الثلاثاء 7/8/1984
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، هو خلق أسبابا ومسببات لها، خلق الأسباب وخلق المسببات لهذه الأسباب، خلق الدواء وخلق الشفاء عند استعماله، خلق الطعام وخلق الشبع عند أكله، وخلق النار وخلق الحرقة عند مسها، فالله تبارك وتعالى هو خالق الأسباب والمسببات، ليست الأسباب تخلق مسبباتها، النار سبب للإحراق فالله تعالى هو خلق هذه النار وهو الذي يخلق الإحراق ليست النار تخلق الإحراق، كذلك خلق الخبز وجعله سببا للشبع، فالله تعالى هو الذي يخلق هذا الشبع ليس الخبز يخلق هذا الشبع.
يجوز عقلا أن يأكل الإنسان الطعام ولا يحصل الشبع، كذلك يجوز أن يمس الإنسان النار ولا يحصل الإحراق كما حصل لإبراهيم عليه السلام، إبراهيم ألقي في نار عظيمة، الكفار لم يستطيعوا أن يمسكوه بأيديهم فيرموه فيها من شدة وهجها بل عملوا منجنيقا ووضعوه على المنجنيق فقذفوه بالمنجنيق إلى النار، من قوة حرارتها لم يستطيعوا أن يقتربوا منها فلم تحرقه ولا ثيابه، هذا دليل على أن النار لا تخلق الإحراق بل الله تعالى يخلق عند مماستها الإحراق، كذلك الخبز لا يخلق الشبع، كذلك الماء لا يخلق الري بل الله تعالى يخلق الري عند شرب الماء، كذلك الأكل سبب لقيام الصحة لحفظ الصحة. الأكل والشرب سبب ليس الأكل والشرب يخلقان الصحة بل الله تعالى هو الذي يخلق الصحة بهذا السبب الذي هو الأكل والشرب. أغلب الناس إذا أكلوا وشربوا أجسامهم تظل متماسكة وقواهم تظل على حالها، هذا بالنسبة لأغلب الناس، الله تعالى جعل هذا السبب مرتبطا بالمسبب، وقد يخرق الله تعالى هذه العادة فيوجد السبب ولا يوجد المسبب لأن الله لم يشأ.
كذلك الأدوية جعلها الله تعالى سببا للشفاء ثم ليست الأدوية تخلق الشفاء، كثير من الناس يستعملون الأدوية فلا يتعافون وكثير ءاخرون يستعملون ذلك الدواء نفسه فيتعافون مع أن المرض واحد والدواء واحد، فما الذي اقتضى ذلك، نقول: أولئك الذين استعملوا الدواء لمرض فتعافوا به الله تعالى شاء أن يحصل لهم الشفاء بعد استعمال هذا الدواء، والذين لم يتعافوا به فالله تعالى لم يشأ لهم أن يتعافوا باستعمال هذا الدواء، إذا فالدواء لا يخلق الشفاء، هذا الذي نحن نستنتجه من هذا.
كذلك قصة رحمة بنت إبراهيم التي مضى عليها منذ توفيت ألف ومائة وشيء لأنها كانت في القرن الثالث الهجري، فهذه رحمة عاشت نحو ثلاثين عاما لا تأكل ولا تشرب وهي صحيحة الجسم صحيحة الفكر والأعصاب، ما منعها ترك الأكل والشرب من قوة المشي ولا منعها من صحة الفكر ولا منعها من الفهم، ظلت طيلة هذه المدة بلا أكل ولا شرب وهي صحيحة الجسم ليكون هذا عبرة للمؤمنين حتى يعرفوا أن الله تعالى هو الذي يخلق الصحة وهو الذي يحفظ الصحة فيمن يشاء من عباده إلى الوقت الذي شاء على حسب علمه الأزلي، فلو كانت الصحة يخلقها الأكل والشرب ما عاشت هذه المرأة هذه المدة الطويلة وهي صحيحة الفكر صحيحة الجسم.
كذلك أناس غيرها، منذ خمسة عشر عاما أنا كنت بحلب فقال لي أحد مشايخ حلب قال: رجل من أهل الجزيرة وهو شيخ من أهل العلم منذ أربعة عشر عاما لم يأكل ولم يشرب وهو يتجول يسافر من بلد إلى بلد، قال نزل عندي ضيفا فلم يأكل ولم يشرب.
