السبت فبراير 14, 2026

القرضاوي يكفر المسلم الذي لا يطعم المسكين ويرى أن ترك الحض على إطعامه من لوازم الكفر والتكذيب بيوم الدين  ويكفر الشحيح

– القسم الأول –

يقول القرضاوي في كتابه المسمى «العبادة في الإسلام» (ص255): «ولم تر الدنيا كتابا كالقرءان يجعل إهمال الحث على العناية بالمسكين من موجبات الجحيم والعذاب الأليم».اهـ. ويقول أيضا في (ص254): «فهنا كان ترك إطعام المسكين من موجبات الخلود في سقر بل يزيد على ذلك فيجعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه ورعايته ويجعل ترك هذا الحض من لوازم الكفر بالله والتكذيب بيوم الدين».اهـ. ويقول أيضا: «فقهر اليتيم وإهمال الحث على رعاية المسكين جعلا دليلا على أن القلب خلو من الإيمان بالآخرة والتصديق بالجزاء وما كان لمثل هذا الشخص من صلاة فهي صلاة الساهين والمرائين».اهـ.

وقال في كتابه المسمى «في فقه الأولويات» (154): «ولا يجتمع الشح مع معرفة الله أبدا فإن المانع من الإنفاق والجود: خوف الفقر وهو جهل الله وعدم وثوق بوعده وضمانه ومن هنا نفى الحديث اجتماع الشح والإيمان في قلب الإنسان فكلاهما يطرد الآخر».اهـ.

الرد:

إن القرضاوي أخذ هذا الكلام بزعمه من قوله تعالى: {ما سلككم في سقر (٤٢) قالوا لم نك من المصلين (٤٣) ولم نك نطعم المسكين (٤٤) وكنا نخوض مع الخائضين (٤٥) وكنا نكذب بيوم الدين (٤٦)} [سورة المدثر: 42 – 46].

فمن شدة جهله وإعجابه بنفسه فسر القرءان على هواه مع العلم أن هذه الآية نزلت في الكافرين بدليل قوله: {وكنا نكذب بيوم الدين} [سورة المدثر: 46].

فمن المعلوم أن الكافر لا يعذب على كفره فحسب؛ بل يعذب على الزنى وشرب الخمر وسائر الكبائر والصغائر التي يرتكبها وكذلك يعذب على ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج مع العلم أنه لو فعلها حال الكفر ما صحت منه؛ لأنه ليس على الإيمان إنما كان فرضا عليه أن يسلم ثم يؤديها حتى تصح منه فهذا الكافر لم يعذب فقط على كفره؛ بل وعلى ترك إطعام المسكين وعلى ترك الصلاة وعلى خوضه في الباطل مع الخائضين.

فالبخل والشح المحرمان المذمومان هو أن يترك الشخص ما وجب عليه دفعه كالزكاة، والشح البخل الشديد.

وأما احتجاجه بظواهر الأحاديث فهذا دليل جهل وقلة تحقيق وإلا فما معنى: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»… الحديث فهل أحد قال بأن معناه هو كافر إن لم يفعله وكذلك قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فلم يقل إمام قط أن الزنى يخرج من الإسلام إنما تفسير هذين الحديثين ونحوهما أن من يفعل ذلك لا يكون كامل الإيمان والقرضاوي في مسألة التكفير هذه إما أنه يأخذ بظواهر الأحاديث والآيات وهذا يلزم منه التناقض في النصوص وهذا محال وإما أنه على مذهب الخوارج الذين يكفرون أصحاب الكبائر.

 

القرضاوي يكفر من خاف غير الله فينسبه للشرك

– القسم الثاني –

يقول القرضاوي في كتابه المسمى «الإيمان والحياة» (ص238): «إن من يخشى غير الله فهو مشرك وجاعل غيره أهلا للخوف والطاعة وهذا ما لا يجتمع مع التوحيد أبدا».اهـ.

الرد:

هذا الإطلاق فاسد؛ لأن الخشية من غير الله نوعان: خشية على اعتقاد أن له حق الألوهية كخشية عباد الأوثان لأوثانهم، والأخرى هي الخشية من مخلوق من ضرره من غير اعتقاد أنه يستحق التذلل له كالتذلل لله، وهذا لا ينافي الإيمان والتوحيد، والآيات في هذا كثيرة وعبارة العلماء والفقهاء طافحة بذلك.

فمن يجعل مطلق الخشية كفرا فهو الكافر؛ لأنه كفر الأمة.

ومن جملة عبارة الفقهاء في كتب المذاهب الأربعة أن المسلمين يجوز لهم ترك التمادي في قتال الكفار في الحرب إذا خشوا أن يصطلموا ولو بدفع مال لهم، ومثل هذا كثير في عبارتهم.

