السبت فبراير 14, 2026

فاللهُ سبحانَه “مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِيْ حَقِّهِ” أي ما لا يليقُ بهِ تعالى كالجهلِ والعجزِ والمكانِ والحيزِ واللونِ والحدِّ والتحيزِ في المكانِ والجهةِ. قالَ أبو جعفرٍ الطحاويُّ أحمدُ بنُ سلامةَ المتوفى في أولِ القرنِ الرابعِ الهجريِّ في عقيدتِه التي ذكرَ أنَّها بيانُ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ على مذهبِ فقهاءِ الملةِ: «لَاْ تَحْوِيْهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ» معناهُ لا يجوزُ على اللهِ أنْ يكونَ محدودًا. والمحدودُ عندَ العلماءِ ما لهُ حجمٌ كبيرًا كانَ أو صغيرًا، كثيفًا كالإنسانِ والشجرِ أو لطيفًا كالنورِ والظلامِ، فإذًا هوَ منزهٌ عنْ أنْ يكونَ جالسًا لأنَّ المتصفَ بالجلوسِ لا بدَّ أنْ يكونَ محدودًا، والمحدودُ يحتاجُ إلى مَنْ حدَّهُ بذلكَ الحدِّ ولا يجوزُ أنْ يحدَّ نفسَه بحدٍّ يكونُ عليهِ لأنَّ معنى ذلكَ أنَّهُ خلقَ نفسَه وذلكَ محالٌ لأَنَّ الشىءَ لا يخلقُ نفسَه قالَ اللهُ تعالى:  ﭐﱡﭐﱐ ﱑ ﱒﱔ ﱕ ﱖ ([1]) فهيَ أصرحُ ءايةٍ في القرءانِ في تنزيهِ اللهِ تعالى التنزيهَ الكليَّ ([2])، وتفسيرُها أنَّ اللهَ لا يشبهُه شىءٌ بأيِّ وجهٍ مِنَ الوجوهِ([3])، والكافُ في قولِه: ﴿ لتأكيدِ النفيِ، ففي الآيةِ نفيُ ما لا يليقُ باللهِ عنِ اللهِ. وأمَّا قولُه تعالى:  ﭐﱡﱔ ﱕ ﱖﱗ([4]) ففيهِ إثباتُ ما يليقُ باللهِ، فالسمعُ صفةٌ لائقةٌ باللهِ والبصرُ كذلكَ، وإنَّما قَدَّمَ اللهُ تعالى في هذهِ الآيةِ التَّنزيهَ حتى لا يُتَوَهَّمَ أنَّ سمعَه وبصرَه كسمعِ وبصرِ غيرِه،

 

 

فاللهُ تعالى موصوفٌ بأنَّه ليسَ كمثلِه شىءٌ مِنَ اللطائفِ كالنورِ والروحِ والهواءِ، ومِنَ الكثائفِ كالشجرِ والإنسانِ. والجسمُ اللطيفُ ما لا يُضبطُ باليدِ، والجسمُ الكثيفُ ما يُضبطُ باليدِ أي ما يُجَسُّ باليدِ، وهو تعالى لا يشبِهُ العلوياتِ ولا السفلياتِ([5]). فإذا وردَ حديثٌ ظاهرهُ  فيهِ نسبةُ النقائصِ إلى اللهِ فاعلمْ أنَّ لهُ معنىً يليقُ باللهِ لا يعارضُ ما قرَّرَهُ الشرعُ الحنيفُ مِنْ تنزيهِ اللهِ عَنِ النقائصِ.

       فاللهُ تعالى مِنْ أسمائِهِ السَّلامُ ([6]) وجعلَ سبحانَه مِنْ أسماءِ الجنةِ دارَ السلامِ، وتحيةَ أهلِ الجنةِ السلامُ عليكم قالَ اللهُ تعالى: ﱡﭐ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ  ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ([7]) قالَ النسفيُّ: ﴿ﱧ ﱨ ﱩ في الجنةِ ﴿ باطلًا ﴿ﱫ  ﱬ هذيانًا، ﴿ﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ إلَّا قولًا ذا سلامٍ، أي لا يسمعونَ فيها إلَّا أنْ يقولوا سلامًا سلامًا، والمعنى أنَّهم يُفشونَ السلامَ بينهم فيُسَلِّمُونَ سَلامًا بعدَ سلامٍ ([8]).اهـ

وقدْ قالَ اللهُ تعالى:  ﱡﭐ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙﳚ([9])، قالَ النسفيُّ: ﴿ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ هيَ الجنةُ أضافَها إلى اسمِهِ تعظيمًا لهَا، أوِ السَّلامُ السلامةُ لأنَّ أهلَها سالمونَ مِنْ كلِّ مكروهٍ، وقيلَ لِفُشُوِّ السلامِ بينهم وتسليمِ الملائكةِ عليهِم” ([10]).اهـ ومن صفاتِ عبادِ الرحمنِ الصالحينَ التي وردتْ في سورةِ الفرقانِ ما قالَ اللهُ تعالى: ﭐﱡﭐﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ  ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ([11])، وتحيةُ الملائكةِ لأهلِ الجنةِ في الجنةِ هيَ السلامُ عليكم قالَ اللهُ تعالى: ﱡﭐ ﱽ ﱾ ﱿ  ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ([12]).

وعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعدْ إِلا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ))([13]) وَفِي رِوَايَةٍ ((تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ))([14])، قالَ المناويُّ: ((اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ)) أيِ المختصُّ بالتنزهِ عنِ النقائضِ والعيوبِ لا غيرُك، ((وَمِنْكَ السَّلَامُ)) أيْ أنَّ غيرَكَ في مَعْرِضِ النقصانِ والخوفِ مفتقرٌ إليكَ بأنْ تؤمِّنَه ولا ملاذَ لهُ غيرُك، فدلَّ على التخصيصِ بتقدمِ الخبرِ على المبتدأ أيْ وإليكَ يعودُ السلامُ، إلى أنْ قالَ: إلا أنَّ وصفَه سبحانَه بالسلامِ لا يشبهُ أوصافَ الخلقِ فإنَّهم بصددِ الافتقارِ، فهوَ المتعالي عنْ ذلكَ فهوَ السَّلامُ الذي يعطي السَّلامةَ ويمنعُها ويبسطُها ويقبضُها ([15]). اهـ



سورة الشورى / 11.  ([1])

([2]) وليس معنى وصف هذه الآية بأنها أصرح آية في التنزيه أنها أفضل آية بل ورد في آية الكرسيّ أنها سيدة ءاي القرءان كما جاء في حديث رسول الله : ((لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ وَإِنَّ سَنَامَ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ آية الكُرْسِيِّ)) سنن الترمذي كتاب فضائل القرآن عن رسول الله باب ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسيّ

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته: “ومن وصف اللَّه بمعنى من معاني البشر فقد كفر” اهـ. ([3])

 سورة الشورى / 11.([4])

العلويات مثل ما كان في السموات والسفليات مثل ما كان في الأرض. ([5])

سلم من كل عيب كما مرَّ. ([6])

سورة الواقعة / 25 26. ([7])

 تفسير النسفي ج 4 ص 317.([8])

 سورة يونس / 25.([9])

 تفسير النسفي ج 2 ص 230.([10])

 سورة الفرقان / 63.([11])

 سورة الرعد 23 / 24.([12])

 صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. ([13])

 مسند أحمد ج 6 ص 370.([14])

 فيض القدير للمناوي ج 5 ص 111.([15]