كذلك حصل في الحبشة أن شيخا من الأولياء منهوما (أي: مولعا) بالعبادة يحب الصلاة كأنه يلتذ بالصلاة ما لا يلتذ كثير من الناس بالأكل والشرب، هذا من شدة ما هو مولع بالصلاة صار يخرج إلى غابة قريبة من الضيعة حتى يصلى كما يشاء ولا يشغله أحد، فظل يصلي هناك حتى حصل له ذات يوم استغراق، وهو قائم غاب صار لا يتكلم مع أحد ولا يأكل ولا يشرب ولا يجلس طرفة لا في ليل ولا في نهار، الناس الذين يمرون تلك الناحية رأوه شاهدوه، صاروا يعطفون عليه لما رأوه تحت السماء وليس فوق رأسه شيء، بنوا عليه ظلة عريشة، بنوا فوق رأسه عريشة حتى تظله من الشمس وهو لا علم ولا شعور له بهم، فأحد أصدقائي من الطيبين قال: قلت في نفسي لعل الشيخ يظل بالنهار واقفا وبالليل يستريح لأراقبنه الليلة قال: ذهبت إليه فبت أراقبه الليل كله فلم أره وهو يجلس بل هو كما هو بالنهار، حتى قضى شهرين، أكمل شهرين وهو في هذه الحال، ثم ذهب من تلك الأرض إلى العاصمة ظل هناك سنين، ثم أنا بعد ذلك زرته.
هذا الرجل كان بارا بأمه، وكان إذا حصل في الضيعة وفاة يهتم بتجهيز الميت، وكان قد تعلم علم الدين، كان محصلا لعلم الدين، عاش نحو سبعين عاما من العمر رحمه الله، هذا أيضا دليل في الأمر الذي حصل له وهو أنه ظل واقفا شهرين لا يأكل ولا يشرب ولا يحس، ولو جاء إنسان ووضع إصبعه في عينه لا يشعر به من شدة تعلق قلبه بالله، هذا فيه دليل لنا على أن الأكل والشرب والاستراحة ليس هو يخلق الصحة وسلامة الجسم إنما الله هو الذي يخلق الصحة وسلامة الجسم، كل هذا دليل لنا على أن نعتبر لنزداد يقينا بأن الله تعالى هو خالق كل شيء، هو خالق الجوع والعطش وهو خالق الخبز وهو خالق الشبع عند تناول الخبز وهو خالق الري عند شرب الماء، ليس الماء يخلق الري وليس الخبز يخلق الشبع وليس الطعام يحفظ الصحة بطبعه إنما الله تعالى جعله سببا، فبمشيئة الله تعالى يحصل بالأكل الشبع وبشرب الماء الري وبمماسة النار الإحراق، أما بدون مشيئة الله لا يحصل شيء من الـمسببات.
كذلك الله تعالى خلق الأمراض وخلق الأدوية فجعل بين الأدوية والأمراض علاقة، فإذا تناول الإنسان الدواء يتعافى إن شاء الله في الأزل أن يتعافى هذا الإنسان بهذا الدواء، أما إن لم يشإ الله تعالى في الأزل أن يتعافى هذا الإنسان بهذا الدواء فلا يتعافى. لو كان الدواء هو يخلق الشفاء لكان كل إنسان يمرض مرضا ثم يتناول ذلك الدواء يتعافى ولم يكن يتعافى به بعض ولا يتعافى به بعض ءاخرون.
كذلك السم الله تعالى جعله سببا للضرر، من تناول السم يحصل له ضرر بمشيئة الله، أما إذا لم يشإ الله تعالى أن ينضر إنسان بالسم فلا ينضر.
كذلك الله تبارك وتعالى جعل العين أي عين الحسود التي تنظر مع حسد سببا للضرر في المنظور، لكن هذا الضرر بالعين لا يحصل إلا بمشيئة الله، كم من إنسان يحسد فينظر إليه بعين الحسد فلا يحصل له ضرر، كما أن هناك أناسا كثيرين تنظر إليهم العين الحسود فينضرون، هذا كله بمشيئة الله.
كذلك السحر بعض الناس يحصل لهم الضرر بالسحر وبعض الناس لا يحصل لهم الضرر بالسحر، وذلك أيضا كله بمشيئة الله.
ومن الدليل على أنه لا ينضر أحد إلا بمشيئة الله أن الله تعالى وكل بالإنسان ملائكة، اثنان يكتبان ما يعمل الإنسان أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيئات، وهناك غير هذين مع البشر مع كل واحد، وظيفتهم أن يحفظوا هذا الإنسان من مهالك، لكن إنما يحفظان هذا الإنسان من الـمهالك التي لم يقدر الله أن تصيبه، أما المهالك والمضار التي قدر الله أن تصيب هذا الإنسان فأولئك الملائكة لا يحولون بينه وبين تلك المضار، لا بد أن تصيبه مع وجودهم لأنه لا يرد قدر الله تعالى أحد.