فهذا القائل بالإطلاق أي بأن الخشية من غير الله كفر بدون تفصيل فقد شرع شرعا جديدا لم ينزل له به من سلطان.

ثم إن القرضاوي بهذه الفتوى الخبيثة يكفر سيدنا زكريا u الذي قال الله حاكيا عنه: {وإني خفت الموالي من ورائي} [سورة مريم: 5].

وفيه تكفير لسيدنا موسى u قال تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم} [سورة الشعراء: 21]، وقال: {فخرج منها خائفا يترقب} [سورة القصص: 21]، وقال عن موسى وهارون {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} [سورة طه: 45].

وتكفير لسيدنا داود u قال تعالى: {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف} [سورة ص: 22].

وتكفير لسيدنا إبراهيم u قال تعالى: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف} [سورة الذاريات: 28].

وتكفير لصحابة رسول الله ﷺ قال تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم} [سورة الأنفال: 26].

وقال أيضا: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [سورة الأحزاب: 10، 11].

 

القرضاوي  يجعل من طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد منحرفا عن الإسلام

– القسم الثالث –

يقول القرضاوي في كتابه المسمى «الحلال والحرام» عن الطلاق الثلاث بلفظ واحد ما نصه([1]): «نرى أن المسلم الذي يجمع هذه المرات الثلاث في مرة واحدة أو لفظة واحدة قد ضاد الله فيما شرعه وانحرف عن صراط الإسلام المستقيم».اهـ.

الرد:

إن القرضاوي يكفر المطلق ثلاثا بلفظ واحد فيتهمه بأنه ضاد الله فيما شرعه وهذه لفظة لا يوصف بها إلا كافر وهذا الكلام مردود ولا دليل له مطلقا حتى المسلم العاصي لا يقال عنه هذه الألفاظ ولا يجوز أن يوصف بهذه النعوت.

أما قول القرضاوي في مكان ءاخر إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة فهذا شذوذ ذكرنا الرد عليه بالتفصيل في بحث خاص بالطلاق في هذا الكتاب.

 

القرضاوي يكفر الزاهد في الدنيا ويعتبر الزهد أمرا مذموما

– القسم الرابع –

– يقول في كتابه المسمى «العبادة في الإسلام» ما نصه([2]): «ثم هو يشعرنا – أي: القرءان – أن إهمال الدنيا وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة إنما هو أمر مذموم خارج عن سنة الفطرة وصراط الدين معا».اهـ.

الرد:

وهكذا نجد القرضاوي يتمادى في ذم المسملين وتكفيرهم ليس في مسائل الكبائر والصغائر فحسب؛ بل في ما يتميزون به من فضائل ومحامد ومناقب.

فها هو يدعي أن القرءان يشعرنا أن إهمال الدنيا وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة يزعم: – أنه مذموم. – وخارج عن صراط الدين.

وهذا الكلام تكذيب لقوله ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» رواه ابن ماجه وغيره([3]).

أليس هذا تكفيرا لأهل الصفة الذين كان لا مأوى لهم ولا كافية وكان مأواهم المسجد؟

أليس هذا الكلام تكفيرا لسيدنا عيسى ابن مريم الذي لم يكن له بيت؛ بل كان ينام حيث يدركه المبيت وكان يأكل من بقول الأرض؟

ألم تسمع يا قرضاوي بحديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري([4]): «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم».

ألم تقرأ حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري([5]) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».

وأخيرا: إذا أسقط طالب الآخرة حساب الدنيا وشأنها وأهملها ولم يلتفت إليها من غير أن يقصر بنفقة واجبة ومن غير أن ينبني على ذلك مفسدة فلم يكون هذا الأمر مذموما وخارجا عن سنن الفطرة وصراط الدين معا كما زعم القرضاوي.

وقد رغب الرسول ﷺ في الزهد ترغيبا بالغا وحض على ترك التنعم فقال لمعاذ بن جبل([6]): «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين»، معناه: عباد الله الصالحون من شأنهم ترك التنعم كما كان الأنبياء على هذه السيرة.

وأما هؤلاء القرضاوي وجماعته الإخوانية والوهابية فشأنهم التنعم، أي: الاسترسال في ملذات الطعام والشراب ومفاخر الثياب والأثاث ونحو ذلك.

ثم ألم تعلم أن البخاري عنون لأحد أبواب الصحيح بقوله: (باب فضل الفقر).

 

القرضاوي يرى في الطلاق ءاراء ما أنزل الله بها من سلطان فيكفر من طلق ثلاثا بلفظ واحد ويرى أن طلاق الحائض لا يقع

– القسم الخامس –

فيقول في كتابه المسمى «الحلال والحرام» (ص200) عن الطلاق: «نرى أن المسلم الذي يجمع هذه المرات الثلاث في مرة واحدة أو لفظة واحدة قد ضاد الله فيما شرعه وانحرف عن صراط الإسلام المستقيم».اهـ.

