الأربعاء فبراير 18, 2026

المخالفة للحوادث

   (يجب لله تعالى أن يكون مخالفا للحوادث بمعنى أنه لا يشبه شيئا من خلقه) والدليل العقلى على ذلك أنه لو كان يشبه شيئا من خلقه لجاز عليه ما يجوز على الخلق من التغير والتطور والعجز والضعف والصحة والمرض ولو جاز عليه ذلك لاحتاج إلى من يغيره من حال إلى حال والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها فوجب أنه لا يشبه شيئا، والبرهان النقلى لوجوب مخالفته تعالى للحوادث ءايات منها قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وهو أوضح دليل نقلى فى ذلك جاء فى القرءان لأن هذه الآية تفهم التنزيه الكلى لأن الله تبارك وتعالى ذكر فيها لفظ شىء فى سياق النفى والنكرة إذا أوردت فى سياق النفى فهى للشمول فالله تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض (فليس هو بجوهر يشغل حيزا ولا عرض. والجوهر ما له تحيز وقيام بذاته كالأجسام والعرض ما لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والألوان والطعوم والروائح) فهو تبارك وتعالى ليس كالجرم الذى يدخله المقدار والمساحة والحد فهو ليس بمحدود ذى مقدار ومسافة ومن قال فى الله تعالى إن له حدا فقد شبهه بخلقه لأن كل الأجرام لها حد إما حد صغير وإما حد كبير وذلك ينافى الألوهية والله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد والمقدار كما تحتاج الأجرام إلى من جعلها بحدودها ومقاديرها لأن الشىء لا يخلق نفسه على مقداره ولا يصح فى العقل أن يكون هو جعل نفسه بذلك الحد، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها لأن من شرط الإله الاستغناء عن كل شىء (ولذلك قال الإمام أبو حنيفة فى بعض رسائله فى علم الكلام »أنى يشبه الخالق مخلوقه« معناه لا يصح عقلا ولا نقلا أن يشبه الخالق مخلوقه و)يشمل نفى مشابهة الله لخلقه تنزيهه تعالى عن الكمية والكيفية (قال أبو سليمان الخطابى »إن الذى يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذى صورة ولا هيئة فإن الصورة تقتضى الكيفية وهى عن الله وعن صفاته منفية« رواه عنه البيهقى فى الأسماء والصفات. وقد تطلق الكيفية بمعنى الحقيقة كما فى قول بعضهم [البسيط]

كيفية المرء ليس المرء يدركها                       فكيف كيفية الجبار فى القدم

ومراد هذا القائل الحقيقة. وهذا البيت ذكره الزركشى وابن الجوزى وغيرهما( ومعناه أن الإنسان إذا كان لا يحيط علما بكل ما فيه وكذا حقيقته لا يحيط بها علما فكيف يحيط علما بحقيقة الجبار الأزلى الذى لا يشبه العالم معناه أنه لا يحيط علما بالله لأنه لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله (و)قد (قال أبو جعفر الطحاوى »ومن وصف الله بمعنى من معانى البشر) أى بصفة من صفات البشر (فقد كفر«. وهو من أهل القرن الثالث فهو داخل فى حديث »خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم« رواه الترمذى) وهذا الحديث معناه من حيث الإجمال فيقال باعتبار الإجمال الصحابة خير هذه الأمة لأن فيهم من لا يلحقه بعلو مرتبته أحد ممن جاء بعدهم وليس معناه كل من كان من أهل القرون الثلاثة الأولى هو خير ممن جاء بعده بل كان فيمن جاء بعد ذلك من هو خير من بعض من كان فيها أى من بعض الأفراد لأن الصحابة لم يكونوا كلهم أولياء والفضل عند الله بالتقوى ليس بالنسب ونحو ذلك قال الله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فكيف يساوى بين صحابى قال الرسول فيه لما مات فى الغزو معه وكان موكلا بثقل النبى خادما له »هو فى النار« فنظروا فوجدوا معه شملة سرقها من الغنيمة وبين عمر بن عبد العزيز فهل يجوز أن يقال إن هذا أفضل من عمر بن عبد العزيز لأنه لم ير الرسول. فما أشد فساد قول من قال إن كل فرد من أفراد الصحابة خير ممن جاء بعدهم (والقرن المراد به مائة سنة كما قال ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر فى كتابه تبيين كذب المفترى الذى ألفه فى التنويه بأبى الحسن الأشعرى رضى الله عنه).