هؤلاء الملائكة مخلوقون مثلنا لكن الله تعالى ميزهم بصفات ليست فينا، هؤلاء الملائكة يحفظون الإنسان من مهالك كثيرة، لولا وجود هؤلاء لكان الجن يلعبون بنا كما يلعب الإنسان بالكرة، وذلك لأنهم يروننا من حيث لا نراهم، هم معنا لكن لا نراهم، وهؤلاء الملائكة يحفظوننا في أكثر الأوقات منهم، أما الضرر الذي قدر الله وعلم في الأزل أنه يصيبنا من قبل الجن فالملائكة لا يدفعون عنا هذا، مع وجودهم يصيبنا ذلك الضرر الذي كتبه الله.
فمما جاء في العين أن العين حق أي شيء ثابت أن الرسول ﷺ قال: «العين حق فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين»([1]) معناه: لو كان شيء يغلب قدر الله تعالى لسبقت العين القدر، معناه: العين لها تأثير كبير. كان اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ خرجا مع الرسول ﷺ في سفرة مع أصحابه، أحدهما تجرد من ثيابه أي مما سوى العورة، تجرد ليغتسل فرفيقه هذا مؤمن من أصحاب رسول الله ﷺ لما نظر إلى بياض جسمه وحسن منظره قال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، أي: بنتا عذراء، ما رأيت مثل هذا الجسد في الحلاوة والحسن، نطق، لو لم ينطق ما أصابه، لكن الشخص حين يعجب بشيء بجمال شخص بجمال عينه أو يده أو نشاطه في المشي فيتكلم يقول: ما هذا، هذا شيء حلو، حين يتكلم يخلق الله تعالى الضرر في الشخص المنظور، إن لم يتكلم لا يحصل، مهما أعجب÷ ذلك الشيء إن لم يتكلم لا يحصل الضرر للمنظور، أما لو قال الشخص اللهم بارك فيه ولا تضره لا يحصل بعينه ضرر للشخص.
ثم إنه أحيانا حين ينظر هذا الإنسان بعين الحسد إلى شخص أو إلى شيء يعجبه فيتكلم بكلمة يخلق الله الضرر في هذا الإنسان، والشيطان أيضا تلك الساعة يلاحظ أن هذا الإنسان ضرب هذا الإنسان بعينه فيصيب ذلك الإنسان، يزيد، فيزداد الضرر في هذا الشخص، فالذي ينظر إلى شخص يعجبه إذا قال: «اللهم بارك فيه ولا تضره» يكون حصن ذلك الإنسان حتى لا ينضر بعينه([2]).
ثم أيضا كثير من إصابات الجن للبشر إنما تكون في المغتسل، في محل الغسل وفي الخلاء، فإذا قال الإنسان قبل أن يحط رجله في الخلاء: «بسم الله أو قال بسم الله الذي لا إله إلا هو»، وعند التجرد للاغتسال قال: «بسم الله الذي لا إله إلا هو» يحفظ من إصابة الجن له وهو في هذا المكان.
في زمن سيدنا علي كانت امرأة اغتسلت في مكان يبال فيه وما تحصنت هي، ما قالت «بسم الله» ولا قالت «بسم الله الذي لا إله إلا هو» فإذا بها تنصرع على الأرض، فأخبر سيدنا علي فرقاها سيدنا علي رضي الله عنه فقامت وليس بها شيء.
وقال رسول الله ﷺ: «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقدره بالأنفس» رواه البزار والضياء المقدسي وغيرهما. المعنى أكثر من يمرض مرضا يؤدي إلى الموت في أمتي أكثره من العين، هذه الأمراض التي تكون معضلة لا ينجح علاج الأطباء فيها من العين تكون، فإذا أراد الشخص أن يحصن ولده يقول: «أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»([3]).
فإذا قال هذا حصن ولده، فإن كان أولاده عددا يحصنهم جملة يقول: «أعيذكم» وإن شاء يحصن هذا بمفرده ويحصن هذا بمفرده، إن كان يحصن واحدا بمفرده يقول: «أعيذك».
