الله خالق كل شىء
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه، أما بعد فإن الله تبارك وتعالى فرض على عباده أن يوحدوه، وتوحيد الله هو أعظم الفرائض ومعنى التوحيد هو اعتقاد أن الله تبارك وتعالى واحد فى ذاته واحد فى صفاته واحد فى فعله.
أما ذاته تبارك وتعالى أى حقيقته فهو ذات لا يشبه شيئا من الذوات أى لا يشبه شيئا من الحقائق ليس مصورا أى ليس ذا صورة ولا تركيب ولا تأليف ولا ذا كيفية، لا تجوز عليه المساحة والمقدار فقد قال الإمام أبو الحسن الأشعرى فى كتاب النوادر ما نصه من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به. فالله تعالى مقدر المقادير وخالق الطول والعرض والصغر والكبر فلا يكون متصفا بهذه الأوصاف التى خلقها، هو موجود لا يشبه الموجودات.
وأما صفاته فإن منها العلم والسمع والبصر والحياة والإرادة وغير ذلك من صفاته العلى. وكل صفة من صفاته لا تشبه صفات الخلق، علمه ليس كعلم غيره وقدرته ليست كقدرة غيره ومشيئته أى إرادته ليست كإرادة غيره فهو حى قدير عليم سميع بصير، حى لا كالأحياء لأنه حى بحياة أزلية أبدية ليست بروح ودم ولحم، وعلمه ليس كعلم غيره، علمه أزلى أبدى لا يتجدد وليس مكتسبا كعلم غيره، وإرادته ليست كإرادة غيره، هى إرادة أزلية أبدية لا تتغير ولا تتطور ولا تتبدل، وسمعه ليس كسمع غيره بل سمع الله أزلى أبدى أما غير الله فإنه يسمع سمعا محدثا بآلة، غيره يسمع بأذنه أما هو فسمعه أزلى أبدى لأن الأذن لا تجوز على الله، غير الله يرى بحدقة أما هو فيرى بغير حدقة.
فمن ءامن قلبه بأن الله تعالى موجود لا يشبه الموجودات موصوف بصفات لا تشبه غيره فقد عرف الله. ويجب على العبد أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى خالق الحادثات أى خالق كل ما دخل فى الوجود خالق الأجسام وخالق أعمالها. الله خالق لأجسامنا وأجسام الحيوانات والجن والملائكة، خلق أجسامهم وأعمالهم، هو الخالق لا خالق سواه، فالعباد لا يخلقون حركاتهم وسكونهم بل الله خالق ذلك سواء الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، كل بخلق الله تعالى لأن الخلق وهو إبراز المعدوم من العدم إلى الوجود خاص بالله تعالى فلا أحد يخلق شيئا من الأجسام والأعمال إلا الله. قال الله تعالى ﴿هل من خالق غير الله﴾ [سورة فاطر] فأعلمنا أنه هو الخالق فقط لا خالق سواه للأجسام وللأعمال، فمن جعل خلق الأعمال للعباد والبهائم فإنه كذب قول الله.
كم وكم اليوم من الذين يدعون العلم يقولون والعياذ بالله إن الله خلق الجسم فقط وأما أعمال الجسم من الحركات والسكون يقولون إنها من العباد ليس له تصرف فى ذلك هؤلاء قوم ملحدون، هم والذين يعبدون الأوثان كافرون فأولئك جعلوا أنفسهم شركاء الله بقولهم نحن نخلق أعمالنا، الله تعالى قال ﴿هل من خالق غير الله﴾ [سورة فاطر]. ليس معنى الآية لا خالق للأجسام فقط إلا الله، بل معناها لا أحد يخلق شيئا من الأجسام والأعمال إلا الله، هذا مذهب أهل الحق الذى جاء به الأنبياء جميعهم وهذا مذهب أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان كلهم كانوا على هذا الاعتقاد، كانوا يعتقدون أن الله هو الذى خلق الأجسام والأعمال، ومع ذلك صح تكليفه للعباد ولا يكون عليه ظلما. فأهل الحق كلهم موحدون لله يعتقدون اعتقادا جازما لا يخالطه شك أن الله خلق الأجسام والأعمال، ومع ذلك كلف العباد بأداء أوامره واجتناب نواهيه فإن امتثلوا أمره ونهيه كان لهم بفضل الله الثواب الجزيل، ومن خالف أوامره ونواهيه استحق العذاب الأليم.
ثم الذى يبقى للعباد هو أن العباد يكسبون أعمالهم كسبا والله يخلقها خلقا والكسب هو توجيه العبد قصده وإرادته نحو فعل الشىء فيخلقه الله عند ذلك.
فأولئك جعلوا أنفسهم شركاء الله بقولهم نحن نخلق أعمالنا، الله تعالى قال ﴿هل من خالق غير الله﴾ ليس معنى الآية لا خالق للأجسام إلا الله بل معناها لا أحد يخلق شيئا من الأجسام والأعمال إلا الله، هذا مذهب أهل الحق الذى جاء به الأنبياء جميعهم وهذا مذهب أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان، كلهم كانوا على هذا الاعتقاد، وكذلك سائر الأسباب العادية لا تخلق شيئا بل الله سبحانه وتعالى يخلق المنافع والمضار التى تترتب على هذه الأسباب. مثلا النار إذا لامسها إنسان تحصل فيه الحرقة فالنار جعلها الله تعالى سببا للإحراق ولكنها لا تخلق الحرقة، ولو كانت تخلق الحرقة ما سلم أحد من كل ذى روح لمس النار إلا واحترق، لكنه ثبت أن أفرادا من البشر لم تحرقهم النار منهم نبى الله سيدنا إبراهيم الخليل والتابعى الجليل أبو مسلم الخولانى.
فعدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام وأبى مسلم دليل ظاهر على أن الأسباب لا تخلق مسبباتها وإنما الله تعالى يخلق المسببات عند وجود السبب الله يخلق الاحتراق فى الشىء الذى لمسته النار.
حتى يومنا هذا يوجد من يدخل النار ولا تحرقه، كان فى مدينة حمص شيخ من السعديين، وقد روى ولده الشيخ برهان أن والده رحل إلى اسطنبول أيام السلطان عبد الحميد، ولما عرفوا أنه ينتسب إلى طريقة التصوف قالوا له أرنا ءاية إن كنت من أهل النسب فأشعلوا الفرن بشدة فدخل فيه فلم تؤثر فيه بل هو بمكثه فيه أطفأه، فوصل خبره إلى السلطان فبنى له بناية فخمة فى حمص حتى يتخذها زاوية للذكر، قبل ذلك كان هو وأحبابه يذكرون فى مكان متواضع مساحته صغيرة، فلما بنى له السلطان هذه البناية وسعته هو ومريديه للذكر ووسعته للسكن. والنعام كغيرها من البهائم من لحم ودم وعظم، فهى تأكل الجمر الأحمر أكلا تستمرئه أى من غير أن يزعجها، كذلك المسامير المحمرة من النار تأكلها النعام ولا يؤذيها مع أنها من لحم ودم، فلماذا هذا الجمر وهذه القطع الحديدية المحماة من نار لا تحرقها وتحرق فى العادة غيرها، لأن النار لا تخلق الإحراق كذلك الخبز لا يخلق الشبع لآكله وكذلك الماء لا يخلق الرى لشاربه.
وكذلك الدواء لا يخلق الشفاء لمستعمله فمن كان الله شاء له فى الأزل أن يصيبه المرض الفلانى وأن يستعمل الدواء الفلانى وأن يتعافى من هذا المرض حصل الشفاء من هذا الداء، ومن لم يشإ الله تعالى أن يحصل الشفاء له عند استعمال الدواء لم يحصل له الشفاء مهما تداوى. فإذا الأسباب لا توجب المسببات بطريق التلازم العقلى، إنما جرت العادة بمشيئة الله على أن يحصل الشفاء عند استعمال الأدوية، وفى كثير من الأحوال لم يشأ أن يحصل الشفاء، فهذا دليل عيانى وبرهان يقينى على أن الأسباب لا تخلق المسببات إنما تلازم الأسباب والمسببات من هذا القبيل عادى، فلا يتوكل العبد على الأسباب بل يتوكل على مسبب الأسباب أى خالق الأسباب أى الله الذى جعل ارتباطا بين الأسباب والمسببات، كيف ينسى خالق الأسباب والمسببات من أجل الأسباب، نسيان المسبب على الدوام من شيمة الغافلين عن الله الواقفين عند الأسباب، وأما من اعتقد أن هذه الأسباب هى تخلق مسبباتها ولا يعتقد أن الله هو خالق الأسباب ومسبباتها فإنه كافر. ثم إن الله تبارك وتعالى أخبرنا فى القرءان بأنه هو خالق كل شىء أى خالق كل ما دخل فى الوجود من الأجسام والأعمال، كل شىء وجد أى حدث بعد أن لم يكن موجودا فى الأزل، الله خلقه، لم يخلق نفسه ووجد دون فاعل أو خالق بل الله هو الفاعل والخالق الله خالق الأعمال التى يحبها كالإيمان والطاعة، والأعمال التى لا يحبها ونهى عباده عنها، كله خلق لله، فكثير من الناس لجهلهم بعقيدة الأنبياء التى يشهد بها العقل السليم يعتقدون أن الإنسان هو يخلق المعاصى والله يخلق الخيرات، هذا خلاف عقيدة الأنبياء، فالرسول وكل الأنبياء يعتقدون أن الله هو خالق كل ما يدخل فى الوجود من الذرة إلى العرش.
الله تعالى خلق الأشياء المتقابلة البياض والسواد والأرض والسموات والخير والشر. هذا كمال لله تعالى عكس ما يقوله الجهال بأن الذى يقول الله خلق الخير والشر فهذا ظلم بحق الله. قول أهل الحق بعيد عن التنقيص بحق الله تعالى بل هو تنزيه. وبقول الجهال والعياذ بالله إن الله لا يخلق الشر جعلوه مغلوبا والله غالب على أمره، نحن وإياهم متفقون على أن الله لا يحب الشر ولكن الاختلاف أننا نعتقد أنه خالق الخير والشر وهذا تنزيه وتمجيد لله لأننا جعلناه هو الغالب، أما هم فقد جعلوه مغلوبا والإيمان لا يصح بالاعتقاد أن الله مغلوب فلو كان كذلك لكان متندما متحسرا.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.