ليعلم أن الفقهاء المعتبرين من أهل المذاهب الأربعة متفقون على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين، وها نحن نذكر شيئا يدل على ذلك، وقد قدمنا أقوالا من المذهب الحنبلي لرد زعم من انتسب إلى الإمام أحمد رضي الله عنه بأن التوسل بالأنبياء والصالحين شرك.
المذهب الحنبلي
ذكر المرداوي الحنبلي أيضا في كتاب الإنصاف [1] تحت عنوان فوائد ما نصه: “ومنها –أي ومن الفوائد- يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب وقيل يستحب” اهـ. فماذا يقول هؤلاء عن المذهب الحنبلي الذي قرر أن التوسل بالنبي بعد موته سنة على رأي، وجائز فقط على رأي فهل يكفرون الحنابلة؟ وما معنى اعتزاز هؤلاء بأحمد مع أن أحمد في واد وهم في واد ءاخر؟ وقد قال الإمام أحمد للمروذي [2]: “يتوسل –أي الداعي عند القحط وقلة المطر أو انقطاعه- بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره” اهـ.
وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع ما نصه [3]: “ويجوز التوسل بصالح، وقيل: يستحب” اهـ، وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع [4] ما نصه: “وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل يستحب”.
وفي كتاب إتحاف السادة المتقين [5] بشرح إحياء علوم الدين ما نصه: “وكان صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، وقيل أبو الحارث القرشي الزهري الفقيه العابد وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أحمد: هو يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره، وقال مرة: هو ثقة من خيار عباد الله الصالحين، قال الواقدي وغيره مات سنة مائة واثنتين وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة” اهـ. أي أنه توفي قبل أن يولد الإمام أحمد. فهذا أحمد لم يقل يستسقى بدعائه كما يقول ابن تيمية إن التوسل بدعاء الشخص لا بذاته ولا بذكره، بل جعل أحمد ذكره سببا لنزول المطر، فمن أين تحريم ابن تيمية للتوسل بالذوات الفاضلة؟
ونقل ذلك أيضا السيوطي في طبقات الحافظ فقال: “وذكر –أي صفوان بن سليم” عند أحمد فقال [6]: هذا رجل يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكر. مات سنة أربع وعشرين ومائة”. اهـ. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل [7] عن أبيه أحمد بن حنبل قال: “قال ابن عينية: رجلان صالحان يستسقى بهما ابن عجلان ويزيد بن يزيد بن جابر” اهـ.
وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة [8] في ترجمة الصحابي عبد الرحمن بن أبي ربيعة الباهلي أنه استشهد ببلنجر من أرض الترك ودفن هناك فهم يستسقون به إلى الآن.
المذهب الشافعي
وفي فتاوى شمس الدين الرملي [9] الشافعي ما نصه: “سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟
فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار، وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم” اهـ، قوله: “ويحجون” لم يثبت في السنة.
وقال العلامة المجتهد تقي الدين السبكي ما نصه [10]: “اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار ولهذا طعن في الحكاية التي تقدم ذكرها عن مالك فإن فيها قول مالك للمنصور: استشفع به، ونحن قد بينا صحتها ولذلك أدخلنا الاستغاثة في هذا الكتاب لما تعرض إليها مع الزيارة، وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله وصار به بين أهل الإسلام مثله، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك رأيت من الرأي القويم أن أميل عنه إلى الصراط المستقيم ولا أتتبعه بالنقض والإبطال، فإن دأب العلماء القاصدين لإيضاح الدين وإرشاد المسلمين تقريب المعنى إلى أفهامهم وتحقيق مرادهم وبيان حكمه، ورأيت كلام هذا الشخص بالضد من ذلك فالوجه الإضراب عنه” اهـ.
المذهب الحنفي
قال نور الدين ملا علي القاري الحنفي في شرح المشكاة ما نصه: “قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين بن الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح: إني زرت قبره بنيسابور –يعني مسلم بن الحجاج القشيري- وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره ورأيت ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته” اهـ.
وقد جاء في الفتاوى الهندية الحنفية جواز التوسل والتبرك فمن شاء فليراجع ذلك في موضعه [11].
المذهب المالكي
قال الإمام مالك للخليفة المنصور لما حج وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسأل مالكا قائلا: “يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله”. ذكره القاضي عياض في الشفا [12] وساقه بإسناد صحيح، والسيد السمهودي في خلاصة الوفا، والقسطلاني في المواهب اللدنية، وابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم، وغيرهم.
وقال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل [13] ما نصه: “فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك، ءامين يا رب العالمين.
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم، ألم يسمع قول الله عز وجل: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [سورة النساء/64]. فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما، لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، نعوذ بالله من الحرمان” انتهى كلام ابن الحاج.
وفي كتاب المعيار لأبي العباس أحمد بن يحيى الوانشريسي المالكي ما نصه [14]: “وسئل بعض القرويين عمن نذر زيارة قبر رجل صالح أو حي فأجاب: يلزمه ما نذر وإن أعمل فيه المطي. ابن عبد البر: كل عبادة أو زيارة أو رباط أو غير ذلك من الطاعة غير الصلاة فيلزمه الإتيان إليه، وحديث: “لا تعمل المطي” [15] مخصوص بالصلاة، وأما زيارة الأحياء من الإخوان والمشيخة ونذر ذلك والرباط ونحوه فلا خلاف في ذلك، والسنة تهدي إليه من زيارة الأخ في الله والرباط في الأماكن التي يرابط بها. وتوقف بعض الناس في زيارة القبور وءاثار الصالحين، ولا يتوقف في ذلك لأنه من العبادات غير الصلاة، ولأنه من باب الزيارة والتذكير لقوله صلى الله عليه وسلم: “زوروا القبور فإنها تذكركم الموت” [16]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي حراء وهو بمكة ويأتي قباء وهو بالمدينة، والخير في اتباعه صلى الله عليه وسلم واقتفاء ءاثاره قولا وفعلا لا سيما فيمن ظهرت الطاعة فيه” اهـ.
وفي ضمن كلام الوانشريسي أن عمل المسلمين جرى على التبرك بزيارة القبور المباركة عكس عقيدة التيميين، فتبين بذلك أنهم شاذون عن الأمة في نحلتهم المعروفة وهي محاربة التوسل بالرسول وغيره من الأنبياء والأولياء ومحاربة زيارة القبور بقصد التبرك، وقد أسفر الصبح لذي عينين.
الهوامش:
[1] الإنصاف [2/456].
[2] الإنصاف [2/456].
[3] انظر الكتاب [1/595].
[4] انظر الكتاب [2/69].
[5] إتحاف السادة المتقين [10/130].
[6] طبقات الحفاظ [ص/61].
[7] العلل ومعرفة الرجال [1/163-164].
[8] الإصابة في تمييز الصحابة [2/398].
[9] فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي [4/382].
[10] شفاء السقام [ص/160-161].
[11] الفتاوى الهندية [1/266].
[12] الشفا بتعريف حقوق المصطفى [2/92-93].
[13] المدخل [1/259-260].
[14] المعيار المعرب [2/81-82].
[15] أخرجه أحمد في مسنده [6/7].
[16] رواه البيهقي في السنن [4/70].