فهذان الشخصان اللذان كانا مع رسول الله ﷺ في سفره انفردا إلى مكان فيه ماء، إلى صخور تحمل ماء من ماء المطر، أحدهما رفع الثوب عن جسمه فنظر إليه الآخر فأعجب به فقال تلك الكلمة فوقع في الحال مرتميا، صرع في الحال، فأخبر الرسول ﷺ قيل له: فلان وفلان ذهبا إلى مكان كذا فحصل لفلان أنه وقع، فغضب الرسول ﷺ قال: «لأي شيء أحدكم يضر أخاه، لماذا لم يبرك عليه»([4]) أي: لماذا لم يقل: «اللهم بارك فيه ولا تضره»، ثم الرسول ﷺ دعا له فتعافى قام كأنه لم يكن به شيء.
ثم إن من الأمور الـمهمة معرفة تعريف الغيبة أي ما هي الغيبة التي حرمها الله تعالى، الغيبة التي حرمها الله تعالى فسرها رسول الله ﷺ، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره»، قيل: أفرأيت يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» رواه مسلم. المعنى: أن ذكر المسلم أي في خلفه بما يكره غيبة حرمها الله تعالى بقوله: ولا يغتب بعضكم بعضا} [الحجرات: 12].
هذه الغيبة التي نهانا الله عنها فسرها الرسول ﷺ بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره»، هذه الكلمة الموجزة التي قالها رسول الله ﷺ تشمل أشياء كثيرة، فذكر المسلم في خلفه بما يكره لو سمعه هذه هي الغيبة المحرمة.
ثم الغيبة منها ما هو من الكبائر ومنها ما هو من صغائر الذنوب، الغيبة على قسمين صغائر وكبائر، غيبة المسلم المتقي الدين من الكبائر، أما غيبة المسلم الفاسق فليست من الكبائر بل من الصغائر.
ثم هذه الغيبة كما تحصل بالنطق للعبارة تحصل بالكتابة، إذا كتب إنسان عن شخص مسلم: «إن فلانا كذا» مما يكره، وصفه بما يكره، هذا أيضا حكمه كأنه ذكره بلسانه، اغتابه بلسانه لأن القلم قيل عنه: «القلم أحد اللسانين»، هذا الذي يكتب في شخص بما يكره يكون كأنه اغتابه بلسانه، هذا إذا اغتابه بما فيه يكون غيبة، أما إذا اغتابه بما ليس فيه يكون بهتانا، يكون أعظم ذنبا وأشد إثما.
بعض الناس من جهلهم يقولون إذا اغتابوا إنسانا في خلفه، ذكروه بما يكره، فقيل لهم: «الغيبة حرام» يقولون: «أنا أقول هذا في وجهه»، فنحن نقول: لو قلت له في وجهه لا يكون ذلك حلالا لأن إيذاء المسلم حرام إلا لأسباب شرعية، ومن الأسباب الشرعية التي تجعل الغيبة جائزة التحذير، فإذا أردنا أن نحذر شخصا من المسلمين أو جماعة أردنا أن نحذرهم من شخص غشاش في تجارته يبيع بضائع فيها عيب ولا يذكر العيب الذي فيها فهذا إذا ذكرناه بما فيه قلنا: «فلان يغش الناس في بيعه» يكون لنا ثواب، كذلك إذا علمنا أن إنسانا يعمل أجيرا عند إنسان ونحن نعلم فيه خيانة في عمله فإذا قلنا لصاحب العمل: «فلان احذره فلان خائن» لنا ثواب ما علينا ذنب، ولو كان هذا الشخص يكره لو وقعت هذه الكلمة في أذنه نحن لنا ثواب لأننا عملنا الواجب، تحذير المسلم مما يضره واجب ما فيه ذنب ليس هذا غيبة محرمة، الغيبة المحرمة هي التي تكون لغير سبب شرعي.
بعض الجهال إذا أراد شخص أن يحذر من أحد التجار الغشاشين أو أحد العمال الخائنين يقولون: «كيف نقطع الرزق على مخلوق؟!»، الرزاق موجود، صاحب العمل الله يرزقه والعامل الله يرزقه، كل في هذه الدنيا يأكل ما كتب الله له أن يأكل ويترك ما سوى ذلك لغيره. الذي يعرف شريعة الله لا يقول:
«هذا قطع رزق كيف أتكلم على هذا الأجير الفقير فأقول عنه لصاحب العمل هذا خائن احذره، نحن نقول لصاحب العمل هذا أجيرك خائن، نقول له هذا ليحذره، ثم إن لم يكن هو يصرفه عن العمل بل يرضى به مع خيانته فهو وشأنه، هذا الذي حذره كسب أجرا عند الله ولو كان هذا الأجير يغضب عليه إذا علم أن فلانا حذر صاحب العمل منه، المسلم عليه أن يحذر المسلم ممن يضره في دنياه، وبالأولى أن يحذره ممن يضره في دينه، أوجب وأفرض أن يحذره ممن يضره في دينه.
