المقالة الخامسة والثلاثون
* تقول سعاد ميبر ص206: لكن المعتزلة لم يكفروا على الأصح كالجبرية، لأنهم نسبوا القدرة للإنسان على خلق أفعاله بقدرة يخلقها الله تعالى فيه.
الرد: بل الصواب يا سعاد تكفير المعتزلي القائل بأن العبد يخلق أفعاله بقدرة خلقها الله فيه. لأن في قولهم ذلك تكذيبا صريحا لقول الله: {هل من خالق غير الله} [سورة فاطر] ولقوله تعالى: {قل الله خالق كل شيء} [سورة الرعد] ولقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [سورة الصافات] ولقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} [سورة النحل]. ولقول الله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} [سورة فصلت].
وروى الحاكم والبيهقي وابن حبان من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله صانع كل صانه وصنعته” أي عمله. وفي هذا إبطال لقول المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله بقدرة خلقها الله فيه. إذ العباد لا يخلقون شيئا من أعمالهم وإنما يكتسبونها فقد قال الله تعالى: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد] تمدح تعالى بذلك لأنه شيء يختص به وذلك يقتضي العموم والشمول للأعيان والأعمال والحركات والسكنات. فالعبد كاسب لعمله والله تعالى خالق لعمل هذا العبد الذي هو كسب له.
فليس الإنسان مجبورا لأن الجبر ينافي التكليف وهذا هو المذهب الحق وهو خارج عن الجبر والقدر أي مذهب الجبرية والقدرية.
لأن الإنسان لو كان مجبورا في أفعاله لم يكن مكلفا والمجبور هو من لا اختيار له كالريشة المعلقة في الهواء تأخذها الرياح يمنة ويسرة من غير اختيار لها في ذلك، فلو كان العبد مثل هذه الريشة لم يؤمر بالأوامر ولم ينه عن المناهي. والمعتزلة والجبرية طائفتان متباينتان تباينا شديدا.
وأهل السنة لا من هؤلاء ولا من هؤلاء بل هم في الوسط بين الاثنين.
فالإنسان له اختيار تابع لمشيئة الله، مختار تحت مشيئة الله.
ويكفر من يقول إن العبد يخلق أعماله كالمعتزلة كما قال ابن عباس رضي الله عنه: كلام القدرية كفر، والقدرية هم المعتزلة.
وتستر المعتزلة بقولهم العبد يخلق أعماله بقدرة خلقها الله فيه لا ينفعهم، حتى قال متأخروهم إن الله كان قادرا على خلق حركاتنا وسكناتنا قبل أن يعطينا القدرة عليها فلما أعطانا القدرة عليها صار عاجزا عنها. ذكر هذا إمام الحرمين أبو سعيد المتولي وأبو الحسن شيث بن إبراهيم في كتابه الذي ألفه في الرد على المعتزلة وسماه حز الغلاصم في إفحام المخاصم وغيرهم.
قال أبو الحسن: المعتزلة جعلت الله كما يقول المثل أدخلته داري فأخرجني منها ا.هـ. فهل بعد هذا تردد في تكفيرهم.
وابن عباس رضي الله عنه قال بأن كلامهم كفر لأنهم قالوا المعاصي تحصل بدون مشيئة الله وإن أعمالنا نحن نخلقها لذلك سموا القدرية. وقال أبو يوسف المعتزلة زنادقة ا.هـ.
ووصفهم أبو منصور التميمي في كتابه الفرق بين الفرق بأنهم مشركون ولا يغتر بعدم تكفير بعض المتأخرين لهم فقد نقل الأستاذ أبو منصور التميمي في كتابه أصول الدين وكذلك في كتابه تفسير الأسماء والصفات تكفيرهم عن الأئمة.
وقال الإمام البغدادي في كتابه تفسير الأسماء والصفات إن أصحابنا أجمعوا على تكفير المعتزلة ا.هـ.
وأما كلام بعض المتقدمين من ترك تكفيرهم فمحمول على مثل بشر المريسي والمأمون العباسي. فإن بشرا كان موافقهم في القول بخلق القرءان وكفرهم في القول بخلق الأفعال فلا يحكم على جميع من انتسب إلى الاعتزال بحكم واحد.