعنى ولا يعتقده ولا يعتقد أي معنى فيه نقص في حق الله، إلا أنه يفهم منها: موجود، فهذا له حكمه الخاص، كما بين الأستاذ الإمام المقدم أبو منصور البغدادي والعلامة البياضي وغيرهما.

أسأل الله تعالى أن يجعل في هذا الكتاب النفع العميم، وأن يثيب كل من يساهم في نشره بين الناس ونصرة لهذا الدين العظيم. ءامين.

الأحد، 14 آب، 2011

الموافق 14 رمضان 1432هـ

 

أخوكم في الله

أمين عام دار الفتوى في أستراليا

الشيخ الدكتور سليم علوان الحسيني

 

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 

الحمد لله المتعالي عن الشبيه والنظير الذي ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، كيف يقال له كيف والكيف في حقه محال، أنى تتخيله الأوهام وكيف تحده العقول، ما عرفه من كيّفه، ولا وحده من مثّله، ولا عبده من شبّهه، المشبه أعشى والمعطل أعمى، لا بصفة الأول يحكم له مبدأ، ولا بالآخر صار له منتهى، ولا من الظاهر فهم له شبح، ولا من الباطن تعطل له وصف، خرست في حق ذاته سبحانه صولة لم؟ وكفّت لهيبة الحق كف كيف؟ وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة، فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم، جل عن أشباه وأمثال، وتقدس عن أن تضرب له الأمثال،وإنما يقع الاشتباه والإشكال، في حق من له أنداد وأشكال، المشبه ملوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق من بين فرث ودم لبن خالص، هو المتنـزه لا يقال: لم؟ لفعله، ولا متى؟ لكونه، ولا فيم؟ لذاته، ولا كيف؟ لوصفه، ليس في صفاته أين، ولا مما يدخل في أحديته من؟ بل متى عرف العبد بأن مولاه قديم لا بداية له دله ذلك على التنـزيه، وعلم أنه لا ينطبع فيها شبح الشريك، ولا خيال التشبيه. (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا) «إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد»، أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله وقد سدل الكفر على وجه الإيمان والحجاب فنسخ الظلام بنور الهدى، وكشف النقاب، وبيّن للناس ما أنزل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة البيضاء لا سرب فيها ولا سراب، فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وسلم تسليما كثيرا[(1)].

وقد أسميناه:

شواهد التنـزيه وكشف أوهام التشبيه وحقية القول بتكفير المجسم والجهوي

واقترح عليّ بعض من ساهم في مراجعة الكتاب قبل إصداره أن يسمى بـ:

نقل الإجماع الحاسم في بيان حكم الجهوي والمجسم

ـ[1]  بتصرف من مقدمات المدهش وتلبيس إبليس واللطائف للحافظ ابن الجوزي وفي الأخير هذه الزيادة: «جاء البعوض إلى سليمان عليه السلام يشكو من الريح، فاستحضر سليمان الريح، فذهب البعوض، فقال سليمان: إلى أين؟ فقال: لو كان لي قوة الثبوت معها ما شكوت منها» اهـ.