القرضاوي يقدح بالعصمة ويزعم أن النبي ﷺ كان يعلم حال المنافقين وكان يعاملهم على أنهم مسلمون
الرد:
مما لا شك فيه أن المنافقين أيام رسول الله ﷺ كانوا ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: وهم كانوا غير معروفين وإنما كان الوحي ينزل على النبي ﷺ يخبره بأحوالهم وأوضاعهم وأقوالهم وغدرهم ومحاورة تثبيطهم لعزائم المسلمين ومؤامراتهم من غير أن يذكر القرءان أسماءهم ومن غير أن ينزل وحي غير قرءاني بتعيين كل فرد منهم بحيث يعلم الرسول أنهم فلان وفلان وهذا محمل الآية {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [سورة التوبة: 101]، وقد أعلم الرسول u ببعض المنافقين بالتعيين لبعضهم فقد صح أن الرسول قال ذات يوم في أثناء خطبته لبعض المنافقين: «اخرج فإنك منافق»([2]) فهذا يرد قول القرضاوي إنه كان يعاملهم معاملة المسلمين على الإطلاق، وهذا التهور من القرضاوي منشؤه أنه ليس له باع في العقيدة ولا في الفقه ولا في الحديث إنما هو مطالع من المطالعين لبعض الكتب. وبما أن المنافقين أيام رسول الله كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام فكان ﷺ والصحابة يعاملونهم معاملة المسلمين بحسب ما يرون ظواهرهم.
أما القسم الثاني: فينقسمون إلى قسمين؛ منهم: قسم عرفهم النبي ﷺ بالوحي، ومنهم: عرفهم بإظهارهم للكفر صراحة.
فأما القسم الأول ممن لم يطلع على أحوالهم فكان يعاملهم معاملة المسلمين، وكان يصلي عليهم لما كان يظهر منهم من الإسلام.
وأما القسم الثاني فكان يمسك عن قتلهم وينهى عن ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولمصلحة تأليف قلوبهم للدخول في الإسلام؛ ولأن المسلمين يومها كانوا في حالة ضعف.
وأما دعوى القرضاوي أنه ﷺ كان يطلع على أحوالهم وما تسره أفئدتهم بوحي من الله تعالى وأنهم يعاملون على أنهم مسلمون فهذه دعوى باطلة لا أساس لها، ولم يقل بها مسلم واحد فضلا عن إجماع أئمتهم، فكيف يعامل على أنه مسلم. وهو يعلم نفاقه وفي هذا نسبة النفاق للنبي ﷺ؛ لأنه بزعم القرضاوي كان يعتقد كفرهم ويعاملهم معاملة المسلمين.
فإن كان القرضاوي يتمسك بنهي النبي ﷺ عن قتل من قال لرسول الله ﷺ: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، أو ذاك الذي قال له: اعدل، فقال ﷺ: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل». قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه قال ﷺ: «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث([3]).
فالجواب: ما قاله الحافظ ابن حجر في «الفتح» ونصه([4]): «قوله: «فإن له أصحابا» هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه البخاري؛ لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام».اهـ. ثم إن رسول الله ﷺ أمر بقتله بعد ذلك كما ذكر الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» ونصه([5]):
«تنبيه: جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: جاء أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا، فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال: «اذهب إليه فاقتله»، قال: فذهب إليه أبو بكرن فلما رءاه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي ﷺ لعمر: «اذهب فاقتله»، فذهب فرءاه على تلك الحالة فرجع، فقال: «يا علي اذهب إليه فاقتله»، فذهب علي فلم يره فقال النبي ﷺ: «إن هذا وأصحابه يقرءون القرءان لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، فاقتلوهم هم شر البرية»، وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى([6]) ورجاله ثقات. ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول وكانت قصة هذه الثانية متراخية عن الأولى، وأذن ﷺ في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف، فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام، كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك، وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي([7])، فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي. ثم وجدت في مغازي الأموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة: «ثم دعا رجالا فأعطاهم فقام رجل فقال: «إنك لتقسم وما نرى عدلا، قال: «إذا لا يعدل أحد يعدي»، ثم دعا أبا بكر فقال: «اذهب فاقتله» فذهب فلم يجده فقال: «لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وءاخرهم»، فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه «ثم» من التراخي، والله أعلم».اهـ.
وقال ابن قدامة الحنبلي في «المغني»: «فمقتضى قولهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي ﷺ في الذي أنكر عليه إنها قسمة ما أريد بها وجه الله (لأبي بكر): «اذهب فاقتله»، ثم قال لعمر مثل ذلك».اهـ.
أما إن كان ما قاله القرضاوي مستندا على أن النبي ﷺ صلى على عبد الله ابن أبي بن سلول حيث توهم بعض أن الرسول صلى عليه وهو يعلم نفاقه في حال صلاته عليه.
فالجواب: أن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكفر، والصلاة على الكافر مع اعتقاد أنه كافر كفر، وذلك ينافي العصمة، وهذا أيضا تلاعب في الدين والرسول معصوم عن ذلك. فالرسول ﷺ لم يصل عليه إلا لاعتقاده تلك الساعة أنه ذهب عنه النفاق وأخلص في إسلامه وإيمانه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في موضع من «شرح البخاري»، فإذا كان حكم من يصلي وهو محدث متعمدا كافرا في نظر أبي حنيفة لاعتبار ذلك تلاعبا بالدين فكيف يتجرأ على قول إن الرسول صلى على ابن أبي مع علمه بأنه منافق غير مصدق للإسلام في قلبه، وهذه المسألة، أي: صلاة المحدث متعمدا عند الشافعية ليست كفرا وردة إنما هي من كبائر المعاصي إلا إذا اعتقد صحة صلاته أو فعلها مستخفا بالصلاة.
قال الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» ما نصه([8]): «وفي الطبراني من طريق عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه استأذن نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النبي ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ فلما دخل عليه قال: «أهلكك حب يهود» فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله. ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم ابن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي ﷺ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فامنن علي فكفني في قميصك وصل علي، ففعل»، وكأن عبد الله بن أبي أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك كما سيأتي، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة».اهـ.
وقال الحافظ أيضا ما نصه([9]): «قوله – أي: عمر – قال: إنه منافق، فصلى عليه، أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله. وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقوله وصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدم تقريره واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة. وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح ثم أمر بقتال المشركين فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام وقل أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى». انتهى كلام ابن حجر.
[1])) انظر: الكتاب (ص38).
[2])) ذكره ابن جرير في تفسيره (7/10).
[3])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه.
[4])) فتح الباري (12/293).
[5])) فتح الباري (12/298، 299).
[6])) أخرجه أبو يعلى في مسنده (4/150).
[7])) كذا في الأصل، ولعل الصواب: «على أن لا يكون يصلي».
[8])) فتح الباري (8/334).
[9])) فتح الباري (8/336).