القول الحق تكفير المجسمة فقد ثبت عن الأئمة الأربعة ذلك أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والإمام أبي الحسن الأشعري والإمام أبي منصور الماتريدي وأشدهم في ذلك مالك فقد روى عنه الإمام المجتهد ابن المنذر أنه قال على أن يستتاب أهل الأهواء فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، أهل الأهواء هم الذين ابتدعوا في الاعتقاد، المعتزلة والمشبهة المجسمة والجبرية إلى ءاخر فرقهم، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل (من قال الله جسم لا كالأجسام كفر) نقل ذلك عنه بدر الدين الزركشي وصاحب الخصال الحنبلي، وقال الشافعي (لا يكفر أهل القبلة واستثنى المجسم) قاله السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر، وقال أبو حنيفة (1) (من اعتقد حدوث صفة من صفات الله أو شك أو توقف كفر) وذلك في إحدى رسائله الخمس التي هي صحيحة النسبة إليه كما قال المحدث الحافظ محمد مرتضى الزبيدي وذلك في شرحه على إحياء علوم الدين في أوائل الجزء الثاني، قال ذلك بعد ذكر اختلاف الناس في نسبتها إليه، وقد تساهل الناس اليوم في أمر المشبهة مع أنهم يصرحون بتكفير غيرهم كائنا من كان، أعني مشبهة العصر الوهابية، وكثير منهم لأجل المال يمدحونهم وهؤلاء باعوا الآخرة بالمال وأما ما يعزى إلى ابن عبد السلام من القول من عدم تكفير الجهوية الذين يثبتون تحيز الله في جهة فوق فلا اعتداد به لأن هذا مخالف لما قاله الشافعي وعز الدين ابن عبد السلام من متأخري الشافعية، كيف لا يكفرون وهم يكفرون جميع الأمة أي من ليس منهم بل يكفرون الأشعرية والماتريدية وهم الأمة المحمدية.
فالوهابية يجسمون تجسيما صريحا وإن قالوا في بعض الحالات لله استواء على العرش بلا كيف وله وجه ويد وعين بلا كيف لكن هم يعتقدون الكيف إنما يقولون ذلك تمويها على الناس ليوهموا الناس أنهم على مذهب السلف الذين قالوا هذا القول، فبترك تحذير المشايخ منهم اتسعوا وانتشروا ثم إنه ثبت عن السلف قول (يا محمد) في حال الشدة وقد ثبت بإسناد صحيح أن الصحابة كان شعارهم في حرب المرتدين الذين قاتلوا مع مسيلمة الكذاب يا محمداه وكان أمير أولئك خالد بن الوليد رضي الله عنه، فهم كفروا السلف والخلف الصحابة ومن جاء بعدهم كيف لا يكفرون، وجسموا الله تجسيما صريحا، قال بعضهم في الحجاز (إن الله يضع قدمه في جهنم عندما تقول هل من مزيد فلا تحترق) فكيف يسكت عن تكفير هؤلاء وهم قد كفروا السلف والخلف، وقد قال مدرسهم في المدينة المنورة ثلاثة أرباع المسلمين كفار، وءاخر قال يا مسلمون لا تفسدوا حجكم بزيارة قبر محمد، وقد ثبت حديثا أن الرسول قال (ينزل عيسى ابن مريم حكما مقسطا وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه السلام) عن عطاء مولى أم حبيبة قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليهبطن عيسى بن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا أو بنيتهما وليأتين قبري حتى يسلم ولأردن عليه) رواه الحاكم.
فما أعظم فتنة المال، لأجل المال سكت خلق كثير عن التحذير منهم، الرسول عليه السلام قال (إن فتنة أمتي المال) رواه الترمذي، وقد قال بعض أئمة التابعين (إذا رأيت العالم يحب المال فاتهمه على دينك) قاله عبد الله بن محمد الهرري، هؤلاء ينطبق عليهم قول رسول الله (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم) رواه البخاري ومسلم والبيهقي والطبراني وابن ماجه وابن حبان والبزار.
فالخلاصة أن كل كتاب أو موضع ذكر فيه أن المجسم مختلف في تكفيره فهذا غير صحيح وهو تعبير ظاهره باطل فقد قال شيخ جامع الزيتونة سيدي إبراهيم المارغني التونسي الأشعري المالكي في كتابه طالع البشرى على العقيدة الصغرى (ويسمى الاعتقاد الفاسد كاعتقاد قدم العالم أو تعدد الإله أو أن الله تعالى جسم وصاحب هذا الاعتقاد مجمع على كفره) انتهى، لاحظوا كيف دل أن الإجماع منعقد على كفر من نسب الجسم إلى الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون لتعلموا أن الحكم بالكفر على المجسمة إجماعي أي بإجماع علماء أمة محمد بإجماع المعتبرين من العلماء وما خالف الإجماع فهو ضلال بلا شك لأن أمتنا معصومة أن تجتمع على ضلالة والحمد لله.
الإمام الشافعي رضي الله عنه قال (المجسم كافر) ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر ص 488 من طبعة دار الكتب العلمية والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال (من قال الله جسم لا كالأجسام كفر) ذكره صاحب الخصال من الحنابلة وكذلك الإمام مالك رضي الله عنه كفر المجسم وكذلك الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه.
قال ابن حجر الهيتمي في كتابه المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك) وقال محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي في كتابه مختصر الإفادات ص 490 (ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شىء فمن شبهه بشىء من خلقه فقد كفر كمن اعتقده جسما أو قال إنه جسم لا كالأجسام). انتهى
(1) قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأكبر (وصفاته تعالى في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، ومن قال إنها محدثة أو مخلوقة أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى).