الأحد مارس 1, 2026

اللهُ أمرَ بالتَّفكُّرِ في مصنوعاتِه

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين له النِّعمةُ ولهُ الفضلُ وله الثَّناءُ الحسَن.

صلَواتُ اللهِ البرِّ الرَّحيمِ والملائكةِ المُقَرَّبين على سيِّدِنا محمّدٍ أشرفِ المُرسلين.

أمّا بعد، فإنّ اللهَ تباركَ وتعالى أمرَ بالتّفكُرِ في مصنوعاتِه.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شىْءٍ}

هذا توْبيخٌ للكفارِ لأنّهم لمْ يتفَكَّروا في مخلوقاتِ اللهِ حتى يعرِفوا أنه موجودٌ وقادرٌ وعليمٌ وحكيمٌ، وأنَّهُ لا يَستَحقُّ أنْ يُعْبَدَ أحدٌ إلّا هو.

معنى الآية لوْ تفكّروا لَعلِمُوا أنَّ اللهَ موجودٌ وأنّهُ قادرٌ على كلِّ شىْء وأنّهُ لا يسْتَحِقُّ أنْ يُعبَدَ أحدٌ إلّا هو.

فالتفَكّرُ في مصنوعاتِ اللهِ يُؤدّي إلى زيادةِ اليَقينِ بوجودِ اللهِ وعِلْمِه وقُدرتِهِ على كلِّ شىْء. لأنّ الذي يَنظرُ إلى حالِ نفسِه وحالِ هذه الأرضِ التي يعيشُ عليها وإلى سائرِ المخلوقاتِ يزدادُ يقينًا بوجودِ اللهِ وأنّه لا يُشبِه شيئًا، لأنّه لوْ كان يُشبِهُ شيئًا ما خَلقَ هذه الأشياء.

كلُّ نوعٍ خلَقَهُ اللهُ على شكلٍ مَخْصوصٍ. خلقَ الأجسامَ الكثيفةَ وجعلَ بعضَ خَلْقِهِ مُتَحَيِّزِينَ في جهةِ فوقٍ وبعضَ خَلْقِه مُتَحَيِّزِينَ في جهةِ تحت.

فمَنْ تفكّرَ في مخلوقاتِ اللهِ يعرِفُ أنَّ خالقَ العالمِ ليسَ جسمًا كثيفًا كالإنسانِ ولا جسمًا لطيفًا كالضوءِ والرِّيح، وأنّه ليسَ مُتَحَيِّزًا في جهةِ فوق كبعضِ خلقِه، فيَفهمُ المؤمنُ المُتفَكِّرُ أنّ اللهَ ليسَ جسمًا مُتَحَيِّزًا في جهةِ فوق ولا جسمًا مُتَحَيِّزًا في جهةِ تحت.

لمّا يرى بعضَ المخلوقاتِ حجمًا كثيفًا وبعضَها حجمًا لطيفًا يعلمُ أنَّ خالِقَها لا يُشْبِهُها.

فلوْ كانَ اللهُ حجمًا لكانَ له أمْثال.

التّفكُرُ في مصْنوعاتِ اللهِ أمرٌ عظيمٌ. أمّا التّفكرُ في ذاتِ الله -أي حقيقةِ الله- فليسَ فيه خيرٌ لأنّه لا يُمكِنُ تصَوَّرُهُ في النّفسِ لأنّهُ لا شَبيهَ له.

لذلك التّفكرُ في ذاتِ اللهِ ممنوعٌ. أمّا التّفكرُ في مخلوقاتِ اللهِ فرض.

وروى أبو القاسمِ الأنصاريّ أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: “لا فِكْرةَ في الربِّ”، رواه السّيوطيّ في الدُّرِّ المنثورِ والقُرطبيُّ والفخرُ الرَّازيّ وأبو حيّان في تفاسيرِهم.

معناه لا يجوزُ التّفكُرُ في ذاتِ اللهِ لأنّهُ لا شَبيهَ له.

أمّا التّفكرُ في المخلوقاتِ واجبٌ، هذا يُقالُ له اسْتدلالٌ عقليٌّ على وجودِ اللهِ وقدرَتِه، لأنَّ الاسْتدلالَ عقليٌّ أو نقليٌّ.

ثمّ المسلمُ قدْ يُجادِلُ مَنْ لا يؤمنُ بالكتبِ السّماويةِ أو يَدَّعي أنّه يؤمنُ بالتوراةِ والإنجيلِ ولا يؤمنُ بالقرآن، فهذا كيفَ تجادِلُه إذا كنتَ لا تعرفُ الدليلَ العقليّ؟