وقال في المصدر نفسه عن طلاق الحائض (ص198): «وقال طائفة من الفقهاء لا يقع؛ لأنه طلاق لم يشرعه الله تعالى البتة ولا أذن فيه فليس من شرعه فكيف يقال بنفوذه وصحته».اهـ.

وقال في حلقته الشهيرة عما يسمى بالعلاقات الجنسية بين الزوجين قال جوابا على سؤال: هل هناك حكم في الشرع أنه إذا أتى الزوج زوجته من دبرها تصبح طالقا؟ قال القرضاوي: «لا، لا تصبح طالقا، ولكن هناك بعض الفقهاء قالوا: إن من حق القاضي إذا عرف أن زوجين يفعلان ذلك يطلق المرأة».اهـ.

وفي مجلة المجلة بتاريخ 7/2/98: «سئل الشيخ من أحد عدول المغرب، وهو موظف توثيق عقود الزواج والطلاق، سئل عن شرعية حكم بالطلاق أصدرته محكمة ألمانية لصالح زوجة أحد المسلمين أجاب الشيخ: إن الحكم صحيح ويعتد به؛ لأن الزواج قد يكون مضارا للزوجة».اهـ.

الرد:

إن القرضاوي يعتبر أن من طلق ثلاثا بلفظ واحد قد ضاد الله وانحرف عن صراط الإسلام المستقيم وهذا التكفير للمطلق بالثلاث ما سبق به القرضاوي أبدا وهذا دأبه في تكفير المسلمين.

وأما نقله عن بعض الفقهاء أن القاضي إذا بلغه أن رجلا يأتي امرأته في دبرها فله أن يطلقها، أي: القاضي فهذا هراء وافتراء ما قاله إلا القرضاوي ولم يقل به إمام معتبر.

وأما إفتاؤه أن قاضيا غير مسلم حكم بالطلاق لامرأة فاعتبر القرضاوي أن هذا الطلاق صحيح؛ لأنه قد يكون مضارا للزوجة. وهنا لنا سؤال ومن أين للقاضي المسلم فضلا عن غير المسلم أن يطلق امرأة من زوجها لمجرد أنها أصابها ضرر منه، نعم القاضي له أن يفسخ في بعض الأحيان العقد لاعتبارات شرعية دقيقة ونادرة ولا يقوم بهذا العمل بين المسلمين إلا القاضي المسلم الفقيه الذي يعرف الأحكام الشرعية فيفسخ على أساسها.

أما قول القرضاوي نقلا عن ابن تيمية إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع واحدا فيقول ابن تيمية في فتاويه عند الكلام على من أوقع طلاقا ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات ما نصه([7]): «الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة».اهـ. ثم يقول بعد ذلك: «والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة».اهـ. ويقول فيه ما نصه([8]): «وكذلك إذا طلقها ثلاثا بكلمة أو كلمات في طهر واحد فهو محرم عند جمهور العلماء، وتنازعوا فيما يقع بها، فقيل: يقع بها الثلاث، وقيل: لا يقع بها إلا طلقة واحدة، وهذا هو الأظهر الذي يدل عليه الكتاب والسنة».اهـ. ثم قال: إنه ليس في الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له([9]).

وأخيرا: نلاحظ أن ابن تيمية لم يقل أن من طلق ثلاثا بلفظ واحد فقد ضاد الله فيما شرعه وانحرف عن صراطه المستقيم فيمن أين أتى القرضاوي بهذا؟…

ويقول القرضاوي فيه عن الطلاق المعلق ما نصه([10]): «حكمة حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء».اهـ.

ويقول فيه أيضا عن طلاق الحائض ما نصه([11]): «وفي وقوعه قولان للعلماء، والأظهر أنه لا يقع».اهـ، وفي موضع يقول([12]): «والأظهر أنه لا يلزم».اهـ.

الرد:

المشهور عن ابن تيمية القول بأنه يقع واحدة، ويحكي على ذلك الإجماع، وقد علم أهل العلم أن الإجماع من عهد عمر إلى زمانه منعقد على خلافه قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعدما ذكر أجوبة العلماء عن الحديث الذي تمسك بظاهره ابن تيمية، وبعدما حكى خلافا عن بعض الناس قال في ءاخر البحث([13]): «وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق».اهـ.

أما تعلق ابن تيمية لمسئلة الطلاق الثلاث بما رواه مسلم([14]) عن عبد الله بن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم».

فالجواب: هذا الحديث لا يجوز العمل بظاهره، والجواب عنه: إما أن يقال: إنه ضعيف بالشذوذ كما حكم الإمام أحمد بن حنبل عليه، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في رده على من جعل الثلاث بلفظ واحد واحدا، وبمخالفته لما ثبت عن عبد الله بن عباس أنه أفتى فيمن طلق بالثلاث دفعة واحدة بأنه ثلاث، وقد تواتر ذلك عن ابن عباس، فقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى بأسانيده عن ثمانية من ثقات تلاميذه أنه افتى بذلك([15]).

وإما أن يقال: إنه مؤول بأن معنى «كان الطلاق طلاق الثلاث واحدة» أن البتة كانت تستعمل للطلاق الواحد للتأكيد، ثم صار الناس يستعملونها في أثناء خلافة عمر بقصد الثلاث فأجرى عليهم عمر الحكم على موجب قصدهم، وبيان ذلك أن قول الناس أنت طالق البتة كانت تستعمل في أول الأمر بنية تأكيد الطلقة الواحدة ثم اشتهرت للطلاق الثلاث، لذلك اختلف فيها مذاهب الأئمة، فكان منهم من يجعل البتة للثلاث، وكذلك أنت حرام علي وأنت بائن، ومنهم: من يجعلها على حسب القصد، ويدل لذلك أن في بعض نسخ صحيح مسلم: «كانت البتة في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة»، كما ذكر ذلك الحافظ أبو بكر بن العربي في كتابه «القبس في شرح موطأ مالك بن أنس»([16]).

وأما أن يعارض هذا الحديث بالإجماع المنعقد على أن الثلاث بلفظ واحد ثلاث في عهد عمر، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ءاخر بحث له واسع في هذه المسألة أي مسألة جمع الثلاث في شرحه على البخاري فقال ما نصه([17]): «فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق».اهـ. وأما ما نقله الحافظ ابن حجر أن ذلك روى عن علي وغيره فلم يذكره الحافظ بصيغة الجزم، إنما مراده أن بعض الناس نقل ذلك عن علي وغيره، فلا يناقض ما قرره من الإجماع ءاخر المبحث في ذلك الشرح، فإنه لو كان عنده ثابتا ذلك النقل عن علي ومن ذكر معه لم يختم المبحث بقوله: «المسألة إجماعية».

قال الحافظ تقي الدين السبكي في كتابه «الدرة المضية»([18]) في الرد على ابن تيمية ما نصه: «وكذلك حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة فلما رءاهم عمر قد تتابعوا فيه قال: أجيزوهن عليهم». وهذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع ومحمول عند العلماء على معان صحيحة، وقد صحت الرواية عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة».اهـ.

وفي مسائل الإمام أحمد بن حنبل t ما نصه([19]): «سألته – يعني: لأحمد بن حنبل – عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، قال: إذا أراد أن يفهمها طلاقها فهي واحدة، وإن كان نوى ثنتين فثنتان، وإن كان نوى ثلاثا فثلاث».اهـ.

ولم يثبت عن أحد من مجتهدي أهل السنة الخلاف في هذه المسألة حتى إن ابن تيمية الذي أحيا هذا الخلاف كان صرح قبل ذلك بأن هذه المسألة إجماعية وقال: إن من خالف فيها كافر، نقل ذلك عنه الحافظ أبو سعيد العلائي.

قال الشيخ أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على الجلالين عند قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية [سورة البقرة: 230] ما نصه([20]): «أي: طلقة ثالثة سواء وقعت الاثنتان في مرة أو مرتين، والمعنى فإن ثبت طلاقها ثلاثا في مرة أو مرات فلا تحل، كما إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا أو البتة، وهذا هو المجمع عليه. وأما القول بأن الطلاق الثلاث في مرة واحدة لا يقع إلا طلقة فلم يعرف إلا لابن تيمية من الحنابلة، وقد رد عليه أئمة مذهبه حتى قال العلماء: إنه الضال المضل، ونسبتها للإمام أشهب من أئمة المالكية باطلة».اهـ.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه «بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة» ما نصه: «اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد، وعن الأعمش أنه قال([21]): كان بالكوفة شيخ يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد ترد إلى واحدة، والناس عنق واحد إلى ذلك يأتون ويستمعون منه، فأتيته وقلت له: أهل سمعت علي بن أبي طالب يقول؟ قال: سمعت يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنها ترد إلى واحدة، فقلت: أين سمعت هذا من علي؟ فقال: أخرج إليك كتابي، فأخرج كتابه، فإذا فيه بسم الله الرحمـٰن الرحيم هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قلت: ويحك هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك».اهـ. ثم ساق ابن رجل حديث الحسن بن علي لما طلق زوجته أنه قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ جدي، أو سمعت أبي يحدث عن جدي ﷺ أنه قال: «إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا عند الأقراء أو طلقها ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره»؛ لراجعتها وقال: «إسناده صحيح».اهـ.

وقال الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه الإجماع ما نصه([22]): «وأجمعوا على أنه إن قال لها: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، أنها تطليقتين.

وأجمعوا على أنه إن قال لها: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنها تطلق ثلاثا».اهـ.

وقال في كتابه «الإشراف» ما نصه([23]): «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من طلق زوجته أكثر من ثلاث، أن ثلاثا منها تحرمها عليه».اهـ.

وقال أبو الوليد محمد بن رشد في كتابه «المقدمات» بعد أن ذكر أن من طلق زوجته ثلاثا في كلمة واحدة وقع ثلاثا ما نصه([24]): «وهو مذهب جميع الفقهاء وعامة العلماء، لا يشذ في ذلك عنهم إلا من لا يعتد بخلافه منهم».اهـ.

وذكر الإمام المجتهد محمد بن الحسن الشيباني قول ابن عباس t لما أتاه رجل فقال: إني طلقت امرأتي ثلاثا، فقال ابن عباس: «يذهب أحدكم فيتلطخ بالنتن ثم يأتينا، اذهب فقد عصيت ربك، وقد حرمت عليك امرأتك، لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك» قال محمد بن الحسن عقبه([25]): «وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقول العامة لا اختلاف فيه».اهـ.

وقال القاضي أبو الوليد الباجي المالكي في «شرحه على الموطأ» ما نصه([26]): «فرع: إذا ثبت ذلك فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة من الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظاهر لا يلزمه شيء، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحـٰق. والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة؛ لأن هذا مروي عن ابن عمرو عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة y، ولا مخالف لهم».اهـ.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ما نصه([27]): «وعن ابن بطة أنه قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إذا كان قد تأول فيه تأويلا، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال».اهـ.

وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي الحنبلي ما نصه([28]): «وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله – يعني: الإمام أحمد بن حنبل – عن حديث ابن عباس: بأي شيء تدفعه فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث».اهـ.

وأخرج البيهقي([29]) عن مسلمة بن جعفر أنه قال لجعفر بن محمد الصادق: إن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة، ويجعلونها واحدة يروونها عنكم، قال: معاذ الله، ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثا فهو كما قال.

وأما قول القرضاوي: إن طلاق الحائض لا يقع فهذه من ابن تيمية أيضا وهو مردود أيضا، فإن البخاري بوب في صحيحه([30]): «باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق». وأكثر تمسك لهم حديث ابن عمر t أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي ﷺ أن يراجعها، وقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري فذكر فيه ما نصه([31]): «وأجاب – أي: النووي – عن ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة فحمل المراجعة على معناها اللغوي، وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية اتفاقا، وأجاب عن قول ابن عمر «حسبت علي بتطليقة» بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ، وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: «أمرنا في عهد رسول الله ﷺ بكذا» فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ وهو النبي ﷺ، كذا قال بعض الشراح، وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي أمرنا بكذا فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع النبي ﷺ على ذلك ليس صريحا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه، فإن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيدا جدا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئا برأيه وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟! وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعا أخبره «أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر» قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ: «وهي واحدة» قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالما يحدث عن أبيه، عن النبي ﷺ بذلك، وأخرجه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب وابن إسحـٰق جميعا عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «هي واحدة»، وهذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه. وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله: «هي واحدة» لعله ليس من كلام النبي ﷺ، فألزمه بأنه نقض أصله؛ لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدارقطني في رواية شعبة عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصة: «فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: «نعم»، ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمـٰن الجمحي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رجلا قال: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض، فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. قال فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم يبق ما ترتجع به امرأتك» وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي.

وقد روى البيهقي في السنن([32]) أن رجلا أتى عمر t فقال: «إني طلقت امرأتي، يعني: البتة وهي حائض، قال: عصيت ربك وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر رضي الله عنهما حين فارق امرأته أن يراجعها فقال له عمر t: إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجع امرأته لطلاق بقي له، وإنه لم يبق لك ما ترتجع به امرأتك».

وقال الشافعي رحمه الله([33]): «بين يعني في حديث ابن عمر أن الطلاق يقع على الحائض؛ لأنه إنما يؤمر بالمراجعة من لزمه الطلاق، فأما من لم يلزمه الطلاق فهو بحاله قبل الطلاق».اهـ.

قال الحافظ الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه([34]): «إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق، أجمع على ذلك أئمة الفتوى».اهـ.

 

القرضاوي يزعم أن من أدى الشعائر ولبس الحرير الخالص وتحلى بالذهب وتشبه بالنساء ليس عابدا لله

– القسم السادس –

يقول القرضاوي في كتابه المسمى «العبادة في الإسلام» (ص54): «ليس بعابد لله من أدى الشعائر ولكنه لم يخضع لآداب الإسلام وتقاليده في نفسه وأهله كالرجل الذي يلبس الحرير الخالص ويتحلى بالذهب ويتشبه بالنساء والمرأة التي تلبس ما يبرز مفاتنها ولا يغطي جسدها ولا تضرب بخمارها على جيبها».اهـ.

الرد:

من أين للقرضاوي أن يقول عن مؤمن أدى الشعائر بأنه ليس بعابد لله إذا ارتكب صغائر أو كبائر دون الكفر؟!

من قال: إن من يتحلى بالذهب من الرجال هو كافر غيرك، من قال: إن من يلبس الحرير الخالص من الرجال هو كافر غيرك، من قال عن المتشبه بالنساء من الرجال هو كافر غيرك، من كفر المرأة التي تبرز مفاتنها غيرك أنت يا من تجدد مذهب الخوارج؟

كان عليك أن تقول: إن من أدى الشعائر من المؤمنين هذا عابد لله ولكنه عصى الله بلبسه للحرير وتشبهه بالنساء ولبسه للذهب والمرأة عصت الله؛ لأنها أبرزت مفاتنها ولكن لا يجوز أن تخرج كلا من الإسلام بسبب هذه الأفعال.

مذهب أهل الحق قاطبة أن من مات على حال ارتكاب الكبائر من غير توبة فهو مؤمن تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ولكن لو عذبه لا يخلد في نار جهنم ولا بد أن يدخل الجنة.

 

القرضاوي يكفر من لم يدفع الزكاة إطلاقا

– القسم السابع –

– يقول في كتابه المسمى «مشكلة الفقر» في (ص69 و71): «فلا يتحقق لكافر الدخول في جماعة المسلمين وتثبت له أخوتهم الدينية التي تجعله فردا منهم له ما لهم وعليه ما عليهم وتربطه بهم رباطا لا تنفصم عراه إلا بالتوبة عن الشرك وتوابعه وإقامة الصلاة التي هي الرابطة الدينية الاجتماعية بين المسلمين».اهـ. إلى أن قال: «وبدون الزكاة لا يفارق المشركين الذين وصفهم القرءان بقوله: {وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} [سورة فصلت: 6، 7]».اهـ.

الرد:

إن القرضاوي متأثر بفكر الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة من جهة ومن جهة أخرى يصدق به كلام ابن عمر عن الخوارج بأنهم عمدوا إلى ءايات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين رواه البخاري.

فمن المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا يكفر مرتكب الكبيرة إلا إذا استحلها، ولا يكفر تارك الفريضة إلا إذا جحدها أو استخف بها فمن أين للقرضاوي أن يكفر المسلمين ويصفهم بأنهم مشركون مع العلم أن الآية نزلت في المشركين ومن المعلوم أن الكفار يعذبون بالنار لكفرهم ويعذبون على فعل المعاصي الأخرى وعلى ترك الفرائض مع أنهم لو فعلوها ما صحت منهم بسبب كفرهم كما بينا في بحث سابق عن هذا الموضوع في هذا الكتاب.

 

القرضاوي يكفر المسلمين ويتهمهم بأنهم ظلموا العبادة

– القسم الثامن –

  • فيقول في كتابه المسمى «العبادة في الإسلام» (ص8): «بيد أن الناس حتى المسلمين أنفسهم ظلموا «العبادة» وحرفوها عن وجهها وعن حقيقتها وعن مكانها فهما وأسلوبا ونظرا وتطبيقا».اهـ. إلى أن يقول: «ووجدنا من الناس من ءامنوا بقيمة العبادة ومنزلتها ولكنهم وجوها لغير مستحقها لغير الرب الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فاتخذوا مع الله أو من دونه ءالهة أخرى أو اتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله حتى رأينا في المتأخرين من المسلمين أيضا لوثه من هذا الضلال فمنهم: من يعظم غير الله أو يقدس غير الله أو ينذر لغير الله أو يذبح لغير الله أو يطيع طاعة مطلقة غير الله».اهـ.

ويقول في جريدة اللواء بتاريخ 26/10/98: «حينما كان المسلمون مسلمين».اهـ.

الرد:

إن القرضاوي لم يترب على أيدي العلماء؛ بل تربى بمدرسة حزبية وقد ظهر ذلك جليا في كتاباته وتصرفاته التي لا تتم عن فهم وإدراك لمعاني الألفاظ ومدلولاتها التي يخوض بها من غير معرفة وعلم، حتى وصل به الأمر إلى ذم المسلمين وتكفيرهم ونعتهم بأقبح النعوت فكيف يجيز لنفسه أن يتهم المسلمين بأنهم ظلموا العبادة وحرفوها.

نعم هناك من حرف العبادة وحرفها عن مسارها الصحيح بسلوكه السيء وهناك من حرف العقيدة والعبادة معا؛ كالقرضاوي ولكن ينبغي أن يفهم أن هذا الفعل ينبغي أن لا يلصق بالمسلمين إنما يلصق بأناس ءاخرين يطلق عليهم نعوت المرتدين أو أدعياء المسلمين أو نحو ذلك؛ لأن لفظ المسلم لا يطلق شرعا وعرفا إلا على المسلم سواء كان وليا أو نبيا أو مسلما عاصيا فطالما أنه لم يخرج عن دائرة الإسلام ولم يكفر يسمى مسلما مع العلم أن من المسلمين من هم كاملو الإيمان؛ كالأنبياء والأولياء، ومنهم: ناقصو الإيمان؛ كعصاة المسلمين الذين يتلوثون بالخطايا، ولكن رغم ذلك لا يخرجون من دائرة الإيمان والإسلام؛ لأن الإيمان والإسلام متلازمان فهما كالظهر مع البطن كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله.

 

القرضاوي يزعم أن الإسلام قد ذم الفقر مطلقا وزعم أن الفقير الذي لا يصبر كافر

– القسم التاسع –

  • يقول القرضاوي في جريدة اللواء([35]) (ص15) في 3 تموز 96: «وليس في مدح الفقر ءاية واحدة من كتاب الله ولا حديث واحد يصح عن رسول الله».اهـ.
  • وفي جريدة اللواء العدد نفسه قال نقلا «كاذبا» عن ذي النون المصري أنه قال: «أكفر الناس ذو فاقة لا صبر له وقل في الناس الصابر».اهـ.
  • ويقول في جريدة اللواء أيضا العدد نفسه: «لا شك أن الفقر من أخطر الآفات على العقيدة الدينية وبخاصة الفقر المدقع الذي يجانبه ثراء فاحش وبالأخص إذا كان الفقير هو الساعي الكادح والمترف هو المتبطل القاعد. الفقر حينئذ مدعاة للشك في حكمة التنظيم الإلهي للكون وللارتياب في عدالة التوزيع الإلـٰهي للرزق».اهـ.
  • ويقول في كتابه المسمى «مشكلة الفقر» (ص15): «يروى عن الرسول: كاد الفقر أن يكون كفرا».
  • ويقول في (ص16) من المصدر نفسه: «يروى عن أبي حنيفة: «لا تستشر من ليس في بيته دقيق»، أي: لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلا يكون حكمه سديدا».اهـ.
  • وقال في نفس المصدر (ص64): «ولهذا كان حق كل فقير مسلم أن يرفع دعوى النفقة على الأغنياء من أقاربه ومعه الشرع والقضاء الإسلامي».اهـ.
  • ويقول في المصدر نفسه (ص145): «الفقراء ليسوا طبقة في الإسلام: إن الإسلام يطارد الفقر بقوانينه وأنظمته وتوجيهاته».اهـ.

 

  •  

الرد:

إن القرضاوي ممن أعمى الله قلبه بحب المال حيث يتقلب بالآلاف المؤلفة من الرزم والحزم المكدسة جراء كتبه المليئة بالفساد والكساد وجراء المقابلات الفضائية([36]) المليئة بالتجرؤ على الإسلام وجراء مشاركته في كثير من البنوك المسماة إسلامية وباعترافه وهي بنوك فاسدة وسنفرد لها فصلا خاصا بإذن الله.

لذلك كله راح يهاجم الفقر وبشدة شأنه في ذلك كشأن شيخ دمشقي في لبنان راح يشنع على الفقر وقال فيما قال: «الغنى من أركان الإسلام» وقال: «إن الفقير مرتد على طوقين لأنه عطل الحج والزكاة».

وما أنت عنه يا قرضاوي ببعيد.

ألا تخجل أن تروي حديثا ليس صحيحا في هذا المقام وأنت الذي ادعيت أنك التزمت ألا تروي إلا الصحيح فقلت ما يروى عن رسول الله كاد الفقر أن يكون كفرا فتتبع حديثا لا أصل له وتترك ما جاء في القرءان والصحاح؟ ألم تقرأ قول الله تعالى في مدح فقراء المهاجرين بقوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللـه ورضوانا وينصرون اللـه ورسوله أولـئك هم الصادقون} [سورة الحشر: 8].

ثم أين قال أبو حنيفة لا تستشر من ليس في بيته دقيق ألم تقرأ الحديث قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: إنه يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيت ءال محمد.

فهل كان رسول الله ﷺ لا تجوز استشارته وكذلك الصحابة الذين كانوا يربطون الأحجار على بطونهم من شدة الجوع أياما ومنهم من هم من أكابر الصحابة؟! حتى الرسول نفسه ربط الحجر على بطنه من الجوع.

وأما ادعاؤك أنه ليس في مدح الفقر ءاية واحدة في كتاب الله ولا في حديث واحد يصح عن رسول الله فهذا هراء باطل أما الآية – غير ما سبق إيراده – فقد قال تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [سورة الحشر: 9]، فلو كان الفقر رذيلة فلم ءاثروا على أنفسهم. وأما الحديث فقد عنون البخاري بابا بقوله: «باب فضل الفقر»([37]) وإليك بقية الأدلة:

روى الترمذي([38]) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك»، ثم نفض بيده فقال: «عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه».

وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال([39]): «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما»، أو قال: «ثلاثا»، أو نحو هذا، «فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، فإذا شبعت شكرتك وحمدتك» قال: هذا حديث حسن.

ثم أنت يا قرضاوي أردت أن تكفر الفقير فلم تجرؤ على التصريح فنقلت زورا وبهتانا كلاما عن إمام صوفي وولي صالح ذي النون المصري حيث نقلت مستحسنا هذا النقل «أكفر الناس ذو فاقة لا صبر له» فلو أن فقيرا لم يصبر فسرق أو اغتصب أو شحذ أو فعل أي فعل لم يصل إلى حد الكفر فكيف يكفره إمام كبير؛ بل إن هذه الرواية المكذوبة صادفت هوى بنفسك فرويتها واستحسنتها.

روى الترمذي([40]) عن عبد الله بن مغفل قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله والله إني أحبك، فقال له: «انظر ماذا تقول» قال: والله إني لأحبك ثلاث مرات، قال: «إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه».

وروى الترمذي أيضا([41]) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الفقراء الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام، نصف يوم» قال: هذا حديث حسن صحيح.

وروى البخاري في صحيحه([42]) في باب فضل الفقر عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء».

وبعد هذه الأدلة الجامعة والبراهين اللامعة هل ستظل على ضلالك وبهتانك أم أنك تتوب وترعوي وتقلع عن ادعاء الاجتهاد ذلك الادعاء الفارغ حتى وصل بك الأمر إن صرت تهرف بما لا تعرف وتدخل فيما لا تعلم فهل المجتهد تفوته مثل هذه الأدلة الواضحة لذوي الفهم، الفاضحة لذوي الادعاء والتطاول.

([1]) انظر: الكتاب (ص200).

([2]) انظر: الكتاب (ص182).

([3]) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب: الزهد في الدنيا، وأبو نعيم في الحلية (3/252، 253).

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب: قول النبي r: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».

([6]) أخرجه أحمد في مسنده (5/243، 244).

([7]) مجموع فتاوى (33/8 – 9).

([8]) مجموع فتاوى (33/71).

([9]) مجموع فتاوى (33/92).

([10]) مجموع فتاوى (33/46).

([11]) مجموع فتاوى (33/66).

([12]) مجموع فتاوى (33/71).

([13]) فتح الباري (9/365).

([14]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب: طلاق الثلاث.

([15]) الثمانية هم: عكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري. انظر: سنن البيهقي (7/237).

[16])) القبس في شرح الموطأ مالك بن أنس (2/724).

[17])) فتح الباري (9/365).

[18])) الدرة المضية في الرد على ابن تيمية (ص22، 23).

[19])) مسائل الإمام أحمد (1/224).

[20])) حاشية الصاوي (1/107).

[21])) السنن الكبرى، للبيهقي (7/339، 340).

[22])) الإجماع (ص103).

[23])) الإشراف (4/165).

[24])) المقدمات الممهدات (ص385).

[25])) الآثار (ص105).

[26])) المنتقى شرح الموطأ (4/3).

[27])) جامع العلوم والحكم (2/255).

[28])) المغني والشرح الكبير (8/244، 245).

[29])) السنن الكبرى (7/340).

[30])) صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب: إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق.

[31])) فتح الباري (9/353، 354).

[32])) السنن الكبرى (7/334).

[33])) السنن الكبرى (7/325).

[34])) إتحاف السادة المتقين (5/396).

[35])) جريدة اللواء 3 تموز 1996، (ص15).

[36])) زعم في مجلة الأهرام العربي عدد 95/1999 قال: لا أحصل على مليم واحد من قناة الجزيرة. بينما تواترت المعلومات بأنه يتقاضى على الحلقة عشرة ءالاف درهم وحتى إنه روي أنه قبل أن يدخل إلى استديو إحدى القنوات في الإمارات المتحدة سأل المذيع كم ستعطوني فقال له المذيع: أظن 3500 درهم فهنا استشاط غضبا وهدد بعدم الدخول للمقابلة وقال: أنا أتقاضى في الجزيرة 10.000 درهم.

[37])) وقال الغزالي في الإحياء (3/249) «باب: ذم الغنى ومدح الفقر».

[38])) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه.

[39])) التخريج السابق.

[40])) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب: ما جاء في فضل الفقر.

[41])) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم.

[42])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، وباب: فضل الفقر، وكتاب بدء الخلق: باب: صفة الجنة.