المبحث الأول
ليس محور الاعتقاد على الوهم
بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم
العقل شاهد للشرع، أي هو يدل على صحة ما جاء به الشرع، وذلك أن المحدود (وهو ما كان له حجم صغيرا كان أم كبيرا) محتاج إلى من حده بذلك الحد فلا يكون إلـها .
فكما صح وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات، فكذلك يصح وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة، وهذا لا يكون نفيا لوجوده تعالى كما لم يكن قولنا «كما صح وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات» نفيا لوجوده سبحانه.
قال الصحابي الجليل والخليفة الراشد سيدنا عليٌّ رضي الله عنه ما نصه: «كان – الله – ولا مكان، وهو الآن على ما – عليه – كان»[(388)] اهـ. أي بلا مكان.
وقال أبو منصور الماتريدي رحمه الله: «الأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جل عن التغير والزوال والاستحالة والبطلان إذ ذلك أمارات الحدوث التي بها عرف حدث العالم ودلالة احتمال الفناء»[(389)] اهـ.
ونقل البياضي في إشارات المرام نقلا عن الفقه الأبسط لأبي حنيفة رضي الله عنه ما نصه: «كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين» أي مكان «ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء» اهـ. موجد له بعد العدم فلا يكون شىء من المكان والجهة قديما.
ثم قال البياضي: وفيه إشارات: الأولى: بأنه تعالى لو كان في مكان وجهة لزم قدمهما، وأن يكون تعالى جسما، لأن المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم، و الجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم والجسماني، وكل ذلك مستحيل”[(390)] اهـ.
وروى الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء بالإسناد المتصل أن الإمام عليًا زين العابدين كان يقول: «سبحانك أنت الله لا إله إلا أنت لا يحويك مكان لا تحس ولا تمس ولا تجس»[(391)] اهـ. وزين العابدين كان أفضل أهل البيت في زمانه.
وقد قرر هذه العبارة من لا يحصى من علماء الإسلام كأبي حنيفة وابن جرير الطبري والماتريدي والأشعري وغيرهم.
بل نقل أبو منصور البغدادي التميمي إجماع أهل السنة على أن الله موجود بلا مكان ، ذكره في كتابه الفرق بين الفرق، فلا عبرة بعد ذلك بمشبه يعترض على هذه الكلمة الجليلة، فإن من خالف ذلك وأثبت لله تعالى المكان فقد شبهه بالمخلوقات وجعله عديلاً لها، وخالف صريح القرءان وصحيح الحديث والإجماع والعقل.
قال الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الحنفي (629هـ) ما نصه: «فكان القول بالمكان والتمكن ردا لهذا النص المحكم : {…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ… *} الذي لا احتمال فيه، وردّ مثله يكون كفرا.
ومن حيث المعقول : إن الله تعالى كان ولا مكان لأن المكان حادث بالإجماع .
فعلم يقينا أنه لم يكن متمكنا في الأزل في مكان، فلو صار متمكنا بعد وجود المكان لصار متمكنا بعد أن لم يكن متمكنا ، ولا شك أن هذا المعنى حادث وحدوث المعنى في الذات أمارة الحدث ، وذات الله القديم يستحيل أن يكون محل الحوادث على ما مرّ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا»[(392)] اهـ.
وقال أبو الثناء محمود بن زيد اللامشي الحنفي الماتريدي من علماء ما وراء النهر (كان حيا سنة 539هـ) ما نصه: «ثم إن الصانع جل وعلا وعزَّ لا يوصف بالمكان لما مر أنه لا مشابهة بينه تعالى وبين شىء من أجزاء العالم، فلو كان متمكنًا بمكان لوقعت المشابهة بينه وبين المكان من حيث المقدار لأن المكان كل متمكن قدر ما يتمكن فيه. والمشابهة منتفية بين الله تعالى وبين شىء من أجزاء العالم لما ذكرنا من الدليل السمعي والعقلي، لأن في القول بالمكان قولا بقدم المكان أو بحدوث البارئ تعالى وكل ذلك محال :
لأنه لو كان لم يزل في المكان لكان المكان قديما أزليا.
ولو كان ولا مكان ثم خلق المكان وتمكن فيه لتغير عن حاله ولحدثت فيه صفة التمكن بعد أن لم تكن، وقبول الحوادث من أمارات الحدوث، وهو على القدير محال»[(393)] اهـ.
وللشيخ ابن جَهْبَل الحلبي الشافعي رسالة ألَّفَها في نفي الجهة ردَّ بها على ابن تيمية الحرَّاني، قال ابن جَهْبَل فيها ما نصه: «وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة، فنقول: عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ، لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهه شىء، ليس له جهة ولا مكان»[(394)] اهـ.
قال شيخنا الحافظ العلامة اللغوي النحوي عبد الله بن محمد الهرري رحمه الله في العقيدة المنجية: «فإن قال الحشوية المجسمة المثبتون لله الحد[(395)]: هذا نفي لوجود الله.
