الجمعة فبراير 13, 2026

المقالة الأولى

من فسادها وكفرياتها:

تقول سعاد ميبر في كتابها ص496 ذكرنا أن الإيمان باليوم الآخر يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود، وعلى ضوء هذه المعرفة والمعرفة بالمصدر الأول لهذا الكون. ثم قالت في ص95 إن إحساس الإنسان وشعوره في أعماق نفسه بوجود سلطة كبرى تهيمن على هذا الكون وتتصرف فيه بالحياة والموت.

وقالت سعاد ص269: ويستقر في ضميره الواعي أن مصدر هذا الوحي هو الله علام الغيوب.

وقالت ص443 لأن الإيمان بالله سبحانه يحقق المعرفة بالمصدر الاول الذي صدر عنه الكون.

وقالت ص423 فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي بها إلى السماء التي فيه الله عز وجل.

وقالت ص165 إن الغزالي قال عن الله وهو فوق الفوق لا فوق له وهو في كل النواحي لا يزول.

وص99 قالت: والتأمل في هذه الأسباب الظاهرة تناقصت حتى تنتهي إلى سبب واحد هو مسبب الأسباب وخالقها جل وعلا.

وقالت ص89 وإن ما نراه من حقائق الكون كلها إنما هو فيض من هذه الحقيقة الكبرى وهي ذات الله عز وجل ومن المحال أن ندرك ماهية الحقائق المتفرعة الصغرى قبل أن ندرك أصلها ومنبعها الأول، فكان لا بد إذن كي نستطيع التعرف على الكون من التعرف على خالقه أولا.

غير أن عقيدة الإيمان بالله لا تنحصر في أن الله موجود فحسب وإنما هي تحوز في ذاتها تصورا صحيحا متكاملا لصفات الله إلى حيث يقدر الإنسان تصورها، ومن هذا التصور لصفات الله عز وجل يتولد لدى الإنسان الشعور بتلك القوة المحيطة بجميع قواه الفكرية.

الرد: القول بأن الله مصدر الكون معناه أن الله أصل الكون أو أنه المصدر الأول هو ضد التوحيد الذي ذكره الله بقوله: {قل هو الله أحد} وقوله: {لم يلد ولم يولد}. وهذا هو عقيدة الوحدة المطلقة وهي أخت عقيدة الحلول أي حلول الله في غيره والعقيدتان من أكفر الكفر، أما الوحدة المطلقة فهي أصلها فكرة يونانية ثم أخذها ملاحدة المتصوفة الذين يظهرون الإسلام ويضمرون خلافه ويهدمون أصوله وفروعه. وتلك الفكرة اليونانية هي أن الله هو العالم وكل أفراد العالم جزء منه، يقولون في ذلك وحدة في كثرة وبهذا المعنى قول محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه المسمى “كبرى اليقينيات الكونية” في الله إنه حقيقة الحقائق، كيف يكون الأزلي الذي ليس لوجوده ابتداء حقيقة للحادث، لا حول ولا قوة إلا بالله.

فتسمية سعاد ميبر الله بالمصدر الأول والسلطة الكبرى والسبب معارض للدين وقد نص الإمام أبو حنيفة والإمام أبو الحسن الأشعري على أنه لا يجوز تسمية الله إلا بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة أو الإجماع، وقال الإمام أبو منصور البغدادي: “لا مجال للقياس في أسماء الله وإنما يراعى فيها الشرع والتوقيف”. أي ما ورد به النص القرءاني أو الحديثي نسميه به وما لا فلا. قال الإمام ركن الدين علي السغدي الحنفي: “من سمى الله علة أو سببا فقد كفر”.

وقال النسفي في تفسيره: “ومن الإلحاد تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة”.

وتسمية الله بالمصدر الأول والسلطة الكبرى والأصل والمنبع والقوة شبيه بذلك.

فالله لا يسمى سلطة ولا يسمى قوة إنما يسمى القوي. ومثل هذه التسميات الباطلة لا أساس لها في التصوف الإسلامي لأن سيد الطائفة الصوفية قال رضي الله عنه: التوحيد إفراد القديم من المحدث ا.هـ.

ثم هؤلاء يروجون عقيدتهم عقيدة الوحدة المطلقة والحلول باسم الشيخ محي الدين بن عربي وقال الشيخ محي الدين بن عربي في هذا الكتاب الذي اتخذه هؤلاء مرجعا لهم الفتوحات المكية في باب الأسرار: لا يقول بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ومن قال بالحلول فدينه معلول ا.هـ. هذا الذي يصح عن الشيخ محي الدين ليس ما يخالف هذا من تلك العبارات التي يستند إليها هؤلاء مما هو مدسوس عليه. وقد قال بعض مشاهير الحنفية من الفقهاء وهو صاحب كتاب “المعروضات المزبورة” تيقنا أن اليهود دسوا على الشيخ محي الدين.

وكذلك الشيخ عبد الغني النابسلي يحتجون بما في بعض مؤلفاته لتقوية عقيدتهم القول بالوحدة والقول بالحلول، وهو صرح في بعض مؤلفاته بتكفير من يقول بهاتين العقيدتين، قال في كتابه الفتح الرباني: من اعتقد أن الله انحل من شيء أو انحل منه شيء فهو كافر وإن زعم أنه مسلم ا.هـ. ومن هنا يعلم أن ما في الديوان المنسوب إليه من هذه الكلمة ما الكون إلا القيوم الحي كذب عليه كما سبق وذكرنا.

ثم تزيد سعاد ميبر عقيدتها فسادا بقولها إن الله في السماء وهذا ضد قول الله: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان الله ولم يكن شيء غيره” أي ولم يكن زمان ولا مكان. وضد أقوال الأئمة كقول علي رضي الله عنه: “كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان”. ولو كان الله في السماء لكان مزاحما للملائكة وهذا محال فقد ثبت حديث: “أنه ما في السموات موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد” رواه الترمذي.

وأما الحديث الذي رواه الترمذي وهو: “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” وفي رواية أخرى “يرحمكم أهل السماء” فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى لأن خير ما يفسر به الحديث الوارد بالوارد كما قال الحافظ العراقي في ألفيته: وخير ما فسرته بالوارد ثم المراد بأهل السماء الملائكة ذكر ذلك الحافظ العراقي في أماليه عقيب هذا الحديث، ونص عبارته: واستدل بقوله أهل السماء على أن المراد بقوله تعالى في الآية: {ءأمنتم من في السماء} الملائكة. ا.هـ. ولا يقال لله أهل السماء ومن تصلح للمفرد وللجمع فلا حجة لهم في الآية. ويقال مثل ذلك في الآية التي تليها وهي: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} [سورة الملك] فمن في هذه الآية أيضا أهل السماء، فإن الله يسلط على الكفار الملائكة إذا أراد أن يحل عليهم عقوبته في الدنيا كما أنهم في الآخرة هم الموكلون بتسليط العقوبة على الكفار لأنهم خزنة جهنم وهم يجرون عنقا من جهنم إلى الموقف ليرتاع الكفار برؤيته. والرواية الثانية التي ذكرناها أوردها الحافظ العراقي في أماليه ولفظها: “الراحمون يرحمهم الرحيم ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء”.