فالتحذير ممن يحرف شريعة الله فرض مؤكد، يقول للشخص: «فلان ليس بأهل للتدريس لا تأخذ منه لا تذهب إلى درسه»، فرض أن يحذره، فمن لم يفعل وترك الناس يذهبون إلى ذلك الشخص ويتعلموا منه ما هو غير صحيح في دين الله بل هو افتراء على دين الله فقد غشهم، أما إذا حذر ثم ذلك الإنسان إن سمع التحذير فانقطع عن ذلك الغشاش فله، فلنفسه، وإن سمع التحذير ولم يترك ذلك الإنسان فعلى نفسه، هو ضر نفسه، الذي حذر أخذ الأجر من الله تعالى لأن الله فرض علينا أن نحذر المسلمين ممن يضرهم في دينهم، لا يقال: «هذا عالم كيف يتكلم فيه» ولا ننظر إلى رضى الناس أو غضبهم، رضي من رضي وكره من كره نحن علينا بالبيان والأجر من الله تعالى، والضار النافع هو الله تعالى في الحقيقة، لا أحد يضر ولا ينفع على الحقيقة إلا الله، الله تعالى هو الذي ينفع ويضر على الحقيقة، لا أحد يضر وينفع على الحقيقة سواه، لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله.
ومن جملة ما يدخل في باب التحذير أننا إن علمنا أن فلانا يريد أن يصادق فلانة أو فلانا أو علمنا أن فلانة تريد أن تصادق فلانة فرض علينا أن نحذر إن كان في الشخص الآخر ما يستوجب التحذير، فمن لم يحذر وسكت قال: «لماذا أخلي هذا يتغير خاطره علي» فهو عند الله تعالى موزور يستحق العذاب، أما الذي حذر فهو مأجور عند الله سواء رضي عنه هذا الشخص أو لم يرض عنه، كثير من الضلال يأتي من طريق الصحبة، الشاب قد يكون بحالة حسنة ثم إذا به انقلب فيصير بعيدا من طاعة الله تعالى، والسبب في ذلك في كثير من الأحيان أنه التقى بشخص فاسد فصحبه فأفسده، كم وكم من الناس كانوا يصلون ويقيمون الصلاة ويؤمنون بالله ورسوله ثم طرأ عليهم أن صادقوا وصاحبوا شخصا ملحدا شيوعيا فصاروا كافرين بعد أن كانوا مسلمين، بسبب إفساد ذلك الشخص الذي صاحبه. فيجب وجوبا مؤكدا التحذير من كل إنسان يضر المسلم في دينه بطريق الأولى، وكذلك التحذير من الذي يضر المسلم في دنياه، التحذير من الفريقين فرض مؤكد.
أما إذا قال شخص: «فلان أعلم من فلان، فلانة أعلم من فلانة» ليس على وجه التنقيص بل لبيان الحقيقة بلا كذب، ما فيه غيبة. كذلك إذا قال عن أمور الدنيا: «فلان أخبر من فلان في مهنة كذا وكذا» ما فيه غيبة.
والحمد لله رب العالمين وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءاله وإخوانه الأنبياء والمرسلين. والله أعلم.
([1]) عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء لرسول الله ﷺ: إن بني جعفر تسرع إليهم العين، فأسترقي لهم من العين؟ قال: «نعم، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة.
([2]) وفي الحديث الذي رواه الحاكم مرفوعا: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يحب فليبرك فإن العين حق»، والشخص قد يصيب نفسه بالعين، ففي الحديث: «العين حق يحضرها الشيطان وحسد بني ءادم» رواه الطبراني.
([3]) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
([4]) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه: أنه كان مع النبي ﷺ في بعض غزواته فمر بغدير فاغتسل فيه وكان رجلا حسن الجسم فمر به رجل من الأنصار فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة تعجبا من خلقه فلبط به وحمل محمولا إلى النبي ﷺ فسأله فأخبره بما قال الأنصاري فقال: مر بي فلان فقال كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: «ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه من نفسه أو في ماله أن يبرك عليه، فإن العين حق» رواه الطبراني وغيره.