يقال لهم : أنتم بنيتم اعتقادكم على ما يصل إليه الوهم ولا عبرة بالوهم، إنما العبرة بالدليل الشرعي والعقل، وهذا الذي قررناه هو ما يقتضيه النقل والعقل.
فإن قلتم: لا نؤمن بما لا يصل إليه وهمنا فقد أنكرتم مخلوقا لا يصل إليه وهمكم مما أثبته القرءان كقوله تعالى: {…وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، فالنور والظلام مخلوقان حادثان بشهادة القرءان، فهل يفهم تصوركم وقتا (مخلوقا) لم يكن فيه نور ولا ظلام وقد ثبت ذلك بهذه الآية {…وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أي أن الله خلق الظلمات والنور بعد أن لم يكونا، أوجدهما بعد أن كانا معدومين، وهذا لا تصل إليه أوهامنا ولا أوهامكم ولا يتطرق إليه تصورنا ولا تصوركم، من يستطيع أن يتصور وقتا لم يكن فيه نور ولا ظلام ومع ذلك يجب أن نؤمن أنه كان وقت (أي مخلوق) لم يكن فيه نور ولا ظلام، لأنه بعد خلق الماء والعرش خلق الله النور والظلام، فأول ما خلق الله الماء ثم العرش فإذا النور والظلام ما كانا إلا بعد وجود الماء والعرش، وليعلم أن ما جاز عليه الدخول والخروج فهو مخلوق لله الواحد الذي ليس كمثله شىء»[(396)] اهـ.
وقد مر الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء»[(397)]. وقول الحافظ البيهقي : «قال أصحابنا: فلما لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان»[(398)] اهـ.
فلا يقاس سبحانه بخلقه أبدًا ، قال الإمام أبو القاسم سليمان الأنصاري النيسابوري (512هـ) شارح كتاب الإرشاد لإمام الحرمين بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيّز في الجهة عن الله تعالى ما نصه: «ثم نقول: سبيل التوصل إلى درك المعلومات الأدلة دون الأوهام ، ورُب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه ، وكيف يدرك العقل موجودًا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مِثْل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكم كل مختص بجهة»[(399)] اهـ.
ولذلك قال سيف الدين الآمدي ما نصه: «منشأ الخبط ههنا إنما هو من الوهم لإعطاء الحق (أي الله سبحانه) حكم الشاهد (أي المشاهدات المحسوسات) والحكم على غير المحسوس (وهو الله) بما حكم به على المحسوس، وهو كاذب غير صادق»… إلى أن قال – وهنا انتبه -: « بل قد يشتد وهم بعض الناس بحيث يقضي به على العقل ، وذلك كمن ينفر عن المبيت في بيت فيه ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم وإن كان عقله يقضي بانتفاء ذلك .
فإذا اللبيب من ترك الوهم جانبا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبا.
وإذا عرف أن مستند ذلك ليس إلا مجرد الوهم فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان ، فإنا قد بينا أنه لا بد من موجود هو مبدأ (خالق) الكائنات، وبينا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهدا ولا غائبا، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبين أن ما يفضى به الوهم لا حاصل له»[(400)] اهـ.
قال أبو حامد الغزالي: «فوالله ما عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة، يعني على سبيل الإحاطة والكمال، فهو الله المنـزه عن الماهية، الأحد المقدس عن الكمية، الصمد المتعالي عن الكيفية، الذي لم يلد، بل هو المبدع ولم يولد، بل هو قديم الوجود، ولم يكن له كفوا أحد في ذاته وصفاته وأفعاله»[(401)] اهـ.
ـ[388] كتاب التوحيد (ص/69).
ـ[389] نقلا عن إشارات المرام من عبارات الإمام للبياضي (ص/197).
ـ[390] إتحاف السادة المتقين (4/380).
ـ[391] شرحه على العقيدة الطحاوية المسمى بيان اعتقاد أهل السنة (ص/45).
ـ[392] التمهيد لقواعد التوحيد (ص/62 – 63).
ـ[393] طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة أحمد بن يحيى بن إسماعيل (9/35).
ـ[394] وهو ما له حجم كبيرا كان أو صغيرا.
ـ[395] كتاب شرح الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تعالى ويليه العقيدة المنجية لشيخنا العبدري رحمه الله (ص/62).
ـ[396] رواه مسلم في صحيحه (4/2084)، (2713)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.
ـ[397] الأسماء والصفات (2/144)، باب ما جاء في العرش والكرسي.
ـ[398] شرح الإرشاد (ق/58 – 59)، مخطوط.
ـ[399] كتاب غاية المرام (1/186)، القانون الرابع، القاعدة الثانية في ابطال التشبيه وبيان ما لا يجوز على الله تعالى.
ـ[400] معارج القدس (ص/180).
ـ[401] في الأصل كتبت كلمة (و الانفصال ) لكن لم أفهم معناها في هذا السياق، وأظنها دخيلة.