السبت فبراير 28, 2026

القصة التي حدثَتْ مع سيِّدِنا عليّ رضيَ اللهُ عنهُ

روَى الغَزالِيُّ وغيْرُهُ أنَّ سيِّدَنا عليًّا رضيَ اللهُ عنهُ أميرَ المؤمنين دخلَ ذاتَ يوْمٍ المَقابِر فقال: “السّلامُ عليكم دارَ قوْمٍ مُؤْمِنين أنتُم السّابِقونَ ونحنُ في الأثَرِ” أو نقولُ “ونحنُ اللاحِقون”، في العادةِ الواحِدُ منّا لا يَسْمَعُ ردَّ السَّلام منْ أهلِ القُبورِ ولكنّهمْ همْ يَسْمَعونَ إلْقاءَ السّلامِ مِنّا ونحنُ في العادةِ لا نَسْمَعُ الردّ لكنَّ اللهَ خرَقَ العادةَ لِسَيِّدِنا عليّ وسَمِعَ بعضَ الأمواتِ يقولُ لهُ: “وعليكمُ السّلامُ يا أميرَ المؤمِنين” فقالَ لهُ سيِّدُنا عليّ رضيَ اللهُ عنهُ: “أخْبارُنا أمْ أخْبارُكُمْ؟ (تسمَعُ منّا أمْ نسْمَعُ منكُم؟) فقال له: “بلْ أخْبارُكُمْ يا أميرَ المؤمِنين”، فقالَ سيِّدُنا عليّ: “أمّا أزواجُكُمْ فقدْ تَزَوَّجوا مِنْ بَعْدِكُمْ (أيْ مِنْ حَيْثُ الغالِب)، وأمّا أوْلادُكُمْ حُشِروا في زُمْرَةِ الأيْتامِ (أي إنْ كانوا صِغارًا صاروا أيْتامًا) وبُيوتُكُم التي بَنَيْتُموها سَكَنَها غيرُكُمْ ومِنْهُمْ مَنْ لا تُحِبّونَ، وأموالُكُم التي جَمَعْتُموها تقاسَمَها الورَثة ومنهُمْ مِنْ أعدائِكُمْ (سبحانَ اللهِ هذه حالُ الدّنيا)، فقال سيِّدُنا عليّ: “وأنتمْ ما أخْبارُ ما عِنْدَكُمْ؟ فقال له: ” أمّا نحنُ فقدْ تَقَطَّعَتِ الأكْفان وسالَتِ العُيونُ على الخُدودِ، وأكلَ الجسَدَ الدّود وكلُّنا مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، (بماذا؟ بِعَمَلِه، إمّا فائزٌ إلى الجنّة وإمّا مُعَذّبٌ في النّار، اللهُ يُجِيرُنا منَ النّار). يقولُ اللهُ تعالى في القرءانِ الكَريم: { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ • وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }. فالنّاسُ فَريقان وهذا القبر صُنْدوقُ العَمل، هذا القبْرُ إمّا أنْ يُوَسَّع وإمّا أنْ يُضَيَّق، هذا القبر ما تَعْمَلُهُ في الدُّنْيا تَجِدُهُ فيهِ وفي الآخرة، لذلك هذا البيتُ الحَقيقيُّ، الذَّكِيُّ الذي يَبْنِي قَبْرَهُ قبلَ قصْرِهِ، الذي يَبْنِي هذا المكان الذي سيكونُ فيهِ وَحيدًا فَرِيدًا ليسَ معهُ أحَدٌ إلّا العمل، فهذا العمَلُ الصّالِحُ يُؤْنِسُكَ في القبرِ. وأمّا إنْ كانَ الشخصُ عمَلُهُ غيرَ صالِحٍ فنَسْألُ اللهَ تعالى السّلامةَ، فإنَّ القبرَ إمّا أنْ يكونَ روْضَةً مِنْ رِياضِ الجَنّة وإمّا أنْ يكونَ حُفرَةً مِنْ حُفَرِ النّيران.

فهذا سيِّدُنا ثابتٌ البُنانِيّ أحدُ التّابِعينَ تِلميذُ أنس بن مالِكٍ رضيَ اللهُ عنهُ الذي كانَ خادِمًا لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم بعدَ دَفْنِهِ انْهَدَمَ الجِدار الذي كانَ في لَحْدِهِ في قبْرِهِ، فرَآهُ هؤلاءِ الذينَ وضَعوهُ بِأنَّهُ كانَ قائِمًا يُصَلّي، فذَهَبوا إلى ابْنَتِهِ وسألوها عنْ حالِهِ، فقالَتْ لهم: إنّهُ كانَ يقومُ الليل مِنْ عشَراتِ السِّنين ويدْعُو اللهَ تبارَكَ وتعالى أنَّك إنْ أعْطَيْتَ أحَدًا غيرَ الأنبياءِ أنْ يُصَلِّيَ في قبْرِهِ فاجْعَلْني منْهُم، فأعْطاهُ اللهُ ذلك، كانَ قبرُهُ مُنَوَّرًا.

وكذلك العَلاءُ بنُ الحَضْرَمِيّ الصّحابيّ الجَليل الذي قُتِلَ في أرضٍ ودَفَنَهُ أصحابُهُ، وهذا المكان الذي دُفِنَ فيه كانَ يَكْثُرُ فيهِ السِّباع، فقالَ لهمْ بعضُ أهلِ النّاحية: ما جزاءُ صاحِبِكُمْ أنْ يُدْفَنَ هنا؟ لوْ تُغَيِّروا لهُ قبرَه لأنّها أرضٌ مُسْبِعَة (أي تَأكُلُهُ السِّباع)، فحَفَروا لِتَغْيِيرِ قبْرِهِ فلَمْ يَجِدُوه ووَجَدوا أنَّ قبْرَهُ قدْ وُسِّعَ على مَدِّ البصَرِ وفيهِ الأنوار تتَلاطَمُ وَمُلِىءَ خُضْرَةً، هذا الوَليُّ الصّالحُ المُجاهدُ الذي كانَ مِنْ صحابةِ رسولِ اللهِ وكانَ منَ الأولياءِ الكِرامِ أكْرَمَهُ اللهُ بِكراماتٍ ومنْها هذا أنّهُ وُسِّعَ عليهِ في القبر. وأمّا أنّهمْ لمْ يَجِدوهُ فيَحْتَمِلُ أنّهُ نُقِلَ إلى البَقيعِ، لأنَّ البَقيعَ بعضُ الصّالِحين رأى نُوقًا تدخُلُ إليها مُحَمَّلة وتَخْرُجُ منَ المدينةِ مُحَمَّلة لأنَّ المَدينةَ تَنْفِي خَبَثَها كمَا يَنَفي الكِير زُبُرَ الحَديدِ (يعني إنْ ماتَ فيها كافرٌ ودُفِنَ فيها الملائكةُ تُخْرِجُهُ) وبعضُ الصّالِحينَ يَموتُ خارِجَ المدينَةِ اللهُ يُكْرِمُهُ فَيُنْقَلُ إلى المدينةِ.

وكانَ العلماءُ والأولياءُ منَ الصّحابةِ إلى أيّامِنا يَدْعُون “اللهُمَّ اجْعَلْ تُرْبَتَنا البَقيع” لماذا؟ لأنَّ هؤلاء أهل البَقيع همْ أوّل مَنْ تَنْشَقُّ عنهمُ الأرضُ بعدَ الأنبياء، همْ وأهلُ مكّة والطائف يُحْشَرونَ معَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم.