الخميس يناير 29, 2026

القرضاوي يكفر الزاهد في الدنيا ويعتبر الزهد أمرا مذموما

القسم الرابع –

– يقول في كتابه المسمى «العبادة في الإسلام» ما نصه([1]): «ثم هو يشعرنا – أي: القرءان – أن إهمال الدنيا وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة إنما هو أمر مذموم خارج عن سنة الفطرة وصراط الدين معا».اهـ.

الرد:

وهكذا نجد القرضاوي يتمادى في ذم المسملين وتكفيرهم ليس في مسائل الكبائر والصغائر فحسب؛ بل في ما يتميزون به من فضائل ومحامد ومناقب.

فها هو يدعي أن القرءان يشعرنا أن إهمال الدنيا وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة يزعم: – أنه مذموم. – وخارج عن صراط الدين.

وهذا الكلام تكذيب لقوله ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» رواه ابن ماجه وغيره([2]).

أليس هذا تكفيرا لأهل الصفة الذين كان لا مأوى لهم ولا كافية وكان مأواهم المسجد؟

أليس هذا الكلام تكفيرا لسيدنا عيسى ابن مريم الذي لم يكن له بيت؛ بل كان ينام حيث يدركه المبيت وكان يأكل من بقول الأرض؟

ألم تسمع يا قرضاوي بحديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري([3]): «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم».

ألم تقرأ حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري([4]) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».

وأخيرا: إذا أسقط طالب الآخرة حساب الدنيا وشأنها وأهملها ولم يلتفت إليها من غير أن يقصر بنفقة واجبة ومن غير أن ينبني على ذلك مفسدة فلم يكون هذا الأمر مذموما وخارجا عن سنن الفطرة وصراط الدين معا كما زعم القرضاوي.

وقد رغب الرسول ﷺ في الزهد ترغيبا بالغا وحض على ترك التنعم فقال لمعاذ بن جبل([5]): «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين»، معناه: عباد الله الصالحون من شأنهم ترك التنعم كما كان الأنبياء على هذه السيرة.

وأما هؤلاء القرضاوي وجماعته الإخوانية والوهابية فشأنهم التنعم، أي: الاسترسال في ملذات الطعام والشراب ومفاخر الثياب والأثاث ونحو ذلك.

ثم ألم تعلم أن البخاري عنون لأحد أبواب الصحيح بقوله: (باب فضل الفقر).

([1]) انظر: الكتاب (ص182).

([2]) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب: الزهد في الدنيا، وأبو نعيم في الحلية (3/252، 253).

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب: قول النبي r: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».

([5]) أخرجه أحمد في مسنده (5/243، 244).

 

دحض ما لحق بالشيخ محيي الدين بن عربي من شبهات وبراءته من عقيدة الحلول والاتحاد

إن مما ابتلينا به في هذا العصر اناسًا يروجون الاكاذيب الملفقة والاقاويل الفاسدة باسم الصوفية وهم في الحقيقة ما عرفوا من الصوفية الا الاسم بل هم بعيدون كل البعد عن التصوف كما نرى اناسًا اخرون يذمون الصوفية بالاطلاق ويعتبرون التصوف كفرًا وزندقة ليست الصوفية مذمومة على الاطلاق بل المذموم هو من ادعى التصوف ثم خالف الشريعة وترك العمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانّه لا بد للصوفي ان يعمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا ليس كما يقول بعض مدعي التصوف عن الذين يشتغلون بالعلم انتم اهل الظاهر اما نحن اهل الباطن يقولونها على معنى الذم وهذا فساد لا يقبله الدين.

فالتصوف هو صفاء المعاملة مع الله والصدق بالقول والعمل والنية، واجتناب المحرم والتزام الواجب والاكثار من نوافل الطاعات وتعليق القلب بالاخرة والعطف على الفقراء والمساكين ومساعدة الارامل والمحتاجين وعدم تعلق القلب بالدنيا وزينتها مع التواضع والانكسار وغض البصر وحفظ الجوارح مع الحلم والتأدب بآداب الشريعة واتباع الرسول في كل صغيرة وكبيرة، والعمل بقول الله تعالى (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

الصوفية هم الذين صفّت نفوسهم وزكت اعمالهم فمن كان بهذه الصفة فهو من احباب الله تعالى، وقد كان اول الصوفية ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثم اشباهه في سيرته التي هي صفاء المعاملة واتباع الرسول فمن اداى الواجبات واجتنب المحرمات واخلص لله في سره واحسن نيته فذلك هو الصوفي الذي تستنزّل الرحمت بذكره، ليس التصوف مجرد لبس الثياب الرثة وعدم الاكتراث الى صنوف الملذات بل لا بد من التقوى قبل كل ذلك، فكم من اناس يظهرون انفسهم بمظهر التصوف ثم نراهم يحرفون دين الله تعالى بل ومنهم من يعتقد الحلول والاتحاد اي على زعمهم ان الله حل فيهم وهذا كفر وضلال، فمثل هؤلاء هم من اساءوا الى التصوف حتى ظن بعض الناس ان الصوفية كلهم على هذا الاعتقاد.

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب ، كذا يجب التحذير من كتاب -فصوص الحكم- وبعض غيرها من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.

واما الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه انه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان(2)، وذكر انه اعتد به حفاظ عصره كابن النجار.
واكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة، ففي كتابه -الفتوحات المكية- ما يخالف ذلك فان فيها ذم عقيدة الوحدة المطلقة، وذم عقيدة الحلول، فمما فيه لابطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في الفتوحات المكية (من قال بالحلول فدينُه معلول وما قال بالاتحاد الا اهل الالحاد). اهـ

فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في ابطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول، لا يجوز ان يصدق على الشيخ محيي الدين ما في بعض المواضع الاخرى من هذا النوع.

ومعناه من اعتقد بالحلول او الاتحاد فهو كافر ملحد والعياذ بالله وكان من هؤلاء رجل اسمه الحلاج كان يدعي التصوف ثم يقول ما في الجبة الا الله وانا الله وقد بعث مرة برسالة الى احد مريديه يقول له فيها من الرحمن الرحيم الى فلان، والعياذ بالله من هذا الكفر.

فالتصوف بريء من مثل هذا الرجل الذي تفرس فيه الجنيد امام الصوفية العارفين حيث قال له: لقد فتحت في الاسلام ثغرة لا يسدها الا رأسك، تحققّت فراسة الجنيد بالحلاج الذي قتل على يد الخليفة المقتدر بالله فأراح الله المسلمين من فساده وشره، وقد قال سيدنا احمد الرفاعي الكبير عن الحلاج (لو كان على الحق ما قال انا الحق) وليعلم ايضا انه ليس من التصوف الاجتماع باسم الطريقة بدعوى الذكر كما يفعل بعض المنتسبين الى بعض الطرق ثم نراهم يحرفون اسم الله كأن يقولوا اللا بدل الله ثم يقولون بعد ذلك اه اه فذلك من الحرام الذي لا يرضى الله به لان فيه تحريفًا لاسم الله والله تعالى يقول (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه).

ومما في الفتوحات المكية مما لا يصدق عليه ما نقله بعض اهل عصرنا وهو محمد الهاشمي التلمساني نزيل دمشق في رسالة الفها عن الفتوحات المكية:
كل كلام في العالم كلامه القول كله حسن فما وافق الغرض فهو احسن. اهـ وقد حضرت مجلس الشيخ الولي احمد الحارون الدمشقي رحمه الله وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف فسألته ان الشيخ محمدا الهاشمي الف رسالة ذكر فيها نقلا عن كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية هذه العبارة المذكورة فقال الشيخ احمد: هذا الشيخ ما له حق في ان يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير. اهـ

وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن والاخلاق مما يؤيد ما ذكرنا ما نصه(3):
وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية اجماع المحققين على ان من شرط الكامل ان لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة ابدا بل يرى ان من الواجب عليه ان يحق الحق ويبطل الباطل، ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما امكن. انتهى

هذا لفظه بحروفه ومن تأمله وفهمه عرف ان جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب -الفتوحات المكية- فانّه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في الفتوحات المكية في مواضع كثيرة من ان الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله ايضا في مواضع (من اراد ان لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلا ونهارا عند كل قول وفعل واعتقاد). انتهى
انتهى كلام الشعراني.

ثم قال الشيخ الشعراني في لطائف المنن ما نصه (4):
وليحذر ايضا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد اخبرني الشيخ ابو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة انه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الامور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة.
قلت [الشعراني]: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة، فلما اخبرت بانهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد عليّ الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم اجد فيها شيئا من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح، فالحمد لله على ذلك. انتهى كلام الشعراني

قال الشيخ ابو الهدى الصيادي ما نصه (5):
والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان، وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال (ولا تقف ما ليس لك به علم) الاسراء، وقد نسبوا اعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية، ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية. اهـ
ثم قال بعد كلام ما نصه (6):
والحق يقال: الذي عليه اهل الورع من علماء الدين انه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء لاننا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه، ولا من استمراره عليه الى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر. اهـ
وقال صاحب المعروضات المزبورة احد الفقهاء الحنفية المشهورين (تيقنا ان اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم). اهـ

ـــــــــــــــــــ
1 الاجوبة المرضية، مخطوط (ق/172).
2 لسان الميزان (5/353).
3 لطائف المنن والاخلاق (ص/390).
4 لطائف المنن والاخلاق (ص/394)
5 مراحل السالكين (ص/61)
6 مراحل السالكين (ص/6999)